152 - بَاب التَّسْلِيمِ 837 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ ، وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَأُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مُكْثَهُ لِكَيْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنْ انْصَرَفَ مِنْ الْقَوْمِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ التَّسْلِيمِ ) أَيْ مِنَ الصَّلَاةِ ، قِيلَ : لَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ حُكْمَهُ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُ فِي الْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ الْوُجُوبُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ : كَانَ إِذَا سَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِتَحَقُّقِ مُوَاظَبَتِهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي . وَحَدِيثِ تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ . أَمَّا حَدِيثُ : إِذَا أَحْدَثَ وَقَدْ جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ جَازَتْ صَلَاتُهُ . فَقَدْ ضَعَّفَهُ الْحُفَّاظُ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ . ( تَنْبِيهٌ ) : لَمْ يَذْكُرْ عَدَدَ التَّسْلِيمِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ التَّسْلِيمَتَيْنِ ، وَذَكَرَ الْعُقَيْلِيُّ وَابْنُ عَبْدِ البر أَنَّ حَدِيثَ التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ مَعْلُولٌ ، وَبَسَطَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب التَّسْلِيمِ · ص 375 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب التسليم · ص 204 152 - باب التسليم 837 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا إبراهيم بن سعد ، ثنا الزهري ، عن هند بنت الحارث ، أن أم سلمة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه ، ومكث يسيرا قبل أن يقوم . قال ابن شهاب : فأرى - والله أعلم - أن مكثه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم . المقصود من هذا الحديث : ذكر تسليم النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة ، وتسليمه من الصلاة مذكور في أحاديث كثيرة جدا ، قد سبق بعضها ، ويأتي بعضها ، كمثل حديث ابن بحينة في قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - من الثنتين ولم يجلس ، ومثل حديث عمران بن حصين حين صلى خلف علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - ومثل حديث أبي هريرة في سلام النبي - صلى الله عليه وسلم - من اثنتين ، وكلام ذي اليدين له ، وحديث ابن مسعود في سجود السهو - أيضا . والأحاديث في ذلك كثيرة جدا . ولعله ذكر هاهنا هذا الحديث لما ذكر فيه من قيام النساء حين يقضي تسليمه ؛ فإن هذا الكلام يشعر بأنه كان يسلم تسليمتين ، فإذا قضاهما قام النساء ، فإنه لا يقال : قضى ذلك بمعنى الفراغ منه إلا فيما له أجزاء متعددة تنقضي شيئا فشيئا ، كما قال تعالى : فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشيطان وهربه من الأذان والتثويب به : فإذا قضي الأذان - وإذا قضي التثويب - أقبل . ولا يكاد يقال لمن سلم على قوم مرة : قضى سلامه ، بمعنى فرغ ، ولا لمن كبر للإحرام : قضى تكبيره ، ولا لمن عطس فحمد الله : قضى حمده . ولم يخرج البخاري الأحاديث المصرحة بتسليم النبي - صلى الله عليه وسلم - تسليمتين عن يمينه وشماله في الصلاة شيئا ، ولعله كان يميل إلى قول من يقول بالتسليمة الواحدة ، وقد كان شيخه ابن المديني يميل إلى ذلك ، متابعة لشيوخه البصريين . وخرج مسلم في صحيحه من أحاديث التسليمتين عدة أحاديث : منها : حديث مجاهد ، عن أبي معمر ، أن أميرا كان يسلم تسليمتين