149 - بَاب الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ 832 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ : مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنْ الْمَغْرَمِ ! فَقَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ . 833 - وَعَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ قَوْلُهُ : ( بَابُ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ ) أَيْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ ، هَذَا الَّذِي يَتَبَادَرُ مِنْ تَرْتِيبِهِ ، لَكِنْ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ ، لَا تَقْيِيدَ فِيهِ بِمَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ . وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ ، فَقَالَ : مِنْ حَيْثُ إِنَّ لِكُلِّ مَقَامٍ ذِكْرًا مَخْصُوصًا فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْكُلِّ اهـ . وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ التَّعْيِينَ الَّذِي ادَّعَاهُ لَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْمَحَلِّ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ ، فَكَمَا أَنَّ لِلسُّجُودِ ذِكْرًا مَخْصُوصًا وَمَعَ ذَلِكَ أُمِرَ فِيهِ بِالدُّعَاءِ ، فَكَذَلِكَ الْجُلُوسُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ لَهُ ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ وَأُمِرَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ بِالدُّعَاءِ إِذَا فَرَغَ مِنْهُ . وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا هُوَ تَرْتِيبُ الْبُخَارِيِّ ، لَكِنَّهُ مُطَالَبٌ بِدَلِيلِ اخْتِصَاصِ هَذَا الْمَحَلِّ بِهَذَا الذِّكْرِ ، وَلَوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ تَرْتِيبِهِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ التَّرْجَمَةِ وَالْحَدِيثِ مُنَافَاةٌ ، لِأَنَّ قَبْلَ السَّلَامِ يَصْدُقُ عَلَى جَمِيعِ الْأَرْكَانِ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ ، وَسَأَذْكُرُ كَلَامَهُ آخِرَ الْبَابِ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ - وَهُوَ ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ - : هَذَا يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِهَذَا الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَعْينِ مَحَلِّهِ ، وَلَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ مَوْطِنَيْنِ - السُّجُودِ أَوِ التَّشَهُّدِ - لِأَنَّهُمَا أُمِرَ فِيهِمَا بِالدُّعَاءِ . قُلْتُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ مِنْ تَعْيِينِهِ بِهَذَا الْمَحَلِّ ، فَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَعْدَ ذِكْرِ التَّشَهُّدِ ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ . ثُمَّ قَدْ أَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ كَلِمَاتٍ يُعَظِّمُهُنَّ جِدًّا . قُلْتُ : فِي الْمَثْنَى كِلَيْهِمَا ؟ قَالَ بَلْ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ ، قُلْتُ : مَا هِيَ ؟ قَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الْحَدِيثُ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِيهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ فَذَكَرَ نَحْوَهُ . هَذِهِ رِوَايَةُ وَكِيعٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بِلَفْظِ : إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فَذَكَرَهُ ، وَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيعِ الْإِسْنَادِ ، فَهَذَا فِيهِ تَعْيِينُ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ التَّشَهُّدِ ، فَيَكُونُ سَابِقًا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَدْعِيَةِ . وَمَا وَرَدَ الْإِذْنُ فِيهِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ يَكُونُ بَعْدَ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ وَقَبْلَ السَّلَامِ . قَوْلُهُ : ( مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهُ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْفِتْنَةُ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَاسْتِعْمَالُهَا فِي الْعُرْفِ لِكَشْفِ مَا يُكْرَهُ اهـ . وَتُطْلَقُ عَلَى الْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ وَالنَّمِيمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَالْمَسِيحُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ يُطْلَقُ عَلَى الدَّجَّالِ وَعَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، لَكِنْ إِذَا أُرِيدَ الدَّجَّالُ قُيِّدَ بِهِ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ : الْمَسِيحُ مُثَقَّلٌ الدَّجَّالُ وَمُخَفَّفٌ عِيسَى ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ . وَأَمَّا مَا نَقَلَ الْفَرَبْرِيُّ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ عَنْهُ عَنْ خَلَفِ بْنِ عَامِرٍ وَهُوَ الْهَمْدَانِيُّ أَحَدُ الْحُفَّاظِ أَنَّ الْمَسِيحَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ وَاحِدٌ ، يُقَالُ لِلدَّجَّالِ وَيُقَالُ لِعِيسَى وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بِمَعْنَى لَا اخْتِصَاصَ لِأَحَدِهِمَا بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَهُوَ رَأْيٌ ثَالِثٌ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : مَنْ قَالَهُ بِالتَّخْفِيفِ فَلِمَسْحِهِ الْأَرْضَ ، وَمَنْ قَالَهُ بِالتَّشْدِيدِ فَلِكَوْنِهِ مَمْسُوحَ الْعَيْنِ . وَحَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَالَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فِي الدَّجَّالِ وَنُسِبَ قَائِلُهُ إِلَى التَّصْحِيفِ . وَاخْتُلِفَ فِي تَلْقِيبِ الدَّجَّالِ بِذَلِكَ ، فَقِيلَ : لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ ، وَقِيلَ لِأَنَّ أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ خُلِقَ مَمْسُوحًا لَا عَيْنَ فِيهِ وَلَا حَاجِبَ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ يَمْسَحُ الْأَرْضَ إِذَا خَرَجَ . وَأَمَّا عِيسَى فَقِيلَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ زَكَرِيَّا مَسَحَهُ ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ الْأَرْضَ بِسِيَاحَتِهِ ، وَقِيلَ لِأَنَّ رِجْلَهُ كَانَتْ لَا أَخْمُصَ لَهَا ، وَقِيلَ لِلُبْسِهِ الْمُسُوحَ ، وَقِيلَ : هُوَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَاشِيخَا فَعُرِّبَ الْمَسِيحَ ، وَقِيلَ : الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ ذِكْرُ قَائِلِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَذَكَرَ شَيْخُنَا الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ صَاحِبُ الْقَامُوسِ أَنَّهُ جَمَعَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَةِ عِيسَى بِذَلِكَ خَمْسِينَ قَوْلًا أَوْرَدَهَا فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ . قَوْلُهُ : ( فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ ) ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : فِتْنَةُ الْمَحْيَا مَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ مِنَ الِافْتِتَانِ بِالدُّنْيَا وَالشَّهَوَاتِ وَالْجَهَالَاتِ ، وَأَعْظَمُهَا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ أَمْرُ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ . وَفِتْنَةُ الْمَمَاتِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْفِتْنَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ أُضِيفَتْ إِلَيْهِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا عَلَى هَذَا مَا قَبْلَ ذَلِكَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا فِتْنَةُ الْقَبْرِ ، وَقَدْ صَحَّ يَعْنِي فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ الْآتِي فِي الْجَنَائِزِ : إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ، وَلَا يَكُونُ مَعَ هَذَا الْوَجْهِ مُتَكَرِّرًا مَعَ قَوْلِهِ : عَذَابِ الْقَبْرِ لِأَنَّ الْعَذَابَ مُرَتَّبٌ عَنِ الْفِتْنَةِ وَالسَّبَبُ غَيْرُ الْمُسَبَّبِ . وَقِيلَ : أَرَادَ بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا الِابْتِلَاءَ مَعَ زَوَالِ الصَّبْرِ ، وَبِفِتْنَةِ الْمَمَاتِ السُّؤَالَ فِي الْقَبْرِ مَعَ الْحِيرَةِ ، وَهَذَا مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ ، لِأَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ دَاخِلٌ تَحْتَ فِتْنَةِ الْمَمَاتِ ، وَفِتْنَةُ الدَّجَّالِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ فِتْنَةِ الْمَحْيَا . وَأَخْرَجَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّ الْمَيِّتَ إِذَا سُئِلَ : مَنْ رَبُّكَ تَرَاءَى لَهُ الشَّيْطَانُ فَيُشِيرُ إِلَى نَفْسِهِ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ، فَلِهَذَا وَرَدَ سُؤَالُ التَّثَبُّتِ لَهُ حِينَ يُسْأَلُ . ثُمَّ أَخْرَجَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ : كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي الْقَبْرِ أَنْ يَقُولُوا : اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنَ الشَّيْطَانِ . قَوْلُهُ : ( وَالْمَغْرَمِ ) أَيِ الدَّيْنِ ، يُقَالُ غَرِمَ بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيِ ادَّانَ . قِيلَ : وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يُسْتَدَانُ فِيمَا لَا يَجُوزُ وَفِيمَا يَجُوزُ ثُمَّ يَعْجِزُ عَنْ أَدَائِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ . وَقَدِ اسْتَعَاذَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْمَغْرَمُ الْغُرْمُ ، وَقَدْ نَبَّهَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الضَّرَرِ اللَّاحِقِ مِنَ الْمَغْرَمِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، ثُمَّ وَجَدْتُ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ عَائِشَةُ ، وَلَفْظُهَا : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( مَا أَكْثَرَ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى التَّعَجُّبِ . و قَوْلُهُ : ( إِذَا غَرِمَ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ . قَوْلُهُ : ( وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَالْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ مَنْ يَسْتَدِينُ غَالِبًا . قَوْلُهُ : ( وَعَنِ الزُّهْرِيِّ ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، فَكَأَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَ بِهِ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا ، لَكِنْ لَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَسَانِيدِ وَالْمُسْتَخْرَجَاتِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ عَنْهُ إِلَّا مُطَوَّلًا وَرَأَيْتُهُ بِاللَّفْظِ الْمُخْتَصَرِ الْمَذْكُورِ سَنَدًا وَمَتْنًا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ صَالِحٍ . وَقَدِ اسْتُشْكِلَ دُعَاؤُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا ذُكِرَ مَعَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ مَغْفُورٌ لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ ، أَحَدُهَا : أَنَّهُ قَصَدَ التَّعْلِيمَ لِأُمَّتِهِ . ثَانِيهَا : أَنَّ الْمُرَادَ السُّؤَالُ مِنْهُ لِأُمَّتِهِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى هُنَا أَعُوذُ بِكَ لِأُمَّتِي . ثَالِثُهَا : سُلُوكُ طَرِيقِ التَّوَاضُعِ وَإِظْهَارُ الْعُبُودِيَّةِ وَإِلْزَامُ خَوْفِ اللَّهِ وَإِعْظَامِهِ وَالِافْتِقَارُ إِلَيْهِ وَامْتِثَالُ أَمْرِهِ فِي الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ تَكْرَارُ الطَّلَبِ مَعَ تَحَقُّيقِ الْإِجَابَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُحَصِّلُ الْحَسَنَاتِ وَيَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ ، وَفِيهِ تَحْرِيضٌ لِأُمَّتِهِ عَلَى مُلَازَمَةِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعَ تَحَقُّقِ الْمَغْفِرَةِ لَا يَتْرُكُ التَّضَرُّعَ فَمَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ أَحْرَى بِالْمُلَازَمَةِ . وَأَمَّا الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ مَعَ تَحَقُّقِهِ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهُ فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ، وَقِيلَ عَلَى الثَّالِثِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحَقُّيقِ عَدَمِ إِدْرَاكِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عِنْدَ مُسْلِمٍ : إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ ، الْحَدِيثَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ · ص 369 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الدعاء قبل السلام · ص 182 149 - باب الدعاء قبل السلام فيه حديثان : الأول : 832 - حدثنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري ، أنا عروة ، عن عائشة أخبرته ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو في الصلاة : اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات ، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم ، فقال له قائل : ما أكثر ما تستعيذ من المغرم ؟ فقال : إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ، ووعد فأخلف . 833 - وعن الزهري ، قال : أخبرني عروة ، أن عائشة قالت : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال . إنما في هذا الحديث أنه كان يدعو بذلك في صلاته ، وليس فيه أنه كان يدعو به في تشهده قبل السلام ، كما بوب عليه . وقد روى مسروق ، عن عائشة في ذكر عذاب القبر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل صلاة بعد ذلك إلا تعوذ من عذاب القبر . وقد خرجه البخاري في موضع آخر . وخرجه النسائي من رواية جسرة بنت دجاجة ، عن عائشة ، وفي حديثها : أنه كان يقول ذلك في دبر كل صلاة . وهذا يدل على أنه كان يقوله في تشهده . ويستدل على ذلك - أيضا - بحديث آخر ، خرجه مسلم من رواية الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، عن محمد بن أبي عائشة ، عن أبي هريرة . وعن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع ، يقول : اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح الدجال . وفي رواية له بالطريق الأول خاصة : إذا فرع أحدكم من التشهد فليقل . وفي رواية أخرى له أيضا - : التشهد الأخير . وخرج - أيضا - من رواية هشام ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ من ذلك - ولم يذكر الصلاة . وكذلك خرجه البخاري في الجنائز من رواية هشام . وهذا يدل على أن رواية الأوزاعي حمل فيها حديث يحيى ، عن أبي سلمة على لفظ حديث حسان ، عن ابن أبي عائشة ، ولعل البخاري لم يخرجه لذلك ؛ فإن المعروف ذكر الصلاة في رواية ابن أبي عائشة خاصة ، ولم يخرج له البخاري . وخرج أبو داود من رواية عمر بن يونس اليمامي : حدثني ابن عبد الله ابن طاوس ، عن أبيه ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول بعد التشهد : اللهم ، إني أعوذ بك من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ، وأعوذ بك من فتنة الدجال . وروى مالك ، عن أبي الزبير ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعلمهم الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن - فذكره ، ولم يذكر : الصلاة . وخرجه من طريقه مسلم . وكذلك خرج - أيضا - من طريق ابن عيينة ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - ومن طريق عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يأمر بهذا التعوذ ، ولم يذكر : الصلاة - أيضا . وذكر مسلم ، أن طاوسا كان يروي هذا الحديث عن ثلاثة ، أو عن أربعة ، وأنه أمر ابنه أن يعيد الصلاة حيث لم يتعوذ فيها من ذلك . وخرجه الحاكم من طريق ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وذكر الدارقطني أن ابن طاوس كان يرويه ، عن أبيه مرسلا . وسماع عائشة دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته يدل على أنه كان أحيانا يسمع من يليه دعاءه ، كما كان أحيانا يسمع من يليه الآية من القرآن .