154 - بَاب مَنْ لَمْ يَرَ رَدَّ السَّلَامِ عَلَى الْإِمَامِ وَاكْتَفَى بِتَسْلِيمِ الصَّلَاةِ 839 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا مِنْ دَلْوٍ كَانَ فِي دَارِهِمْ . 840 - قَالَ : سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الْأَنْصارِيَّ ، ثُمَّ أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ ، قَالَ : كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي سَالِمٍ ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَقُلْتُ : إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي ، وَإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي ، فَوَدِدْتُ أَنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مَكَانًا حَتَّى أَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا . فَقَالَ : أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ بَعْدَمَا اشْتَدَّ النَّهَارُ ، فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَذِنْتُ لَهُ ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ : أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ ؟ فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ ؛ فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ لَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ عَلَى الْإِمَامِ وَاكْتَفَى بِتَسْلِيمِ الصَّلَاةِ ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عِتْبَانَ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَاعْتِمَادُهُ فِيهِ عَلَى قَوْلِهِ : ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ ؛ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُمْ سَلَّمُوا نَظِيرَ سَلَامِهِ ، وَسَلَامُهُ إِمَّا وَاحِدَةٌ وَهِيَ الَّتِي يَتَحَلَّلُ بِهَا مِنَ الصَّلَاةِ وَإِمَّا هِيَ وَأُخْرَى مَعَهَا ، فَيَحْتَاجُ مَنِ اسْتَحَبَّ تَسْلِيمَةً ثَالِثَةً عَلَى الْإِمَامِ بَيْنَ التَّسْلِيمَتَيْنِ - كَمَا تَقُولُهُ الْمَالِكِيَّةُ - إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ ، وَإِلَى رَدِّ ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : أَظُنُّهُ قَصَدَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ يُوجِبُ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ ، وَقَدْ نَقَلَهُ الطَّحَاوِيُّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ . انْتَهَى . وَفِي هَذَا الظَّنِّ بُعْدٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَزَعَمَ ) الزَّعْمُ يُطْلَقُ عَلَى الْقَوْلِ الْمُحَقَّقِ وَعَلَى الْقَوْلِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ وَعَلَى الْكَذِبِ ، وَيَنْزِلُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا الْأَوَّلُ ، لِأَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ مُوَثَّقٌ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ ، فَقَوْلُهُ عِنْدَهُ مَقْبُولٌ . قَوْلُهُ : ( مِنْ دَلْوٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : كَانَتْ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أَيْ مِنْ بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ ، وَلَفْظُ الدَّلْوِ يَدُلُّ عَلَيْهِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : بَلِ الدَّلْوُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيَّ ثُمَّ أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ ) بِنَصْبِ أَحَدٍ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ الْأَنْصَارِيَّ ، وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ الْأَنْصَارِيَّ ثُمَّ السَّالِمِيَّ ، هَذَا الَّذِي