حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب الذكر بعد الصلاة

باب الذكر بعد الصلاة فيه ثلاثة أحاديث : الأول : حديث ابن عباس : 841 - حدثنا إسحاق بن نصر ، حدثنا عبد الرزاق ، أنا ابن جريج : أخبرني عمرو ، أن أبا معبد مولى ابن عباس أخبره ، أن ابن عباس أخبره ، أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال ابن عباس : كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته . 842 - حدثنا علي ، ثنا سفيان ، ثنا عمرو : أخبرني أبو معبد ، عن ابن عباس ، قال : كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتكبير .

حدثنا علي ، ثنا سفيان ، عن عمرو قال : كان أبو معبد أصدق موالي ابن عباس . قال علي : واسمه : نافذ . أبو معبد مولى ابن عباس ، اسمه : نافذ ، وهو ثقة ؛ وثقه أحمد ويحيى وأبو زرعة ، واتفق الشيخان على تخريج حديثه .

ولكن في رواية لمسلم في هذا الحديث من طريق ابن عيينة ، عن عمرو ، أن أبا معبد حدثه بذلك ، ثم أنكره بعد ، وقال : لم أحدثك بهذا . ورواه الإمام أحمد ، عن سفيان ، عن عمرو ، به ، وزاد : قال عمرو : قلت له : إن الناس كانوا إذا سلم الإمام من صلاة المكتوبة كبروا ثلاث تكبيرات ، وهكذا هنا ، ثلاث تهليلات [...] . وقال حنبل : سمعت أبا عبد الله يقول : ثنا علي بن ثابت ، ثنا واصل ، قال : رأيت علي بن عبد الله بن عباس إذا صلى كبر ثلاث تكبيرات .

قلت لأحمد : بعد الصلاة ؟ قال : هكذا . قلت له : حديث عمرو ، عن أبي معبد ، عن ابن عباس : كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتكبير ، هؤلاء أخذوه عن هذا ؟ قال : نعم ، ذكره أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتابه الشافي . فقد تبين بهذا أن معنى التكبير الذي كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقب الصلاة المكتوبة : هو ثلاث تكبيرات متوالية .

ويشهد لذلك : ما روي عن مسعر ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن طيسلة ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من قال في دبر الصلوات ، وإذا أخذ مضجعه : الله أكبر كبيرا ، عدد الشفع والوتر ، وكلمات الله الطيبات المباركات - ثلاثا - ولا إله إلا الله - مثل ذلك - كن له في القبر نورا ، وعلى الحشر نورا ، وعلى الصراط نورا ، حتى يدخل الجنة . وخرجه - أيضا - بلفظ آخر ، وهو : سبحان الله عدد الشفع والوتر ، وكلمات ربي الطيبات التامات المباركات - ثلاثا - والحمد لله ، والله أكبر ، ولا إله إلا الله . وذكر الإسماعيلي : أن محمد بن عبد الرحمن ، هو : مولى آل طلحة ، وهو ثقة مشهور ، وخرج له مسلم .

وطيسلة ، وثقه ابن معين ، هو : ابن علي اليمامي ، ويقال : ابن مياس ، وجعلهما ابن حبان اثنين ، وذكرهما في ثقاته ، وذكر أنهما يرويان عن ابن عمر . وخرجه ابن أبي شيبة في كتابه ، عن يزيد بن هارون ، عن مسعر بهذا الإسناد - موقوفا على ابن عمر . وأنكر عبيدة السلماني على مصعب بن الزبير تكبيره عقب السلام ، وقال : قاتله الله ، نعار بالبدع ، واتباع السنة أولى .

وروى ابن سعد في طبقاته بإسناده عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يكبر : الله أكبر ولله الحمد - ثلاثا - دبر كل صلاة . وقد دل حديث ابن عباس على رفع الصوت بالتكبير عقب الصلاة المفروضة ، وقد ذهب إلى ظاهره بعض أهل الظاهر ، وحكي عن أكثر العلماء خلاف ذلك ، وأن الأفضل الإسرار بالذكر ؛ لعموم قوله تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وقوله تعالى : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن جهر بالذكر من أصحابه : إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا . وحمل الشافعي حديث ابن عباس هذا على أنه جهر به وقتا يسيرا حتى يعلمهم صفة الذكر ؛ لا أنهم جهروا دائما .

قال : فأختار للإمام والمأموم أن يذكروا الله بعد الفراغ من الصلاة ، ويخفيان ذلك ، إلا أن يكون إماما يريد أن يتعلم منه ، فيجهر حتى يعلم ، أنه قد تعلم منه ، ثم يسر . وكذلك ذكر أصحابه . وذكر بعض أصحابنا مثل ذلك - أيضا .

ولهم وجه آخر : أنه يكره الجهر به مطلقا . وقال القاضي أبو يعلى في الجامع الكبير : ظاهر كلام أحمد : أنه يسن للإمام الجهر بالذكر والدعاء عقب الصلوات بحيث يسمع المأموم ، ولا يزيد على ذلك . وذكر عن أحمد نصوصا تدل على أنه كان يجهر ببعض الذكر ، ويسر الدعاء ، وهذا هو الأظهر ، وأنه لا يختص ذلك بالإمام ؛ فإن حديث ابن عباس هذا ظاهره يدل على جهر المأمومين - أيضا .