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الدعاء قبل السلام · ص 115 ( باب الدعاء قبل السلام ) أي هذا باب في بيان الدعاء قبل أن يسلم المصلي يعني التشهد قبل السلام . 218 - حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب عن الزهري قال : أخبرنا عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبرته أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يدعو في الصلاة : اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات ، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم ، فقال له قائل : ما أكثر ما تستعيذ من المغرم ! فقال : إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ، ووعد فأخلف . قال محمد بن يوسف : سمعت خلف بن عامر يقول في المسيح والمسيح - مشدد - : ليس بينهما فرق ، وهما واحد ، أحدهما عيسى عليه السلام ، والآخر الدجال . مطابقته للترجمة من وجهين ؛ أحدهما بالقرينة ، وهي التي ذكرها الكرماني ؛ من حيث إن لكل مقام ذكرا مخصوصا ، فتعين أن يكون مقامه بعد الفراغ من الكل ، وهو آخر الصلاة . ( قلت ) : بيان ذلك أن للصلاة قياما وركوعا وسجودا وقعودا ، فالقيام محل قراءة القرآن ، والركوع والسجود لهما دعاءان مخصوصان ، والقعود محل التشهد ، فلم يبق للدعاء محل إلا بعد التشهد قبل السلام ، وبهذا التقرير يندفع قول بعضهم عقيب نقله كلام الكرماني : وفيه نظر ؛ لأن هذا هو محل الترتيب للبخاري ، لكنه مطالب بدليل اختصاص هذا المحل بهذا الذكر ، ولو أمعن هذا القائل في تأمل ما ذكرنا لما طالب الكرماني بما ذكره . والوجه الآخر أن الأحاديث النبوية يفسر بعضها بعضا ، وقد روي في بعض الطرق تعيين محل الدعاء ، فأخرج ابن خزيمة من طريق ابن جريج ، أخبرني عبد الله بن طاووس ، عن أبيه أنه كان يقول بعد التشهد كلمات يعظمهن جدا . ( قلت ) : في المثنى كليهما قالا : بل في التشهد الأخير . ( قلت ) : ما هي ؟ قال : " أعوذ بالله من عذاب القبر " الحديث . قال ابن جريج : أخبرنيه عن أبيه ، عن عائشة مرفوعا . وروي من طريق محمد ابن أبي عائشة ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا " إذا تشهد أحدكم فليقل ... " فذكر نحوه ، هذه رواية وكيع عن الأوزاعي عنه . وأخرجه أيضا من رواية الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي بلفظ " إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير ... " فذكره ، وفي رواية ابن ماجه : إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ من أربع ... " الحديث . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة ، كلهم قد ذكروا غير مرة . وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وشعيب ابن أبي حمزة ، والزهري محمد بن مسلم . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وبصيغة الإخبار كذلك في موضعين ، وبالإفراد من الماضي في موضع واحد ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في موضعين ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية ، وفيه التصريح بأن عائشة رضي الله تعالى عنها زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وفيه أن الاثنين الأولين من الرواة حمصيان ، والآخران مدنيان . وأخرجه البخاري أيضا عن أبي اليمان في الاستقراض . وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن إسحاق الصاغاني ، عن أبي اليمان به . وأخرجه أبو داود والنسائي عن عمرو بن عثمان ، عن بقية ، عن شعيب به . ( ذكر معناه ) : قوله : " كان يدعو في الصلاة " أي في آخر الصلاة بعد التشهد قبل السلام بالقرائن التي ذكرناها . قوله : " من فتنة المسيح الدجال " الفتنة عبارة عن الابتلاء والامتحان ، يقال : فتنته أفتنه فتنا وفتونا إذا امتحنته ، ويقال فيها : أفتنته أيضا ، وهو قليل ، وقد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه ، ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر والقتال والإحراق والإزالة والصرف عن الشيء . والمسيح - بفتح الميم وكسر السين المهملة المخففة ، وفي آخره حاء مهملة - يطلق على عيسى ابن مريم ، وعلى الدجال أيضا ، ولكنه يفرق بالتقييد ، وسمي الدجال بالمسيح ؛ لأن الخير مسح منه فهو مسيح الضلالة ، وقيل : سمي به ؛ لأن عينه الواحدة ممسوحة ، ويقال : رجل ممسوح الوجه ومسيح ، وهو أن لا يبقى على أحد شقي وجهه عين ولا حاجب إلا استوى ، وقيل : لأنه يمسح الأرض أي يقطعها إذا خرج ، وقال أبو الهيثم : إنه مسيح على وزن سكيت ، وهو الذي مسح خلقه أي شوه ، فكأنه هرب من الالتباس بالمسيح ابن مريم عليهما السلام ، ولا التباس ؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام إنما سمي مسيحا ؛ لأنه كان لا يمسح بيده المباركة ذا عاهة إلا برئ ، وقيل : لأنه كان أمسح الرجل لا أخمص له ، وقيل : لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بدهن ، وقيل : المسيح الصديق ، وقيل : هو بالعبرانية مشيحا فعرب ، وأما تسمية الدجال بهذا اللفظ فلأنه خداع ملبس ؛ من الدجل ، وهو الخلط ، ويقال : الطلي والتغطية ، ومنه البعير المدجل أي المدهون بالقطران ، ودجلة نهر ببغداد ، سميت بذلك لأنها تغطي الأرض بمائها ، وهذا المعنى أيضا في الدجال ؛ لأنه يغطي الأرض بكثرة أتباعه ، أو يغطي الحق بباطله ، وقيل : لأنه مطموس العين من قولهم : دجل الأثر إذا عفى ودرس ، وقيل : من دجل أي كذب ، والدجال الكذاب . قوله : " من فتنة المحيا وفتنة الممات " المحيا والممات كلاهما مصدران ميميان بمعنى الحياة والموت ، ويحتمل زمان ذلك ؛ لأن ما كان معتلا من الثلاثي فقد يأتي منه المصدر والزمان والمكان بلفظ واحد ، أما فتنة الحياة ، فهي التي تعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات ، وأشدها وأعظمها والعياذ بالله تعالى أمر الخاتمة عند الموت . وأما فتنة الموت فاختلفوا فيها ، فقيل : فتنة القبر ، وقيل : يحتمل أن يراد بالفتنة عند الاحتضار ، أضيفت إلى الموت لقربها منه . ( فإن قلت ) : إذا كان المراد من قوله : " وفتنة الممات " فتنة القبر يكون هذا مكررا ؛ لأن قوله : " من عذاب القبر " يدل على هذا . ( قلت ) : لا تكرار ؛ لأن العذاب يزيد على الفتنة ، والفتنة سبب له ، والسبب غير المسبب . قوله : " من المأثم " أي الإثم الذي يجر إلى الذم والعقوبة ، أو المراد هو الإثم نفسه وضعا للمصدر موضع الاسم . قوله : " والمغرم " أي الدين ، يقال : غرم الرجل بالكسر إذا ادان ، وقيل : الغرم والمغرم ما ينوب الإنسان في ماله من ضرر بغير جناية منه ، وكذلك ما يلزمه أداؤه ، ومنه الغرامة ، والغريم الذي عليه الدين والأصل فيه الغرام ، وهو الشر الدائم والعذاب . قوله : " فقال له قائل " أي قال للنبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قائل سائلا عن وجه الحكمة في كثرة استعاذته من المغرم ، فقال - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إن الرجل إذا غرم - يعني إذا لحقه دين - حدث فكذب ؛ بأن يحتج بشيء في وفاء ما عليه ، ولم يقم به ، فيصير كاذبا ، ووعد فأخلف ؛ بأن قال لصاحب الدين : أوفيك دينك في يوم كذا أو في شهر كذا أو في وقت كذا ، ولم يوف فيه ، فيصير مخالفا لوعده ، والكذب وخلف الوعد من صفات المنافقين ، كما ورد في الحديث المشهور ، فلولا هذا الدين عليه لما ارتكب هذا الإثم العظيم ، ولما اتصف بصفات المنافقين . وكلمة " ما " في قوله : " ما أكثر ما تستعيذ " للتعجب و " ما " الثانية مصدرية ، يعني ما أكثر استعاذتك من المغرم ، و " ما تستعيذ " في محل النصب . قوله : " حدث " بالتشديد جزاء الشرط . قوله : " وكذب " بالتخفيف عطف عليه . قوله : " ووعد " عطف على " حدث " . قوله : " أخلف " كذا هو في رواية الحموي ، وفي رواية الأكثرين " فأخلف " بالفاء . فإن قلت : قوله : " فتنة المحيا والممات " يشمل جميع ما ذكر ، فلأي شيء خصصت هذه الأشياء الأربعة بالذكر ؟ ( قلت ) : لعظم شأنها وكثرة شرها ، ولا شك أن تخصيص بعض ما يشمله العام من باب الاعتناء بأمره لشدة حكمه . وفيه أيضا عطف العام على الخاص ، وذلك لفخامة أمر المعطوف عليه وعظم شأنه ، وفيه اللف والنشر الغير المرتب ؛ لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات ، وفتنة الدجال تحت فتنة المحيا . ( فإن قلت ) : ما فائدة تعوذه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من هذه الأمور التي قد عصم منها ؟ ( قلت ) : إنما ذلك ليلتزم خوف الله تعالى ، ولتقتدي به الأمة ، وليبين لهم صفة الدعاء . ( فإن قلت ) : سلمنا ذلك ، ولكن ما فائدة تعوذه من فتنة المسيح الدجال مع علمه بأنه متأخر عن ذلك الزمان بكثير ؟ ( قلت ) : فائدته أن ينتشر خبره بين الأمة من جيل إلى جيل وجماعة إلى جماعة بأنه كذاب ، مبطل ، مفتر ، ساع على وجه الأرض بالفساد ، مموه ، ساحر ؛ حتى لا يلتبس على المؤمنين أمره عند خروجه - عليه اللعنة - ويتحققوا أمره ، ويعرفوا أن جميع دعاويه باطلة ، كما أخبر به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويجوز أن يكون هذا تعليما منه لأمته ، أو تعوذا منه لهم . ( فإن قلت ) : يعارض التعوذ بالله عن المغرم ما رواه جعفر بن محمد عن أبيه ، عن عبد الله بن جعفر يرفعه " إن الله تعالى مع الدائن حتى يقضي دينه ، ما لم يكن فيما يكرهه الله تعالى " ، وكان ابن جعفر يقول لخادمه : " اذهب فخذ لي بدين ؛ فإني أكره أن أبيت الليلة إلا والله معي " قال الطبراني : وكلا الحديثين صحيح . ( قلت ) : المغرم الذي استعاذ منه إما أن يكون في مباح ، ولكن لا وجه عنده لقضائه ، فهو متعرض لهلاك مال أخيه ، أو يستدين وله إلى القضاء سبيل ، غير أنه يرى ترك القضاء ، وهذا لا يصح إلا إذا نزل كلامه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على التعليم لأمته ؛ أو يستدين من غير حاجة طمعا في مال أخيه ونحو ذلك ، وحديث جعفر فيمن يستدين لاحتياجه احتياجا شرعيا ونيته القضاء ، وإن لم يكن له سبيل إلى القضاء في ذلك الوقت ؛ لأن الأعمال بالنيات ونية المؤمن خير من عمله . قوله : " قال محمد بن يوسف " هو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطرف الفربري ، أحد الرواة عن البخاري ، يحكي البخاري عنه أنه قال : سمعت خلف بن عامر - يعني الهمداني ، أحد الحفاظ - أنه لم يفرق بين المسيح بالتخفيف والمسيح بالتشديد . وذكرنا عن أبي الهيثم أنه فرق بينهما ، وقد مر الكلام فيه مستوفى . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه إثبات عذاب القبر ردا على المعتزلة ، ومن أنكره من غيرهم ، وفيه إثبات وجود الدجال وإثبات خروجه ، وفيه الاستعاذة من الفتن والشرور والسؤال من الله تعالى دفعها عنه ، وفيه بشاعة الدين وشدته وتأديته الدائن إلى ارتكاب الكذب والخلف في الوعد اللذين هما من صفات المنافقين ، وفيه وجوب الاستعاذة من الدين ؛ لأنه يشين في الدنيا والآخرة . وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال : " الدين راية الله في الأرض ، فإذا أراد الله أن يذل عبدا وضعه في عنقه " . رواه الحاكم ، وقال : صحيح على شرط مسلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الدعاء قبل السلام · ص 118 ( وعن الزهري قال : أخبرني عروة أن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال ) . هذا عطف على قوله : " شعيب ، عن الزهري " وأشار به إلى أن الزهري روى الحديث المذكور مطولا ومختصرا ، فالمطول هو الذي سبق قبله الذي استعاذ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالله فيه من الأشياء المذكورة ، وهاهنا اقتصر على الاستعاذة من فتنة الدجال ، وهاهنا زيادة ذكر السماع عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ثم اعلم أن العلماء اختلفوا فيما يدعو به الإنسان في صلاته ، فعند أبي حنيفة وأحمد : لا يجوز الدعاء إلا بالأدعية المأثورة ، أو الموافقة للقرآن العظيم لقوله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " . رواه مسلم وذكره ابن أبي شيبة عن أبي هريرة وطاووس ومحمد بن سيرين ، وقال الشافعي ومالك : يجوز أن يدعو فيها بكل ما يجوز الدعاء به خارج الصلاة من أمور الدنيا والدين مما يشبه كلام الناس ، ولا تبطل صلاته بشيء من ذلك عندهما . وقال ابن حزم بفرضية التعوذ الذي في حديث عائشة ؛ لما ذكر مسلم عن طاووس أنه أمر ابنه بإعادة صلاته التي لم يدع بها فيها .