يَكَادُ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُمَارَسَةٍ بِمَعْرِفَةِ الرِّجَالِ أَنْ يَقْطَعَ بِهِ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى عِتْبَانَ يَعْنِي سَمِعْتُ عِتْبَانَ ، ثُمَّ سَمِعْتُ أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ أَيْضًا ، قَالَ : وَالْمُرَادُ بِهِ فِيمَا يَظْهَرُ الْحُصَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، فَكَأَنَّ مَحْمُودًا سَمِعَ مِنْ عِتْبَانَ ، وَمِنْ الْحُصَيْنِ . قَالَ : وَهُوَ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمَسَاجِدِ فِي الْبُيُوتِ أَنَّ الزُّهْرِيَّ هُوَ الَّذِي سَمِعَ مَحْمُودًا ، وَالْحُصَيْنَ ، قَالَ : وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنَّ الزُّهْرِيَّ ، وَمَحْمُودًا سَمِعَا جَمِيعًا مِنَ الْحُصَيْنِ ، قَالَ : وَلَوْ رُوِيَ بِرَفْعِ أَحَدٍ بِأَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى مَحْمُودٍ لَسَاغَ وَوَافَقَ الرِّوَايَةَ الْأُولَى ، يَعْنِي فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : ، أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ أَيِ الْحُصَيْنُ . انْتَهَى . وَكَأَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ : ثُمَّ سَأَلْتُ الْحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيَّ وَهُوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ ؛ فَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ثُمَّ أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ هُنَا ؛ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ هُنَاكَ ، وَلَا حَاجَةَ لِذَلِكَ ، فَإِنَّ عِتْبَانَ مِنْ بَنِي سَالِمٍ أَيْضًا ، وَهُوَ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ زِيَادِ بْنِ غُنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ ، وَقِيلَ فِي نَسَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَنِي سَالِمٍ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّقْدِيرِ فِي إِدْخَالِ أَخْبَرَنِي بَيْنَ ثُمَّ وَأَحَدٍ ، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ إِشْكَالٌ آخَرُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْحُصَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ صَاحِبَ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ ، أَوْ أَنَّهَا تَعَدَّدَتْ لَهُ وَلِعِتْبَانَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْحُصَيْنَ الْمَذْكُورَ لَا صُحْبَةَ لَهُ ، بَلْ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ أَبَاهُ فِي الصَّحَابَةِ . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، الْحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ شَيْخًا غَيْرَ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْهُ مُرْسَلَةٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي الرِّجَالِ لِمَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ رِوَايَةً عَنِ الْحُصَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَلَوَدِدْتُ ) أَيْ فَوَاللَّهِ لَوَدِدْتُ . قَوْلُهُ : ( اشْتَدَّ النَّهَارُ ) أَيِ ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ . قَوْلُهُ : ( فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ ) ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : فَاعِلُ أَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ ، قَالَ : وَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَالَ : فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ ، لَا مَكَانَ وُقُوعِ الْإِشَارَتَيْنِ مِنْهُ وَمِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِمَّا مَعًا وَإِمَّا سَابِقًا وَلَاحِقًا . قُلْتُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ فَاعِلَ أَشَارَ هُوَ عِتْبَانُ ، لَكِنْ فِيهِ الْتِفَاتٌ ، إِذْ ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنْ يَقُولَ : فَأَشَرْتُ إِلَخْ ، وَبِهَذَا تَتَوَافَقُ الرِّوَايَاتُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ لَمْ يَرَ رَدَّ السَّلَامِ عَلَى الْإِمَامِ وَاكْتَفَى بِتَسْلِيمِ الصَّلَاةِ · ص 376 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من لم يرد السلام على الإمام واكتفى بتسليم الصلاة · ص 224 154 – باب من لم يرد السلام على الإمام واكتفى بتسليم الصلاة خرج فيه حديث عتبان - أيضا : 839 ، 840 عن عبدان ، عن ابن المبارك ، بالإسناد المتقدم ، وذكر الحديث بتمامه ، وفي آخره قال : فغدا علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر معه بعدما اشتد النهار ، فاستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - فأذنت له ، فلم يجلس حتى قال : أين تحب أن أصلي من بيتك ؟ فأشار إليه من المكان الذي أحب أن يصلي فيه ، فقام وصففنا خلفه ، ثم سلم ، وسلمنا حين سلم . مراده بهذا الحديث في هذا الباب : أن الذين صلوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت عتبان سلموا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سلم من الصلاة ، ولم يوجد منهم سوى السلام من الصلاة كسلام النبي - صلى الله عليه وسلم - منها ، وفي ذلك رد على من قال : إن المأموم يرد على الإمام سلامه مع تسليمه من السلام إما قبله أو بعده . وقد قال بذلك طوائف من السلف ، منهم : ابن عمر وأبو هريرة : فروي عن ابن عمر ، أنه كان إذا سلم الإمام رد عليه ، ثم سلم عن يمينه ، فإن سلم عليه أحد عن يساره رد عليه وإلا سكت . وروي عنه ، أنه كان يسلم عن يمينه ، ثم يرد على الإمام . وعن أبي هريرة ، أنه كان إذا سلم الإمام قال : السلام عليك أيها القارئ . وقال عطاء : ابدأ بالإمام ، ثم سلم على من عن يمينك ، ثم على من عن شمالك . وعن الحسن وقتادة نحوه . وقال الشعبي : إذا سلم الإمام فرد عليه . وكان سالم يفعله . وقاله النخعي . وقال الزهري : هو سنة . قال مكحول : كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يردون على الإمام إذا سلم عليهم . وقال عطاء - أيضا - : حق عليك أن ترد على الإمام إذا سلم . وقال - مرة - : هو مخير ، إن شاء رد عليه ، وإن شاء صبر حتى يسلم لنفسه ، وينوي به الإمام ، ومن صلى على جانبيه . وقال في الرد على الإمام : يرد في نفسه ، ولا يسمعه . وكذا قال حماد . فإن كان مراد من قال : يرد على الإمام : أنه يرد عليه السلام في نفسه ، ولا يتكلم به ، فهذا الرد إذا فعله في الصلاة لا تبطل به الصلاة ، وإن كان مراده : أنه يرد بلسانه ، كما هو ظاهر كلام أكثرهم ، فإنه ينبني على أن رد السلام في الصلاة لا يبطل الصلاة ، وقد ذهب إلى ذلك طائفة من السلف ، ويأتي ذكره في موضع آخر - إن شاء الله تعالى . وقد ينبني - أيضا - على أن السلام ليس من فروض الصلاة ، وأنه يخرج من الصلاة بكل مناف لها من الكلام ونحوه ، كما قال ذلك من ذكرنا قوله من قبل . وأما من قال : إن الرد على الإمام يكون بعد السلام من الصلاة ، فهذا لا إشكال فيه ؛ فإنه قد خرج من الصلاة بالسلام ، وقد ذهب إلى ذلك غير واحد من الأئمة المشهورين . قال مالك ، في المأموم : يسلم تسليمة عن يمينه ، وأخرى عن يساره ، ثم يرد على الإمام . قال ابن عبد البر : تحصيل قول مالك في ذلك : أن الإمام يسلم واحدة تلقاء وجهه ، ويتيامن بها قليلا ، وأن المصلي لنفسه - يعني : منفردا - يسلم اثنتين - في رواية ابن القاسم - وأن المأموم يسلم ثلاثا إن كان عن يساره أحد . واختلف قوله في موضع رد المأموم على الإمام : فمرة قال : يسلم عن يمينه وعن يساره ، ثم يرد على الإمام . ومرة قال : يرد على الإمام بعد أن يسلم عن يمينه ، ثم يسلم عن يساره . وقد روى أهل المدينة ، عن مالك وبعض المصريين ، أن الإمام والمنفرد سواء ، يسلم كل واحد منهما تسليمة واحدة تلقاء وجهه ، ويتيامن بها قليلا . قال : وكان الليث بن سعد يبدأ بالرد على الإمام ، ثم يسلم عن يمينه وعن يساره . ونقل أبو داود ، عن أحمد في الرد على الإمام قبل السلام ، قال : لا . قيل له : فبعده ؟ قال : نعم ، وإن شاء نوى بالسلام الرد . قال : وما أعرف فيه حديثا عاليا يعتمد عليه . قال القاضي أبو يعلى : وظاهر هذا : أنه مخير في الرد على الإمام بالنية في حال سلامه ، أو بالقول بعده ، فيقول : السلام عليك أيها القارئ . قال : ويسر به ، ولا يجهر . نقل المروذي ، عن أحمد في الرجل يرد السلام على الإمام ، فقال : إذا نوى بتسليمه الرد ، فقد رد عليه ، فإن فعل رجل فليخفه . قال : ومعناه : إن رد عليه بالقول فليخفه . وقال إسحاق : لا اختلاف بين أهل العلم في الرد على الإمام إذا سلم كما سلم ، ولكن اختلفوا : هل يبدأ بالرد عليه قبل السلام ، أم يرد عليه بعد السلام ؟ قال : وأحب إلي أن يرد بعد السلام . قال : وإذا رفع صوته بالرد قدر ما يسمع الإمام والصف الذي يليه جاز ، وإن أسره وأسمع أذنيه بالرد على الإمام أجزأه . وكل من قال : يرد على الإمام قال : يرد عليه بلفظ السلام من غير زيادة ، إلا ما روي عن أبي هريرة ، أنه يقول : السلام عليك أيها القارئ ، كما سبق . واختلفوا في المأموم : هل ينوي بسلامه من الصلاة الرد على إمامه ، أم لا ؟ وفيه قولان : أحدهما : لا ينوي ذلك ، ونص عليه أحمد في رواية مهنا وغيره ، وهو اختيار ابن حامد من أصحابنا ؛ لأن السلام ركن من أركان الصلاة ، لا يخرج منها بدونه ، على ما تقدم ، والصلاة لا يرد فيها السلام على أحد ، بل هو مبطل للصلاة ؛ لأنه خطاب آدمي ، هذا مذهبنا ، وقول جمهور العلماء . وعلى هذا : فهل تبطل صلاته بذلك ؟ قال ابن حامد من أصحابنا : إن لم ينو سوى الرد بطلت صلاته ، وإن نوى الرد والخروج من الصلاة ففي البطلان وجهان ؛ لأنه لم يخلص النية لخطاب المخلوق ، فأشبه ما لو قال لمن دق عليه الباب : ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ ينوي به القراءة والإذن له ؛ فإن في بطلان الصلاة بذلك روايتين ، أصحهما : لا تبطل . قال أحمد - في رواية جعفر بن محمد - : السلام على الإمام لا نعرف له موضعًا ، وتسليم الإمام هو انقضاء الصلاة ، ليس هو سلام على القوم ، فيجب عليهم أن يردوا ، ولكن ابن عمر شدد في هذا ، يسلم الرجل وينوي به السلام من الصلاة والرد على الإمام ، كأنه يقوله على وجه الإنكار لذلك . قيل له : إنهم يقولون : إن رد السلام على الإمام واجب . قال : أرجو أن لا يكون واجبا ، وإن رد فلا بأس . والقول الثاني : أنه ينوي المأموم بسلامه الرد على إمامه ، وهو قول عطاء والنخعي وحماد والثوري ، ونص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه . وهل هو مسنون مستحب ، أو جائز ؟ فيه روايتان - أيضا - عن أحمد : قال - في رواية يعقوب بن بختان - : ينوي بسلامه الرد . وهو اختيار أبي حفص العكبري . وقال - في رواية غيره - : لا بأس به . فظاهره : جوازه فقط ، وهو اختيار القاضي أبي يعلى وغيره . وقال - في رواية ابن هانئ - : إذا نوى بتسليمه الرد على الإمام أجزأه . وظاهر هذا : أنه واجب ؛ لأنه رد سلام ، فيكون فرض كفاية ، إلا أن يقال : إن المسلم في الصلاة لا يجب الرد عليه ، أو يقال : إنه يجوز تأخير الرد إلى بعد السلام . ولكن إذا جوزنا تأخيره وجب أحد أمرين : إما أن ينوي الرد بالسلام ، أو أن يرد بعد ذلك ، وهو قول عطاء كما تقدم . وتبويب البخاري قد يشعر بذلك ؛ لقوله : واكتفى بتسليم الإمام ، ويحتمل أنه أراد أن تسليم الصلاة كاف ، عن الرد ، وإن لم ينو به الرد ، كما قاله أحمد في رواية . وقال يحيى بن سعيد الأنصاري : إذا سلمت عن يمينك أجزأك من الرد عليه . وكذا قال النخعي . ولم يشترطا أن ينوي بسلامه الرد . قال أبو حفص العكبري : وينوي بالأولى الخروج من الصلاة ، وبالثانية الرد على الإمام والحفظة . وممن رأى أن ينوي بسلامة الرد على الإمام : أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما . ثم قال أصحاب الشافعي : إن كان المأموم عن يمين الإمام نوى بتسليمته الأولى السلام على من عن يمينه من الملائكة والمسلمين من الإنس والجن ، وينوي بالثانية ذلك مع الرد على إمامه ، وإن كان المأموم عن يسار إمامه نواه في الأولى ، وإن كان محاذيا له نواه في أيتهما شاء ، والأولى أفضل - : نص عليه الشافعي في الأم ، وينوي الإمام بسلامه من عن يمينه ويساره من الملائكة والمسلمين من المأمومين وغيرهم ، وينوي بعض المأمومين الرد على بعض . قالوا : وكل هذه النيات مستحبة ، لا يجب منها شيء . وقال أصحاب أبي حنيفة : ينوي المصلي بكل تسليمة من في تلك الجهة من الناس والحفظة . وهل يقدم الآدميين على الملائكة في النية ؟ على روايتين عندهم : أحدهما : يقدم الملائكة ؛ لأنهم عندهم أفضل . والثانية : يقدم الناس ؛ لمشاهدتهم . ويدخل المأموم الإمام في الجهة التي هو فيها . فإن كان بحذائه أدخله في اليمين ؛ لأنها أفضل . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن حماد ، قال : إذا كان الإمام ، عن يمينك ثم سلمت عن يمينك ، ونويت الإمام كفى ذلك ، وإذا كان عن يسارك ثم سلمت عن يسارك ونويت الإمام كفى ذلك - أيضا - وإن كان بين يديك فسلم عليه في نفسك ، ثم سلم عن يمينك وشمالك . وأما نية الخروج من الصلاة ، فهل هي واجبة ، تبطل الصلاة بتركها ، أم لا ؟ فيه وجهان لأصحابنا ، اختار ابن حامد وجوبها ، واختار الأكثرون عدم الوجوب ، وهو ظاهر كلام أحمد . وينوي الخروج بالأولى ، سواء قلنا : يخرج بها من الصلاة ، أو قلنا : لا يخرج إلا بالثانية ؛ لأن النية تستصحب إلى الثانية . ومن الأصحاب من قال : إن قلنا : الثانية سنة نوى بالأولى الخروج ، وإن قلنا : الثانية فرض نوى الخروج بالثانية خاص . والصحيح : الأول . ولأصحاب الشافعي في وجوب نية الخروج بالسلام وبطلان الصلاة بتركها وجهان - أيضا . ونص الشافعي على أن ينوي بالسلام الخروج . ولكن اختلفوا : هل هو محمول على الاستحباب ، أو الوجوب ؟ وإنما ينوي الخروج عندهم بالأولى ؛ لأن الثانية ليست عندهم واجبة بغير خلاف . واستدل من استحب أن ينوي بسلامه الحفظة والإمام والمأمومين بما خرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة ، قال : كنا إذا صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا : السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله ، وأشار بيده إلى الجانبين ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس ، وإنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله . وفي رواية له : فقال : ما شأنكم تشيرون بأيديكم ، كأنها أذناب خيل شمس ، إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ، ولا يومئ بيده . وخرج أبو داود من حديث سمرة بن جندب ، قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نرد على الإمام ، وأن نتحاب ، وأن يسلم بعضنا على بعض . وخرج أبو داود - أيضا - من طريق آخر ، عن سمرة ، قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ابدأوا قبل التسليم ، فقولوا : التحيات الطيبات الصلوات ، والملك لله ، ثم سلموا على اليمين ، ثم سلموا على قارئكم وعلى أنفسكم . وخرجه ابن ماجه بمعناه . وفي رواية له بإسناد فيه ضعف : إذا سلم الإمام فردوا عليه . وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث عاصم بن ضمرة ، عن علي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي قبل العصر أربعا ، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين ، والنبيين والمرسلين ، ومن تبعهم من المؤمنين . وقال الترمذي : حديث حسن . وظاهره : يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان ينوي بسلامه في صلاة التطوع السلام على الملائكة ومن ذكر معهم . وتأوله إسحاق على أنه أراد بذلك التشهد ؛ فإنه يسلم فيه على عباد الله الصالحين . وهو خلاف الظاهر . والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من لم يرد السلام على الإمام واكتفى بتسليم الصلاة · ص 123 ( باب من لم يرد السلام على الإمام واكتفى بتسليم الصلاة ) أي هذا باب في بيان من لم يرد السلام على الإمام ، يعني بتسليمة ثالثة بين التسليمتين ، واكتفى بتسليم الصلاة ، وهو التسليمتان ، ويروى " من لم يردد السلام " من الترديد ، وهو تكرير السلام ، والحاصل من هذه الترجمة أن البخاري يرد بذلك على من يستحب تسليمة ثالثة على الإمام بين التسليمتين ، وهم طائفة من المالكية ، وقال ابن التين : يريد البخاري أن من كان خلف الإمام إنما يسلم واحدة ينوي بها الخروج من الصلاة ، ولم يرد على الإمام ، ولا على من في يساره ، وفيه نظر ، وإنما أراد البخاري ما ذكرناه ، والدليل على ذلك أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان لا يرد على الإمام . وعن النخعي : إن شاء رد ، وإن شاء لم يرد ، وفي ( التوضيح ) : ومالك يرى أنه يرد . وبه قال ابن عمر في أحد قوليه ، والشعبي ، وسالم ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء . وقال ابن بطال : أظن البخاري أنه قصد الرد على من أوجب التسليمة الثانية ؟ ( قلت ) : فيه نظر ، والصواب ما ذكرناه . واختلف العلماء في هذا الباب ؛ فذهب عمر بن عبد العزيز والحسن البصري ومحمد بن سيرين والأوزاعي ومالك - إلى أن التسليم في آخر الصلاة مرة واحدة ، ويحكى ذلك عن ابن عمر وأنس وسلمة بن الأكوع وعائشة رضي الله تعالى عنهم . واحتجوا في ذلك بحديث سعد ابن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه " أن رسول الله - عَلَيْهِ الصلاة والسلام - كان يسلم من الصلاة بتسليمة واحدة : السلام عليكم " . رواه الطحاوي في ( شرح معاني الآثار ) وأبو عمر بن عبد البر في ( الاستذكار ) . وذهب نافع بن عبد الحارث وعلقمة وأبو عبد الرحمن السلمي وعطاء ابن أبي رباح والشعبي والثوري والنخعي وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي وإسحاق وابن المنذر - إلى أن التسليم في آخر الصلاة ثنتان ؛ مرة عن يمينه ، ومرة عن يساره ، ويحكى ذلك عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعمار رضي الله تعالى عنهم . وأخرج الطحاوي حديث التسليمتين عن ثلاثة عشر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وهم سعد وعلي وابن مسعود وعمار بن ياسر وعبد الله بن عمر وجابر بن سمرة والبراء بن عازب ووائل بن حجر وعدي بن عميرة الحضرمي وأبو مالك الأشعري وطلق بن علي وأوس ابن أبي أوس وأبو رمثة . ( قلت ) : وفي الباب أيضا ، عن جابر بن عبد الله ، وأبو سعيد الخدري وسهل بن سعد وحذيفة بن اليمان والمغيرة بن شعبة وواثلة بن الأسقع وعبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنهم فهؤلاء عشرون صحابيا رووا عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أن المصلي يسلم في آخر صلاته تسليمتين ؛ تسليمة عن يمينه وتسليمة عن يساره . وأجاب ابن عمر عن حديث سعد ابن أبي وقاص أنه وهم ، وإنما الحديث كما رواه ابن المبارك بسنده عنه أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يسلم عن يمينه ، وعن يساره . وأجاب الطحاوي مثله بما محصله أن رواية التسليمة الواحدة هي رواية الدراوردي ، وأن عبد الله بن المبارك وغيره خالفوه في ذلك ، ورووا عنه ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يسلم تسليمتين . ثم اختلفوا في السلام ؛ هل هو واجب أم سنة . فعن أبي حنيفة أنه واجب ، وعنه أنه سنة ، وقال صاحب ( الهداية ) : ثم إصابة لفظ السلام واجبة عندنا ، وليست بفرض خلافا للشافعي ، وفي ( المغني ) لابن قدامة : التسليم واجب لا يقوم غيره مقامه ، والواجب تسليمة واحدة والثانية سنة ، وقال ابن المنذر : أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة - جائزة ، وقال الطحاوي : قال الحسن بن حر : هما واجبتان ، وهي رواية عن أحمد . وبه قال بعض أصحاب مالك ، وقال الثوري : لو أخل بحرف من حروف " السلام عليكم " لم تصح صلاته ، وفي ( المغني ) : السنة أن يقول : السلام عليكم ورحمة الله ، وإن قال : وبركاته أيضا فحسن ، والأول أحسن ، وإن قال " السلام عليكم " ولم يزد فظاهر كلام أحمد أنه يجزئه ، وقال ابن عقيل : الأصح أنه لا يجزئه ، وإن نكس السلام ، فقال : وعليكم السلام لم يجزه ، وقال القاضي : فيه وجه أنه يجزئه ، وهو مذهب الشافعي ، وقال ابن حزم : الأولى فرض ، والثانية سنة حسنة ، لا يأثم تاركها . 224 - حدثنا عبدان قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا معمر عن الزهري قال : أخبرني محمود بن الربيع ، وزعم أنه عقل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعقل مجة مجها من دلو كان في دارهم . قال : سمعت عتبان بن مالك الأنصاري ، ثم أحد بني سالم قال : كنت أصلي لقومي بني سالم ، فأتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت : إني أنكرت بصري ، وإن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي ، فلوددت أنك جئت ، فصليت في بيتي مكانا حتى أتخذه مسجدا ، فقال : أفعل إن شاء الله ، فغدا علي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبو بكر معه بعدما اشتد النهار ، فاستأذن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأذنت له ، فلم يجلس ، حتى قال : أين تحب أن أصلي من بيتك ؟ فأشار إليه من المكان الذي أحب أن يصلي فيه ، فقام ، فصففنا خلفه ، ثم سلم ، وسلمنا حين سلم . مطابقته للترجمة في قوله : " ثم سلم ، وسلمنا حين سلم " ، وذلك من حيث إنه ليس فيه الرد على الإمام ؛ لأن الذي يقتضي معناه أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سلم ، وسلم القوم أيضا حين سلم ، فيكون سلامهم بعد تمام سلامه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو بعد تقدمه بلفظ بعض السلام ، وقال الكرماني : وغرض البخاري أن يبين أن السلام لا يلزم أن يكون بعد سلام الإمام ، حتى لو سلم مع الإمام لا تبطل صلاته ، نعم لو تقدم عليه تبطل إلا أن ينوي المفارقة . ( قلت ) : هذا الذي قاله لا يطابق الترجمة ، وإنما مراده أن المأموم لا يرد على الإمام بتسليمة ثالثة بين التسليمتين ، كما ذكرناه في حديث الباب الذي قبله . وهذا الحديث أخرجه البخاري في باب المساجد في البيوت - بأطول منه عن سعيد بن عفير ، عن الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب إلى آخره ، وهاهنا عن عبدان - وهو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة الأزدي ، أبو عبد الرحمن المروزي - عن عبد الله بن المبارك ، عن معمر بن راشد ، عن محمد بن مسلم الزهري إلى آخره . قوله : " وزعم " المراد من الزعم هاهنا القول المحقق ، فإنه قد يطلق عليه وعلى الكذب وعلى المشكوك فيه ، وينزل في كل موضع على ما يليق به . قوله : " مجة مجها من دلو " من مج لعابه إذا قذفه ، وقيل : لا يكون مجة حتى يباعد بها . وانتصاب " مجة " على أنها مفعول " عقل " وقوله : " مجها من دلو " جملة في محل النصب على أنها صفة لمجة ، وكلمة " من " بيانية . قوله : " كانت " صفة موصوف محذوف أي من بئر كانت في دارهم ، والدلو دليل عليه . قاله الكرماني ، وقال بعضهم : الدلو يذكر ويؤنث ، فلا يحتاج إلى تقدير . ( قلت ) : التقدير لا بد منه ؛ لأن الدلو لا يكون فيه ماء إلا من بئر ونحوه . ( قلت ) : كانت بالتأنيث رواية أبي ذر ، وفي رواية جاءت " كان " بالتذكير ، فعلى هذا لا حاجة إلى التقدير . قوله : " الأنصاري " بالنصب ؛ لأنه صفة عتبان