بمكة ، فقال - يعني : ابن مسعود - : أنى علقها ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله . وقد اختلف في رفعه ووقفه ، وخرجه مسلم بالوجهين . وخرج - أيضا - من حديث سعد بن أبي وقاص ، قال : كنت أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم عن يمينه وعن يساره ، حتى أرى بياض خده . وهو من رواية عبد الله بن جعفر المخرمي ، ولم يخرج له البخاري . وخرج - أيضا - من حديث عبيد الله بن القبطية ، عن جابر بن سمرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله . وروى أبو إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم عن يمينه وعن يساره : السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه . وفي رواية لهم : حتى يرى بياض خده . وخرجه الترمذي بدون ذلك ، وصححه . وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وصححه . وصححه العقيلي ، وقال : الأحاديث صحاح ثابتة من حديث ابن مسعود في تسليمتين . وفي رواية للنسائي : ورأيت أبا بكر وعمر يفعلان ذلك . قد اختلف في إسناده على أبي إسحاق على أقوال كثيرة ، وفي رفعه ووقفه ، وكان شعبة ينكر أن يكون مرفوعا . وروى عمرو بن يحيى المازني ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمه واسع بن حبان ، أنه سأل ابن عمر ، عن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - : كيف كانت ؟ قال : الله أكبر ، كلما وضع ورفع ، ثم يقول : السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه ، السلام عليكم ورحمة الله عن يساره . خرجه الإمام أحمد والنسائي . وهذا إسناد جيد . قال ابن عبد البر : هو إسناد مدني صحيح ، إلا أنه يعلل بأن ابن عمر كان يسلم تسليمة واحدة ، فكيف يروي هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يخالفه ؟ وقد ذكر البيهقي أنه اختلف في إسناده ، لكنه رجح صحته . ورواه - أيضا - بقية ، عن الزبيدي ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر - مرفوعا - أيضا . قال أبو حاتم : هو منكر . وقال الدارقطني : اختلف على بقية في لفظه : روي أنه كان يسلم تسليمتين ، وروي تسليمة واحدة ، وكلها غير محفوظة . وقال الأثرم : هو حديث واه ، وابن عمر كان يسلم واحدة ، قد عرف ذلك عنه من وجوه ، والزهري كان ينكر حديث التسليمتين ، ويقول : ما سمعنا بهذا . وروي - أيضا - من حديث حميد الساعدي ، أنه لما وصف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم عن يمينه وشماله . خرجه أبو داود من رواية الحسن بن الحر : حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن عباس بن سهل ، عنه . وقد سبق الكلام على هذا الإسناد . وفي الباب أحاديث كثيرة ، لا تخلو أسانيد غالبها من كلام . وقد قال الإمام أحمد - في رواية ابنه عبد الله - : ثبت عندنا ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه ، أنه كان يسلم عن يمينه وعن شماله ، حتى يرى بياض خده . وقال العقيلي : الأحاديث الصحاح ، عن ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وغيرهما في تسليمتين . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يسلم تسليمة واحدة من وجوه لا يصح منها شيء - : قاله ابن المديني والأثرم والعقيلي وغيرهم . وقال الإمام أحمد : لا نعرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في التسليمة الواحدة إلا حديثا مرسلا لابن شهاب الزهري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . انتهى . ومراسيل ابن شهاب من أوهى المراسيل وأضعفها . ومن أشهرها : حديث زهير بن محمد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه ، ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئا . خرجه الترمذي من رواية عمرو بن أبي سلمة التنيسي ، عن زهير ، به . وقال : لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه . قال محمد بن إسماعيل : زهير بن محمد أهل الشام يروون عنه مناكير ، ورواية أهل العراق عنه أشبه . وخرجه ابن ماجه من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني ، عن زهير ، به ، مختصرا . وخرجه الحاكم ، وقال : صحيح على شرطهما . وأخطأ فيما قال ؛ فإن روايات الشاميين ، عن زهير مناكير عند أحمد ويحيى بن معين والبخاري وغيرهم . قال أحمد - في رواية الأثرم - : أحاديث التنيسي ، عن زهير بواطيل . قال : وأظنه قال : موضوعة . قال : فذكرت له هذا الحديث في التسليمة الواحدة . فقال : مثل هذا . وذكر ابن عبد البر : أن يحيى بن معين سئل عن هذا الحديث ، فضعفه . وقال أبو حاتم الرازي : هو منكر ، إنما هو عن عائشة - موقوف . وكذا رواه وهيب بن خالد ، عن هشام . وكذا رواه الوليد بن مسلم ، عن زهير بن محمد ، عن هشام ، عن أبيه - موقوفا . قال الوليد : فقلت لزهير : فهل بلغك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه شيء ؟ قال : نعم ، أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلم تسليمة واحدة . قال العقيلي : حديث الوليد أولى . يعني : من حديث عمرو بن أبي سلمة . قال : وعمرو في حديثه وهم . قال الدارقطني : الصحيح وقفه ، ومن رفعه فقد وهم . وخرج النسائي من حديث سعد بن هشام ، عن عائشة في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالليل ، أنه كان يسلم تسليمة يسمعنا . وخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : يسلم تسليمة واحدة : السلام عليكم يرفع بها صوته ، حتى يوقظنا . وقد حمله الإمام أحمد على أنه كان يجهر بالواحدة ، ويسر الثانية . وروى عبد الوهاب الثقفي ، عن حميد ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم تسليمة واحدة . خرجه الطبراني والبيهقي . ورفعه خطأ ، إنما هو موقوف ، كذا رواه أصحاب حميد ، عنه ، عن أنس ، من فعله . وروى جرير بن حازم ، عن أيوب ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة . خرجه البزار في مسنده . وأيوب ، رأى أنسا ، ولم يسمع منه - : قاله أبو حاتم . وقال الأثرم : هذا حديث مرسل ، وهو منكر ، وسمعت أبا عبد الله يقول : جرير بن حازم يروي عن أيوب عجائب . وروى روح بن عطاء بن أبي ميمونة ، ثنا أبي ، عن الحسن ، عن سمرة : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم في الصلاة تسليمة واحدة قبالة وجهه ، فإذا سلم عن يمينه سلم عن يساره . خرجه الدارقطني والعقيلي والبيهقي وغيرهم ، وخرجه بقي بن مخلد مختصرا . وروح هذا ، ضعفه ابن معين وغيره ، وقال الأثرم : لا يحتج به . وفي الباب أحاديث أخر لا تقوم بها حجة ، لضعف أسانيدها . وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك : فمنهم من كان يسلم ثنتين ، ومنهم من كان يسلم واحدة . قال عمار بن أبي عمار : كان مسجد الأنصار يسلمون تسليمتين ، ومسجد المهاجرين يسلمون تسليمة واحدة . وأكثر أهل العلم على التسليمتين . وممن روي عنه ذلك من الصحابة : أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعمار وسهل بن سعد ونافع بن عبد الحارث . وروي عن عطاء والشعبي وعلقمة ومسروق وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعمرو بن ميمون وأبي وائل وأبي عبد الرحمن السلمي . وهو قول النخعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور ، وحكي عن الأوزاعي . وروي التسليمة الواحدة عن ابن عمر وأنس وعائشة وسلمة بن الأكوع ، وروي عن عثمان وعلي - أيضا - وعن الحسن وابن سيرين وعطاء - أيضا - وعمر بن عبد العزيز والزهري ، وهو قول مالك والأوزاعي والليث . وهو قول قديم للشافعي . وحكاه أحمد عن أهل المدينة ، وقال : ما كانوا يسلمون إلا واحدة . قال : وإنما حدثت التسليمتان في زمن بني هاشم . يعني : في ولاية بني العباس . وقال الليث : أدركت الناس يسلمون تسليمة واحدة . وقد اختلف على كثير من السلف في ذلك ، فروي عنهم التسليمتان ، وروي عنهم التسليمة الواحدة ، وهو دليل على أن ذلك كان عندهم سائغا ، وإن كان بعضه أفضل من بعض ، وكان الأغلب على أهل المدينة التسليمة الواحدة ، وعلى أهل العراق التسليمتان . وحكي للشافعي قول ثالث قديم - أيضا - وقيل : إن الربيع نقله عنه ، فيكون حينئذ جديدا - : أنه إن كان المصلي منفردا أو في جماعة قليلة ولا لغط عندهم فتسليمة واحدة ، وإلا فتسليمتان . والقائلون بالتسليمتين أكثرهم على أنه لو اقتصر على تسليمة واحدة أجزأه ، وصحت صلاته ، وذكره ابن المنذر إجماعا ممن يحفظ عنه من أهل العلم . وذهب طائفة منهم إلى أنه لا يخرج من الصلاة إلا بالتسليمتين معا ، وهو قول الحسن بن حي وأحمد - في رواية عنه - وبعض المالكية وبعض أهل الظاهر . واستدلوا بقوله عليه السلام : تحليلها التسليم ، وقالوا : التسليم إلى ما عهد منه فعله ، وهو التسليمتان ، وبقوله : صلوا كما رأيتموني أصلي ، وقد كان يسلم تسليمتين . ومن ذهب إلى قول الجمهور ، قال : التسليم مصدر ، والمصدر يصدق على القليل والكثير ، ولا يقتضي عددا ، فيدخل فيه التسليمة الواحدة . واستدلوا بأن الصحابة قد كان منهم من يسلم تسليمتين ، ومنهم من يسلم تسليمة واحدة ، ولم ينكر هؤلاء على هؤلاء ، بل قد روي عن جماعة منهم التسليمتان والتسليمة الواحدة ، فدل على أنهم كانوا يفعلون أحيانا هذا وأحيانا هذا ، وهذا إجماع منهم على أن الواحدة تكفي . قال أكثر أصحابنا : ومحل الخلاف ، عن أحمد في الصلاة المكتوبة ، فأما التطوع فيجزئ فيه تسليمة ، واستدلوا بحديث عائشة في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالليل ، وقد سبق ذكره . وخرج الإمام أحمد من حديث إبراهيم الصائغ ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة يسمعناها . وقد تأول حديث عائشة في هذا المعنى على أنه كان يسمعهم واحدة ويخفي الثانية ، وقد نص أحمد على ذلك ، وأن الأولى تكون أرفع من الثانية في الجهر . وقد روى أبو رزين ، قال : سمعت عليا يسلم في الصلاة عن يمينه وعن شماله ، والتي عن شماله أخفض . ومن أصحابنا من قال : يجهر بالثانية ويخفض بالأولى ، وهو قول النخعي . واختلفوا في صفة التسليم : فقالت طائفة : صفة التسليم : السلام عليكم ورحمة الله ، وهذا مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه ، وإليه ذهب أكثر العلماء . ولو اقتصر على قوله السلام عليكم أجزأه عند جمهورهم ، ولأصحاب أحمد فيه وجهان . وقالت طائفة : يزيد مع ذلك : وبركاته ، ومنهم : الأسود بن يزيد ، كان يقولها في التسليمة الأولى . وقال النخعي : أقولها وأخفيها . واستحبه طائفة من الشافعية . وقد خرج أبو داود من حديث وائل بن حجر ، أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان يسلم عن يمينه : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وعن شماله : السلام عليكم ورحمة الله . ومن أصحابنا من قال : إنما فعل ذلك مرة لبيان الجواز . وكان من السلف من يقول في التسليمة الأولى : السلام عليكم ورحمة الله ، ويقتصر في الثانية على السلام عليكم ، وروي عن عمار وغيره . وقد تقدم حديث ابن عمر المرفوع بموافقة ذلك . وقالت طائفة : بل يقتصر على قوله : السلام عليكم بكل حال ، وهو قول مالك والليث بن سعد ، وروي عن علي وغيره . وكذلك هو في بعض روايات حديث جابر بن سمرة المرفوع . وفي بعضها زيادة : ورحمة الله . وقد خرجه مسلم بالوجهين . وأكثر العلماء على أنه لا يخرج من الصلاة بدون التسليم ، واستدلوا بحديث : تحليلها التسليم . وممن قال من الصحابة : تحليل الصلاة التسليم : ابن مسعود وابن عباس ، وحكاه