ويدل عليه - أيضا - : ما خرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن الزبير ، أنه كان يقول في دبر كل صلاة حين يسلم : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا إله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه ، له النعمة ، وله الفضل ، وله الثناء الحسن ، لا إله إلا الله ، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، وقال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهل بهن في دبر كل صلاة . ومعنى : يهل . يرفع صوته ، ومنه : الإهلال في الحج ، وهو رفع الصوت بالتلبية ، واستهلال الصبي إذا ولد .

وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهرون بالذكر عقب الصلوات ، حتى يسمع من يليهم : فخرج النسائي في عمل اليوم والليلة من رواية عون بن عبد الله بن عتبة ، قال : صلى رجل إلى جنب عبد الله بن عمرو بن العاص ، فسمعه حين سلم يقول : أنت السلام ، ومنك السلام ، تباركت يا ذا الجلال والإكرام ، ثم صلى إلى جنب عبد الله بن عمر ، فسمعه حين سلم يقول مثل ذلك ، فضحك الرجل ، فقال له ابن عمر : ما أضحكك ؟ قال : إني صليت إلى جنب عبد الله بن عمرو ، فسمعته يقول مثلما قلت : قال ابن عمر : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك . وأما النهي عن رفع الصوت بالذكر ، فإنما المراد به : المبالغة في رفع الصوت ؛ فإن أحدهم كان ينادي بأعلى صوته : لا إله إلا الله ، والله أكبر فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : أربعوا على أنفسكم ، إنكم لا تنادون أصم ولا غائبا ، وأشار إليهم بيده يسكنهم ويخفضهم . وقد خرجه الإمام أحمد بنحو من هذه الألفاظ .

وقال عطية بن قيس : كان الناس يذكرون الله عند غروب الشمس ، يرفعون أصواتهم بالذكر ، فإذا خفضت أصواتهم أرسل إليهم عمر بن الخطاب أن يرددوا الذكر . خرجه جعفر الفريابي في كتاب الذكر . وخرج - أيضا - من رواية ابن لهيعة ، عن زهرة بن معبد ، قال : قال : رأيت ابن عمر إذا انقلب من العشاء كبر كبر ، حتى يبلغ منزله ، ويرفع صوته .

وروى محمد بن مسلم ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر ، أن رجلا كان يرفع صوته بالذكر ، فقال رجل : لو أن هذا خفض من صوته ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : دعه ؛ فإنه أواه . وهذا يدل على أنه يحتمل ذلك ممن عرف صدقه وإخلاصه دون غيره . وخرج الإمام أحمد من رواية عقبة بن عامر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل ، يقال له : ذو البجادين : إنه أواه ، وذلك أنه رجل كان كثير الذكر لله في القرآن ، ويرفع صوته في الدعاء .

وفي إسناده : ابن لهيعة . وقال الأوزاعي في التكبير في الحرس في سبيل الله : أحب إلي أن يذكر الله في نفسه ، وإن رفع صوته فلا بأس . فأما قول ابن سيرين : يكره رفع الصوت إلا في موضعين : الأذان والتلبية ، فالمراد به - والله أعلم - : المبالغة في الرفع ، كرفع المؤذن والملبي .

وقد روي رفع الصوت بالذكر في مواضع ، كالخروج إلى العيدين ، وأيام العشر ، وأيام التشريق بمنى . وأما الدعاء ، فالسنة إخفاؤه . وفي الصحيحين ، عن عائشة ، في قوله تعالى : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا أنها نزلت في الدعاء .

وكذا روي عن ابن عباس وأبي هريرة ، وعن سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة وعروة ومجاهد وإبراهيم وغيرهم . وقال الإمام أحمد : ينبغي أن يسر دعاءه ؛ لهذه الآية . قال : وكان يكره أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء .

وقال الحسن : رفع الصوت بالدعاء بدعة . وقال سعيد بن المسيب : أحدث الناس الصوت عند الدعاء . وكرهه مجاهد وغيره .

وروى وكيع ، عن الربيع ، عن الحسن - والربيع ، عن يزيد بن أبان ، عن أنس - أنهما كرها أن يسمع الرجل جليسه شيئا من دعائه . وورد فيه رخصة من وجه لا يصح : خرجه الطبراني من رواية أبي موسى : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الصبح يرفع صوته حتى يسمع أصحابه ، يقول : اللهم ، أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري - ثلاث مرات - اللهم ، أصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي - ثلاث مرات ، اللهم ، أصلح لي آخرتي التي جعلت إليها مرجعي - ثلاث مرات - وذكر دعاء آخر . وفي إسناده : يزيد بن عياض ، متروك الحديث .

وإسحاق بن طلحة ، ضعيف . فأما الحديث الذي خرجه مسلم وغيره ، عن البراء بن عازب ، قال : كنا إذا صلينا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحببنا أن نكون عن يمينه ؛ ليقبل علينا بوجهه . قال : فسمعته يقول : رب قني عذابك يوم تبعث عبادك .

فهذا ليس فيه أنه كان يجهر بذلك حتى يسمعه الناس ، إنما فيه أنه كان يقوله بينه وبين نفسه ، وكان يسمعه منه - أحيانا - جليسه ، كما كان يسمع منه من خلفه الآية أحيانا في صلاة النهار . وروى هلال بن يساف ، عن زاذان ، نا رجل من الأنصار ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في دبر الصلاة : اللهم ، اغفر لي ، وتب علي ، إنك أنت التواب الغفور - مائة مرة . خرجه ابن أبي شيبة ، وعنه بقي بن مخلد في مسنده .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث