باب من لم يرد السلام على الإمام واكتفى بتسليم الصلاة
باب من لم يرد السلام على الإمام واكتفى بتسليم الصلاة خرج فيه حديث عتبان - أيضا : 839 ، 840 عن عبدان ، عن ابن المبارك ، بالإسناد المتقدم ، وذكر الحديث بتمامه ، وفي آخره قال : فغدا علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر معه بعدما اشتد النهار ، فاستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - فأذنت له ، فلم يجلس حتى قال : أين تحب أن أصلي من بيتك ؟ فأشار إليه من المكان الذي أحب أن يصلي فيه ، فقام وصففنا خلفه ، ثم سلم ، وسلمنا حين سلم . مراده بهذا الحديث في هذا الباب : أن الذين صلوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت عتبان سلموا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سلم من الصلاة ، ولم يوجد منهم سوى السلام من الصلاة كسلام النبي - صلى الله عليه وسلم - منها ، وفي ذلك رد على من قال : إن المأموم يرد على الإمام سلامه مع تسليمه من السلام إما قبله أو بعده . وقد قال بذلك طوائف من السلف ، منهم : ابن عمر وأبو هريرة : فروي عن ابن عمر ، أنه كان إذا سلم الإمام رد عليه ، ثم سلم عن يمينه ، فإن سلم عليه أحد عن يساره رد عليه وإلا سكت .
وروي عنه ، أنه كان يسلم عن يمينه ، ثم يرد على الإمام . وعن أبي هريرة ، أنه كان إذا سلم الإمام قال : السلام عليك أيها القارئ . وقال عطاء : ابدأ بالإمام ، ثم سلم على من عن يمينك ، ثم على من عن شمالك .
وعن الحسن وقتادة نحوه . وقال الشعبي : إذا سلم الإمام فرد عليه . وكان سالم يفعله .
وقاله النخعي . وقال الزهري : هو سنة . قال مكحول : كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يردون على الإمام إذا سلم عليهم .
وقال عطاء - أيضا - : حق عليك أن ترد على الإمام إذا سلم . وقال - مرة - : هو مخير ، إن شاء رد عليه ، وإن شاء صبر حتى يسلم لنفسه ، وينوي به الإمام ، ومن صلى على جانبيه . وقال في الرد على الإمام : يرد في نفسه ، ولا يسمعه .
وكذا قال حماد . فإن كان مراد من قال : يرد على الإمام : أنه يرد عليه السلام في نفسه ، ولا يتكلم به ، فهذا الرد إذا فعله في الصلاة لا تبطل به الصلاة ، وإن كان مراده : أنه يرد بلسانه ، كما هو ظاهر كلام أكثرهم ، فإنه ينبني على أن رد السلام في الصلاة لا يبطل الصلاة ، وقد ذهب إلى ذلك طائفة من السلف ، ويأتي ذكره في موضع آخر - إن شاء الله تعالى . وقد ينبني - أيضا - على أن السلام ليس من فروض الصلاة ، وأنه يخرج من الصلاة بكل مناف لها من الكلام ونحوه ، كما قال ذلك من ذكرنا قوله من قبل .
وأما من قال : إن الرد على الإمام يكون بعد السلام من الصلاة ، فهذا لا إشكال فيه ؛ فإنه قد خرج من الصلاة بالسلام ، وقد ذهب إلى ذلك غير واحد من الأئمة المشهورين . قال مالك ، في المأموم : يسلم تسليمة عن يمينه ، وأخرى عن يساره ، ثم يرد على الإمام . قال ابن عبد البر : تحصيل قول مالك في ذلك : أن الإمام يسلم واحدة تلقاء وجهه ، ويتيامن بها قليلا ، وأن المصلي لنفسه - يعني : منفردا - يسلم اثنتين - في رواية ابن القاسم - وأن المأموم يسلم ثلاثا إن كان عن يساره أحد .
واختلف قوله في موضع رد المأموم على الإمام : فمرة قال : يسلم عن يمينه وعن يساره ، ثم يرد على الإمام . ومرة قال : يرد على الإمام بعد أن يسلم عن يمينه ، ثم يسلم عن يساره . وقد روى أهل المدينة ، عن مالك وبعض المصريين ، أن الإمام والمنفرد سواء ، يسلم كل واحد منهما تسليمة واحدة تلقاء وجهه ، ويتيامن بها قليلا .
قال : وكان الليث بن سعد يبدأ بالرد على الإمام ، ثم يسلم عن يمينه وعن يساره . ونقل أبو داود ، عن أحمد في الرد على الإمام قبل السلام ، قال : لا . قيل له : فبعده ؟ قال : نعم ، وإن شاء نوى بالسلام الرد .
قال : وما أعرف فيه حديثا عاليا يعتمد عليه . قال القاضي أبو يعلى : وظاهر هذا : أنه مخير في الرد على الإمام بالنية في حال سلامه ، أو بالقول بعده ، فيقول : السلام عليك أيها القارئ . قال : ويسر به ، ولا يجهر .
نقل المروذي ، عن أحمد في الرجل يرد السلام على الإمام ، فقال : إذا نوى بتسليمه الرد ، فقد رد عليه ، فإن فعل رجل فليخفه . قال : ومعناه : إن رد عليه بالقول فليخفه . وقال إسحاق : لا اختلاف بين أهل العلم في الرد على الإمام إذا سلم كما سلم ، ولكن اختلفوا : هل يبدأ بالرد عليه قبل السلام ، أم يرد عليه بعد السلام ؟ قال : وأحب إلي أن يرد بعد السلام .
قال : وإذا رفع صوته بالرد قدر ما يسمع الإمام والصف الذي يليه جاز ، وإن أسره وأسمع أذنيه بالرد على الإمام أجزأه . وكل من قال : يرد على الإمام قال : يرد عليه بلفظ السلام من غير زيادة ، إلا ما روي عن أبي هريرة ، أنه يقول : السلام عليك أيها القارئ ، كما سبق . واختلفوا في المأموم : هل ينوي بسلامه من الصلاة الرد على إمامه ، أم لا ؟ وفيه قولان : أحدهما : لا ينوي ذلك ، ونص عليه أحمد في رواية مهنا وغيره ، وهو اختيار ابن حامد من أصحابنا ؛ لأن السلام ركن من أركان الصلاة ، لا يخرج منها بدونه ، على ما تقدم ، والصلاة لا يرد فيها السلام على أحد ، بل هو مبطل للصلاة ؛ لأنه خطاب آدمي ، هذا مذهبنا ، وقول جمهور العلماء .
وعلى هذا : فهل تبطل صلاته بذلك ؟ قال ابن حامد من أصحابنا : إن لم ينو سوى الرد بطلت صلاته ، وإن نوى الرد والخروج من الصلاة ففي البطلان وجهان ؛ لأنه لم يخلص النية لخطاب المخلوق ، فأشبه ما لو قال لمن دق عليه الباب : ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ ﴾ينوي به القراءة والإذن له ؛ فإن في بطلان الصلاة بذلك روايتين ، أصحهما : لا تبطل . قال أحمد - في رواية جعفر بن محمد - : السلام على الإمام لا نعرف له موضعًا ، وتسليم الإمام هو انقضاء الصلاة ، ليس هو سلام على القوم ، فيجب عليهم أن يردوا ، ولكن ابن عمر شدد في هذا ، يسلم الرجل وينوي به السلام من الصلاة والرد على الإمام ، كأنه يقوله على وجه الإنكار لذلك . قيل له : إنهم يقولون : إن رد السلام على الإمام واجب .
قال : أرجو أن لا يكون واجبا ، وإن رد فلا بأس . والقول الثاني : أنه ينوي المأموم بسلامه الرد على إمامه ، وهو قول عطاء والنخعي وحماد والثوري ، ونص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه . وهل هو مسنون مستحب ، أو جائز ؟ فيه روايتان - أيضا - عن أحمد : قال - في رواية يعقوب بن بختان - : ينوي بسلامه الرد .
وهو اختيار أبي حفص العكبري . وقال - في رواية غيره - : لا بأس به . فظاهره : جوازه فقط ، وهو اختيار القاضي أبي يعلى وغيره .
وقال - في رواية ابن هانئ - : إذا نوى بتسليمه الرد على الإمام أجزأه . وظاهر هذا : أنه واجب ؛ لأنه رد سلام ، فيكون فرض كفاية ، إلا أن يقال : إن المسلم في الصلاة لا يجب الرد عليه ، أو يقال : إنه يجوز تأخير الرد إلى بعد السلام . ولكن إذا جوزنا تأخيره وجب أحد أمرين : إما أن ينوي الرد بالسلام ، أو أن يرد بعد ذلك ، وهو قول عطاء كما تقدم .
وتبويب البخاري قد يشعر بذلك ؛ لقوله : واكتفى بتسليم الإمام ، ويحتمل أنه أراد أن تسليم الصلاة كاف ، عن الرد ، وإن لم ينو به الرد ، كما قاله أحمد في رواية . وقال يحيى بن سعيد الأنصاري : إذا سلمت عن يمينك أجزأك من الرد عليه . وكذا قال النخعي .