المنصوب بقوله : " سمعت " . قوله : " ثم أحد " بالنصب أيضا عطفا على الأنصاري ، والتقدير الأنصاري ، ثم السالمي ؛ لأنه من بني سالم أيضا ، قال بعضهم : هذا الذي يكاد من له أدنى ممارسة بمعرفة الرجال أن يقطع به ، ثم قال : وقال الكرماني : يحتمل أن يكون عطفا على عتبان ، يعني سمعت عتبان ، ثم سمعت أحد بني سالم أيضا ، قال : والمراد به - فيما يظهر - الحصين بن محمد الأنصاري ، فكأن محمودا سمع من عتبان ، ومن الحصين ، قال : وهو بخلاف ما تقدم في باب المساجد في البيوت أن الزهري هو الذي سمع محمودا والحصين ، ولا منافاة بينهما ؛ لاحتمال أن الزهري ومحمودا سمعا جميعا من الحصين ، ولو وقع برفع " أحد " بأن يكون عطفا على محمود ، لساغ ، ووافق الرواية الأولى ، يعني فيصير التقدير : قال الزهري : أخبرني محمود بن الربيع ، ثم أخبرني أحد بني سالم ، أي الحصين . انتهى . قال : وكان الحامل له على ذلك كله قول الزهري في الرواية السابقة : ثم سألت الحصين بن محمد الأنصاري ، وهو أحد بني سالم - هناك ، فكأنه ظن أن المراد بقوله : " أحد بني سالم " هنا هو المراد بقوله : " أحد بني سالم " هناك ، ولا حاجة لذلك ، فإن عتبان من بني سالم أيضا ، وهو عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان بن زياد بن غنم بن سالم بن عوف ، وعلى الاحتمال الذي ذكره إشكال آخر ؛ لأنه يلزم منه أن يكون الحصين بن محمد هو صاحب القصة المذكورة أو أنها تعددت له ولعتبان ، وليس كذلك ، فإن الحصين المذكور لا صحبة له ، وقد ذكره ابن أبي حاتم في ( الجرح والتعديل ) ، ولم يذكر له شيخا غير عتبان . انتهى كلامه . ( قلت ) : هذا القائل ذكر أولا شيئا ، وهو حط على الكرماني في الباطن ، ثم أظهره بعد ذلك بما لا يجديه من وجوه : الأول : أنه غير غالب عبارة الكرماني في النقل لتمشية كلامه ، يتأمله من يقف عليه . الثاني : أن الكرماني ما جزم بما ذكره ، بل إنما قال بالاحتمال ، وباب الاحتمال مفتوح . الثالث : أن قوله : " فكأنه ظن " إلى آخره - لا يتوجه الرد به ؛ فإنه محل الظن ظاهرا ، والعبارة تؤدي إلى ذلك ظاهرا ، ثم توجيهه الرد بقوله : " فإن عتبان من بني سالم أيضا " غير موجه ؛ لأن كون عتبان من بني سالم لا ينافي كون الحصين من بني سالم أيضا ، ولا يمنع إخبار الزهري عنه أيضا . الرابع : أن قوله : " يلزم منه أن يكون الحصين بن محمد هو صاحب القصة المذكورة " ليس كذلك ؛ لأن الملازمة ممنوعة ؛ لأن كون الحصين غير صحابي لا يقتضي الملازمة التي ذكرها ؛ لأنه يحتمل أن يكون الحصين قد سمع القصة المذكورة من صحابي ، والراوي طوى ذكره اكتفاء بذكر عتبان . الخامس : أن تأييد ما ادعاه بما ذكره عن ابن أبي حاتم غير سديد ، ولا محل له ؛ لأن عدم ذكر ابن أبي حاتم للحصين شيخا غير عتبان ، لا يستلزم أن لا يكون له شيخ آخر أو أكثر ، وهذا ظاهر . قوله : " فلوددت " أي فوالله لوددت . قوله : " اتخذه " قال الكرماني : بالرفع ، وبالجزم ؛ لأنه وقع جوابا للمودة المفيدة للتمني . قوله : " اشتد النهار " أي ارتفعت الشمس . قوله : " فأشار إليه " قال الكرماني : فأشار أي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى المكان الذي هو المحبوب أن يصلي فيه ، ويحتمل أن تكون " من " للتبعيض ، ولا ينافي ما تقدم أيضا ثمة أنه قال : فأشرت لإمكان وقوع الإشارتين منه ، ومن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إما معا ، وإما متقدما ومتأخرا ، وقال بعضهم : والذي يظهر أن فاعل " أشار " هو عتبان ، لكن فيه التفات ؛ إذ ظاهر السياق أن يقول : فأشرت إلى آخره ، وبهذا تتوافق الروايتان . ( قلت ) : الذي قاله الكرماني أولى وأحرى ؛ لأن فيه إظهار معجزة النبي - عَلَيْهِ الصلاة والسلام - حيث أشار إلى المكان الذي كان في قلب عتبان أن يصلي فيه ، فأشار إليه قبل أن يعينه عتبان . وبقية الكلام في هذا الحديث ذكرناها في باب المساجد في البيوت .