الإمام أحمد إجماعا . وذهب طائفة إلى أنه يخرج من الصلاة بفعل كل مناف لها ، من أكل أو شرب أو كلام أو حدث ، وهو قول الحكم وحماد والثوري وأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي وإسحاق . ولم يفرقوا بين أن يوجد المنافي باختيار المصلي أو بغير اختياره إلا أبا حنيفة ، فإنه قال : إن وجد باختياره خرج من الصلاة بذلك ، وإن وجد بغير اختياره بطلت صلاته ، وجعل الفرض الخروج منها بفعل المنافي باختيار المصلي لذلك . وخالفه صاحباه في اشتراط ذلك . وقد حكي عن طائفة من السلف : أن من أحدث بعد تشهده تمت صلاته ، منهم : الحسن وابن سيرين وعطاء - على خلاف عنه - والنخعي . وروي ذلك عن علي بن أبي طالب ، وقد أنكر صحته أحمد وأبو حاتم الرازي وغيرهما . وروي - أيضا - عن ابن مسعود من طريق منقطع . واستدل لهؤلاء بحديث ابن مسعود : إذا قلت هذا وقضيت هذا فقد قضيت صلاتك ، فإن شئت أن تقوم فقم ، وإن شئت أن تقعد فاقعد . وقد سبق ذكره ، والاختلاف في رفعه ووقفه على ابن مسعود . واختلف في لفظه - أيضا - : فرواه بعضهم ، وقال : قال ابن مسعود : فإذا فرغت من صلاتك ، فإن شئت فاثبت ، وإن شئت فانصرف . خرجه البيهقي . وهذه الرواية تدل على أنه إنما خيره إذا فرغ من صلاته ، وإنما يفرغ بالتسليم ؛ بدليل ما روى شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، قال : مفتاح الصلاة التكبير ، وانقضاؤها التسليم ، إذا سلم الإمام فقم إن شئت . قال البيهقي : وهذا أثر صحيح . وقال : ويكون مراد ابن مسعود : الإنكار على من زعم أن المأموم لا يقوم حتى يقوم إمامه . وحمل أبو حنيفة وإسحاق حديث : تحليلها التسليم على التشهد ، وقالوا : يسمى التشهد تسليما ؛ لما فيه من التسليم على النبي والصالحين . وهذا بعيد جدا . واستدلوا - أيضا - بما روى عبد الرحمن بن زياد الأفريقي ، أن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة أخبراه ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا أحدث وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم جازت صلاته . خرجه الترمذي . وقال : إسناده ليس بالقوي ، وقد اضطربوا في إسناده ، والأفريقي ضعفه القطان وأحمد بن حنبل . وخرجه أبو داود بمعناه . وخرجه الدارقطني ، ولفظه : إذا أحدث بعدما يرفع رأسه من آخر سجدة واستوى جالسا تمت صلاته . وقد روي بهذا المعنى ، عن الأفريقي ، عن عبد الله بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو - مرفوعا . وهذا اضطراب منه في إسناده ، كما أشار إليه الترمذي ، ورفعه منكر جدا ، ولعله موقوف ، والأفريقي لا يعتمد على ما ينفرد به . قال حرب : ذكرت هذا الحديث لأحمد ، فرده ، ولم يصححه . وقال الجوزجاني : هذا الحديث لا يبلغ القوة أن يدفع أحاديث : تحليلها التسليم . وأجاب بعضهم عن هذا ، وعن حديث ابن مسعود - على تقدير صحتهما - بالنسخ ، واستدل بما روى عمر بن ذر ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد في آخر صلاته قدر التشهد أقبل على الناس بوجهه ، وذلك قبل أن ينزل التسليم . خرجه البيهقي . وخرجه وكيع في كتابه ، عن عمر بن ذر ، عن عطاء - بمعناه - وقال : حتى نزل التسليم . وقد ذكرنا - فيما تقدم في أول كتاب الصلاة - حديثا ، عن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في أول الإسلام ركعتين ، ثم أمر أن يصلي أربعا ، فكان يسلم بين كل ركعتين ، فخشينا أن ينصرف الصبي والجاهل ، يرى أنه قد أتم الصلاة ، فرأيت أن يخفي الإمام التسليمة الأولى ، ويعلن بالثانية ، فافعلوا ذلك . خرجه الإسماعيلي . وإسناده ضعيف . ولم يقل بذلك أحد من علماء المسلمين : إن الصلاة الرباعية المكتوبة يسلم فيها مرتين : مرة في التشهد الأول ، ومرة في الثاني ، ولكن الإمام يسر السلام الأول ، ويعلن بالثاني ، والأحاديث كلها تدل على أنه لم يكن يسلم فيها إلا مرة واحدة ، في التشهد الثاني خاصة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب التسليم · ص 121 ( باب التسليم ) أي هذا باب في بيان التسليم في آخر الصلاة ، وإنما لم يشر إلى حكمه هل هو واجب أم سنة لوقوع الاختلاف فيه لتعارض الأدلة ، وقال بعضهم : ويمكن أن يؤخذ الوجوب من حديث الباب حيث جاء فيه " كان إذا سلم " ؛ لأنه يشعر بتحقيق مواظبته على ذلك . ( قلت ) : قام الدليل على أن التسليم في آخر الصلاة غير واجب ، وأن تركه غير مفسد للصلاة ، وهو " أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى الظهر خمسا ، فلما سلم أخبر بصنيعه ، فثنى رجله ، فسجد سجدتين " . رواه عبد الله بن مسعود . وأخرجه الجماعة بطرق متعددة وألفاظ مختلفة ، قال الطحاوي رحمه الله : ففي هذا الحديث أنه أدخل في الصلاة ركعة من غيرها قبل التسليم ، ولم ير ذلك مفسدا للصلاة ، فدل ذلك أن السلام ليس من صلبها ، ولو كان واجبا كوجوب السجدة في الصلاة لكان حكمه أيضا كذلك ، ولكنه بخلافه فهو سنة . انتهى . ( قلت ) : اختلف العلماء في هذا فقال مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم : إذا انصرف المصلي من صلاته بغير لفظ التسليم فصلاته باطلة ، حتى قال النووي : ولو اختل بحرف من حروف " السلام عليكم " لم تصح صلاته ، واحتجوا على ذلك بقوله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " تحليلها التسليم " . رواه أبو داود ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا وكيع عن سفيان ، عن ابن عقيل ، عن محمد بن الحنفية ، عن علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم " . وأخرجه الترمذي وابن ماجه أيضا . وأخرجه الحاكم في ( مستدركه ) وقال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ، وقال الترمذي : هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن . ( قلت ) : اختلفوا في صحته بسبب ابن عقيل ، وهو عبد الله بن محمد بن عقيل ، فقال محمد بن سعد : هو من الطبقة الرابعة من أهل المدينة ، وكان منكر الحديث ، لا يحتجون بحديثه ، وكان كثير العلم ، وقال ابن المديني ، عن بشر بن عمر الزهراني : كان مالك لا يروي عنه ، وكان يحيى بن سعيد لا يروي عنه . وعن يحيى بن معين : ليس حديثه بحجة ، وعنه : ضعيف الحديث ، وعنه : ليس بذلك ، وقال العجلي : تابعي ، مدني ، جائز الحديث ، وقال النسائي : ضعيف وقال الترمذي : صدوق ، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه . وعلى تقدير صحته أجاب الطحاوي عنه بما محصله أن عليا رضي الله تعالى عنه روى عنه " من رابه إذا رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته " فدل على أن معنى الحديث المذكور لم يكن على أن الصلاة لا تتم إلا بالتسليم إذا كانت تتم عنده بما هو قبل التسليم ، فكأن معنى " تحليلها التسليم " التحليل الذي ينبغي أن تحل به لا بغيره . وجواب آخر أن الحديث المذكور من أخبار الآحاد ، فلا يثبت به الفرض . ( فإن قلت ) : كيف أثبت فرضية التكبير به ، ولم يثبت فرضية التسليم ؟ ( قلت ) : أصل فرضية التكبير في أول الصلاة بالنص ، وهو قوله تعالى : وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى وقوله : وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ غاية ما في الباب يكون الحديث بيانا لما يراد به من النص والبيان به يصح ، كما في مسح الرأس ، وذهب عطاء ابن أبي رباح وسعيد بن المسيب وإبراهيم وقتادة وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وابن جرير الطبري بهذا إلى أن التسليم ليس بفرض ، حتى لو تركه لا تبطل صلاته . 222 - حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا إبراهيم بن سعد قال : حدثنا الزهري عن هند بنت الحارث أن أم سلمة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه ، ومكث يسيرا قبل أن يقوم . قال ابن شهاب : فَأُرَى - والله أعلم - أن مكثه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم . مطابقته للترجمة في قوله : " كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا سلم " . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة : موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي ، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن سعد بن إبراهيم بن عوف ، والزهري هو محمد بن مسلم ، وهند بنت الحارث تقدمت في باب العلم والعظة بالليل ، وأم سلمة هند بنت أبي أمية زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته مدنيون ما خلا شيخ البخاري فإنه بصري ، وفيه رواية تابعي عن تابعية ، عن صحابية . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الصلاة ، عن أبي الوليد ويحيى بن قزعة . وعن عبد الله بن محمد . وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن يحيى ومحمد بن رافع . وأخرجه النسائي عن محمد بن مسلمة ، عن ابن وهب . وأخرجه فيه عن أبي بكر ابن أبي شيبة . ( ذكر معناه ) : قوله : " حتى يقضي تسليمه " ويروى " حين يقضي تسليمه " أي حين يتم تسليمه ويفرغ منه . قوله : " فأرى " بضم الهمزة أي أظن أن مكث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يسيرا ؛ لأجل نفاذ النساء وذهابهن قبل تفرق الرجال ؛ لئلا يدركهن بعض المتفرقين من الصلاة . قوله : " والله أعلم " جملة معترضة . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه خروج النساء إلى المساجد ، وسبقهن بالانصراف والاختلاطِ بهن مظنة الفساد ، ويمكث الإمام في مصلاه والحالة هذه ، فإن لم يكن هناك نساء فالمستحب للإمام أن يقوم من مصلاه عقيب صلاته ، كذا قاله الشافعي في ( المختصر ) ، وفي ( الإحياء ) للغزالي : أن ذلك فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وصححه ابن حبان في غير ( صحيحه ) ، وقال النووي : وعللوا قول الشافعي بعلتين ؛ إحداهما لئلا يشك من خلفه هل سلم أم لا ، الثانية لئلا يدخل غريب فيظنه بعد في الصلاة ، فيقتدي به ، وقال صاحب ( التوضيح ) : لكن ظاهر حديث البراء بن عازب " رمقت صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوجدت قيامه فركعته فاعتداله بعد ركوعه فسجدته فجلسته بين السجدتين فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف - قريبا من السواء " . رواه مسلم ، يعني أنه لم يكن يثبت ساعة ما يسلم ، بل كان يجلس بعد السلام جلسة قريبة من السجود ، وقال الشافعي في ( الأم ) : وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام ، وإن أخر ذلك حتى ينصرف بعد الإمام أو معه كان ذلك أحب إلي ، وفي ( الذخيرة ) : إذا فرغ من صلاته أجمعوا أنه لا يمكث في مكانه مستقبل القبلة ، وجميع الصلوات في ذلك سواء ، فإن لم يكن بعدها تطوع إن شاء انحرف عن يمينه أو يساره ، وإن شاء استقبل الناس بوجهه إذا لم يكن أمامه من يصلي ، وإن كان بعد الصلاة سننٌ يقوم إليها ، وبه نقول ، ويكره تأخيرها عن أداء الفريضة ، فيتقدم أو يتأخر أو ينحرف يمينا أو شمالا . وعن الحلواني من الحنفية جواز تأخير السنن بعد المكتوبة ، والنص أن التأخير مكروه ، ويدعو في الفجر والعصر ؛ لأنه لا صلاة بعدهما ، فيجعل الدعاء بدل الصلاة ويستحب أن يدعو بعد السلام ، وقال في ( التوضيح ) أيضا : إذا أراد الإمام أن ينتقل في المحراب ويقبل على الناس للذكر والدعاء ، جاز أن ينتقل كيف شاء ، وأما الأفضل فأن يجعل يمينه إليهم ويساره إلى المحراب ، وقيل : عكسه . وبه قال أبو حنيفة . ومن فوائد الحديث وجوب غض البصر ، ومكث الإمام في موضعه ، ومكث القوم في أماكنهم .