ولم يشترطا أن ينوي بسلامه الرد . قال أبو حفص العكبري : وينوي بالأولى الخروج من الصلاة ، وبالثانية الرد على الإمام والحفظة . وممن رأى أن ينوي بسلامة الرد على الإمام : أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما .
ثم قال أصحاب الشافعي : إن كان المأموم عن يمين الإمام نوى بتسليمته الأولى السلام على من عن يمينه من الملائكة والمسلمين من الإنس والجن ، وينوي بالثانية ذلك مع الرد على إمامه ، وإن كان المأموم عن يسار إمامه نواه في الأولى ، وإن كان محاذيا له نواه في أيتهما شاء ، والأولى أفضل - : نص عليه الشافعي في الأم ، وينوي الإمام بسلامه من عن يمينه ويساره من الملائكة والمسلمين من المأمومين وغيرهم ، وينوي بعض المأمومين الرد على بعض . قالوا : وكل هذه النيات مستحبة ، لا يجب منها شيء . وقال أصحاب أبي حنيفة : ينوي المصلي بكل تسليمة من في تلك الجهة من الناس والحفظة .
وهل يقدم الآدميين على الملائكة في النية ؟ على روايتين عندهم : أحدهما : يقدم الملائكة ؛ لأنهم عندهم أفضل . والثانية : يقدم الناس ؛ لمشاهدتهم . ويدخل المأموم الإمام في الجهة التي هو فيها .
فإن كان بحذائه أدخله في اليمين ؛ لأنها أفضل . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن حماد ، قال : إذا كان الإمام ، عن يمينك ثم سلمت عن يمينك ، ونويت الإمام كفى ذلك ، وإذا كان عن يسارك ثم سلمت عن يسارك ونويت الإمام كفى ذلك - أيضا - وإن كان بين يديك فسلم عليه في نفسك ، ثم سلم عن يمينك وشمالك . وأما نية الخروج من الصلاة ، فهل هي واجبة ، تبطل الصلاة بتركها ، أم لا ؟ فيه وجهان لأصحابنا ، اختار ابن حامد وجوبها ، واختار الأكثرون عدم الوجوب ، وهو ظاهر كلام أحمد .
وينوي الخروج بالأولى ، سواء قلنا : يخرج بها من الصلاة ، أو قلنا : لا يخرج إلا بالثانية ؛ لأن النية تستصحب إلى الثانية . ومن الأصحاب من قال : إن قلنا : الثانية سنة نوى بالأولى الخروج ، وإن قلنا : الثانية فرض نوى الخروج بالثانية خاص . والصحيح : الأول .
ولأصحاب الشافعي في وجوب نية الخروج بالسلام وبطلان الصلاة بتركها وجهان - أيضا . ونص الشافعي على أن ينوي بالسلام الخروج . ولكن اختلفوا : هل هو محمول على الاستحباب ، أو الوجوب ؟ وإنما ينوي الخروج عندهم بالأولى ؛ لأن الثانية ليست عندهم واجبة بغير خلاف .
واستدل من استحب أن ينوي بسلامه الحفظة والإمام والمأمومين بما خرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة ، قال : كنا إذا صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا : السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله ، وأشار بيده إلى الجانبين ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس ، وإنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله . وفي رواية له : فقال : ما شأنكم تشيرون بأيديكم ، كأنها أذناب خيل شمس ، إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ، ولا يومئ بيده . وخرج أبو داود من حديث سمرة بن جندب ، قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نرد على الإمام ، وأن نتحاب ، وأن يسلم بعضنا على بعض .
وخرج أبو داود - أيضا - من طريق آخر ، عن سمرة ، قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ابدأوا قبل التسليم ، فقولوا : التحيات الطيبات الصلوات ، والملك لله ، ثم سلموا على اليمين ، ثم سلموا على قارئكم وعلى أنفسكم . وخرجه ابن ماجه بمعناه . وفي رواية له بإسناد فيه ضعف : إذا سلم الإمام فردوا عليه .
وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث عاصم بن ضمرة ، عن علي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي قبل العصر أربعا ، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين ، والنبيين والمرسلين ، ومن تبعهم من المؤمنين . وقال الترمذي : حديث حسن . وظاهره : يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان ينوي بسلامه في صلاة التطوع السلام على الملائكة ومن ذكر معهم .
وتأوله إسحاق على أنه أراد بذلك التشهد ؛ فإنه يسلم فيه على عباد الله الصالحين . وهو خلاف الظاهر . والله أعلم .