842 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قال : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو مَعْبَدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّكْبِيرِ . ، قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ . قَوْلُهُ : ( كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّكْبِيرِ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ ، وَلَفْظُهُ : مَا كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ . وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، وَاخْتُلِفَ فِي كَوْنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ذَلِكَ ، فَقَالَ عِيَاضٌ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحْضُرُ الْجَمَاعَةَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا مِمَّنْ لَا يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُلْزَمُ بِهِ ، فَكَانَ يَعْرِفُ انْقِضَاءَ الصَّلَاةِ بِمَا ذَكَرَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا فِي أَوَاخِرِ الصُّفُوفِ فَكَانَ لَا يَعْرِفُ انْقِضَاءَهَا بِالتَّسْلِيمِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَعْرِفُهُ بِالتَّكْبِيرِ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُبَلِّغٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ يُسْمِعُ مَنْ بَعُدَ . قَوْلُهُ : ( بِالتَّكْبِيرِ ) هُوَ أَخَصُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ الَّتِي قَبْلَهَا ، لِأَنَّ الذِّكْرَ أَعَمُّ مِنَ التَّكْبِيرِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ مُفَسِّرَةً لِذَلِكَ فَكَانَ الْمُرَادُ أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ أَيْ بِالتَّكْبِيرِ ، وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَبْدَءُونَ بِالتَّكْبِيرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَبْلَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ عَلِيٌّ ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ الْمَذْكُورُ ، وَثَبَتَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، والْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ : قَالَ عَمْرٌو - يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ - وَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي مَعْبَدٍ بَعْدُ فَأَنْكَرَهُ ، وَقَالَ : لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهَذَا . قَالَ عَمْرٌو : قَدْ أَخْبَرْتَنِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ أَنْ رَوَاهُ عَنْ سُفْيَانَ كَأَنَّهُ نَسِيَهُ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَهُ بِهِ . انْتَهَى . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُسْلِمًا كَانَ يَرَى صِحَّةَ الْحَدِيثِ وَلَوْ أَنْكَرَهُ رَاوِيهِ إِذَا كَانَ النَّاقِلُ عَنْهُ عَدْلًا ، وَلِأَهْلِ الْحَدِيثِ فِيهِ تَفْصِيلٌ : قَالُوا إِمَّا أَنْ يَجْزِمَ بِرَدِّهِ أَوْ لَا ، وَإِذَا جَزَمَ فَإِمَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِتَكْذِيبِ الرَّاوِي عَنْهُ أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ يَجْزِمْ بِالرَّدِّ كَأَنْ قَالَ لَا أَذْكُرُهُ ؛ فَهُوَ مُتَّفَقٌ عِنْدَهُمْ عَلَى قَبُولِهِ ؛ لِأَنَّ الْفَرْعَ ثِقَةٌ وَالْأَصْلَ لَمْ يَطْعَنْ فِيهِ ، وَإِنْ جَزَمَ وَصَرَّحَ بِالتَّكْذِيبِ فَهُوَ مُتَّفَقٌ عِنْدَهُمْ عَلَى رَدِّهِ لِأَنَّ جَزْمَ الْفَرْعِ بِكَوْنِ الْأَصْلِ حَدَّثَهُ يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَ الْأَصْلِ فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ كَذَبَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ قَبُولُ قَوْلِ أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ ، وَإِنْ جَزَمَ بِالرَّدِّ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّكْذِيبِ فَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ قَبُولُهُ . وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَاخْتَلَفُوا : فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إِلَى الْقَبُولِ ، وَعَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ لَا يُقْبَلُ قِيَاسًا عَلَى الشَّاهِدِ ، وَلِلْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ وَزَادَ . فَإِنْ كَانَ الْفَرْعُ مُتَرَدِّدًا فِي سَمَاعِهِ وَالْأَصْلُ جَازِمًا بِعَدَمِهِ سَقَطَ لِوُجُودِ التَّعَارُضِ ، وَمُحَصَّلُ كَلَامِهِ آنِفًا أَنَّهُمَا إِنْ تَسَاوَيَا فَالرَّدُّ ، وَإِنْ رُجِّحَ أَحَدُهُمَا عُمِلَ بِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَمْثِلَتِهِ ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ إِنَّمَا نَفَى أَبُو مَعْبَدٍ التَّحْدِيثَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الْإِخْبَارِ ، وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ مِنْ عَمْرٍو وَلَا مُخَالَفَةَ ، وَتَرُدُّهُ الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا فَأَنْكَرَهُ ، وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِنْكَارٌ ، وَلِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ التَّحْدِيثِ وَالْإِخْبَارِ إِنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَفِي كُتُبِ الْأُصُولِ حِكَايَةُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ · ص 379 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الذكر بعد الصلاة · ص 233 155 - باب الذكر بعد الصلاة فيه ثلاثة أحاديث : الأول : حديث ابن عباس : 841 - حدثنا إسحاق بن نصر ، حدثنا عبد الرزاق ، أنا ابن جريج : أخبرني عمرو ، أن أبا معبد مولى ابن عباس أخبره ، أن ابن عباس أخبره ، أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال ابن عباس : كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته . 842 - حدثنا علي ، ثنا سفيان ، ثنا عمرو : أخبرني أبو معبد ، عن ابن عباس ، قال : كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتكبير . حدثنا علي ، ثنا سفيان ، عن عمرو قال : كان أبو معبد أصدق موالي ابن عباس . قال علي : واسمه : نافذ . أبو معبد مولى ابن عباس ، اسمه : نافذ ، وهو ثقة ؛ وثقه أحمد ويحيى وأبو زرعة ، واتفق الشيخان على تخريج حديثه . ولكن في رواية لمسلم في هذا الحديث من طريق ابن عيينة ، عن عمرو ، أن أبا معبد حدثه بذلك ، ثم أنكره بعد ، وقال : لم أحدثك بهذا . ورواه الإمام أحمد ، عن سفيان ، عن عمرو ، به ، وزاد : قال عمرو : قلت له : إن الناس كانوا إذا سلم الإمام من صلاة المكتوبة كبروا ثلاث تكبيرات ، وهكذا هنا ، ثلاث تهليلات [...] . وقال حنبل : سمعت أبا عبد الله يقول : ثنا علي بن ثابت ، ثنا واصل ، قال : رأيت علي بن عبد الله بن عباس إذا صلى كبر ثلاث تكبيرات . قلت لأحمد : بعد الصلاة ؟ قال : هكذا . قلت له : حديث عمرو ، عن أبي معبد ، عن ابن عباس : كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتكبير ، هؤلاء أخذوه عن هذا ؟ قال : نعم ، ذكره أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتابه الشافي . فقد تبين بهذا أن معنى التكبير الذي كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقب الصلاة المكتوبة : هو ثلاث تكبيرات متوالية . ويشهد لذلك : ما روي عن مسعر ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن طيسلة ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من قال في دبر الصلوات ، وإذا أخذ مضجعه : الله أكبر كبيرا ، عدد الشفع والوتر ، وكلمات الله الطيبات المباركات - ثلاثا - ولا إله إلا الله - مثل ذلك - كن له في القبر نورا ، وعلى الحشر نورا ، وعلى الصراط نورا ، حتى يدخل الجنة . وخرجه - أيضا - بلفظ آخر ، وهو : سبحان الله عدد الشفع والوتر ، وكلمات ربي الطيبات التامات المباركات - ثلاثا - والحمد لله ، والله أكبر ، ولا إله إلا الله . وذكر الإسماعيلي : أن محمد بن عبد الرحمن ، هو : مولى آل طلحة ، وهو ثقة مشهور ، وخرج له مسلم . وطيسلة ، وثقه ابن معين ، هو : ابن علي اليمامي ، ويقال : ابن مياس ، وجعلهما ابن حبان اثنين ، وذكرهما في ثقاته ، وذكر أنهما يرويان عن ابن عمر . وخرجه ابن أبي شيبة في كتابه ، عن يزيد بن هارون ، عن مسعر بهذا الإسناد - موقوفا على ابن عمر . وأنكر عبيدة السلماني على مصعب بن الزبير تكبيره عقب السلام ، وقال : قاتله الله ، نعار بالبدع ، واتباع السنة أولى . وروى ابن سعد في طبقاته بإسناده عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يكبر : الله أكبر ولله الحمد - ثلاثا - دبر كل صلاة . وقد دل حديث ابن عباس على رفع الصوت بالتكبير عقب الصلاة المفروضة ، وقد ذهب إلى ظاهره بعض أهل الظاهر ، وحكي عن أكثر العلماء خلاف ذلك ، وأن الأفضل الإسرار بالذكر ؛ لعموم قوله تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وقوله تعالى : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن جهر بالذكر من أصحابه : إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا . وحمل الشافعي حديث ابن عباس هذا على أنه جهر به وقتا يسيرا حتى يعلمهم صفة الذكر ؛ لا أنهم جهروا دائما . قال : فأختار للإمام والمأموم أن يذكروا الله بعد الفراغ من الصلاة ، ويخفيان ذلك ، إلا أن يكون إماما يريد أن يتعلم منه ، فيجهر حتى يعلم ، أنه قد تعلم منه ، ثم يسر . وكذلك ذكر أصحابه . وذكر بعض أصحابنا مثل ذلك - أيضا . ولهم وجه آخر : أنه يكره الجهر به مطلقا . وقال القاضي أبو يعلى في الجامع الكبير : ظاهر كلام أحمد : أنه يسن للإمام الجهر بالذكر والدعاء عقب الصلوات بحيث يسمع المأموم ، ولا يزيد على ذلك . وذكر عن أحمد نصوصا تدل على أنه كان يجهر ببعض الذكر ، ويسر الدعاء ، وهذا هو الأظهر ، وأنه لا يختص ذلك بالإمام ؛ فإن حديث ابن عباس هذا ظاهره يدل على جهر المأمومين - أيضا . ويدل عليه - أيضا - : ما خرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن الزبير ، أنه كان يقول في دبر كل صلاة حين يسلم : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا إله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه ، له النعمة ، وله الفضل ، وله الثناء الحسن ، لا إله إلا الله ، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، وقال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهل بهن في دبر كل صلاة . ومعنى : يهل . يرفع صوته ، ومنه : الإهلال في الحج ، وهو رفع الصوت بالتلبية ، واستهلال الصبي إذا ولد . وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهرون بالذكر عقب الصلوات ، حتى يسمع من يليهم : فخرج النسائي في عمل اليوم والليلة من رواية عون بن عبد الله بن عتبة ، قال : صلى رجل إلى جنب عبد الله بن عمرو بن العاص ، فسمعه حين سلم يقول : أنت السلام ، ومنك السلام ، تباركت يا ذا الجلال والإكرام ، ثم صلى إلى جنب عبد الله بن عمر ، فسمعه حين سلم يقول مثل ذلك ، فضحك الرجل ، فقال له ابن عمر : ما أضحكك ؟ قال : إني صليت إلى جنب عبد الله بن عمرو ، فسمعته يقول مثلما قلت : قال ابن عمر : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك . وأما النهي عن رفع الصوت بالذكر ، فإنما المراد به : المبالغة في رفع الصوت ؛ فإن أحدهم كان ينادي بأعلى صوته : لا إله إلا الله ، والله أكبر فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : أربعوا على أنفسكم ، إنكم لا تنادون أصم ولا غائبا ، وأشار إليهم بيده يسكنهم ويخفضهم . وقد خرجه الإمام أحمد بنحو من هذه الألفاظ . وقال عطية بن قيس : كان الناس يذكرون الله عند غروب الشمس ، يرفعون أصواتهم بالذكر ، فإذا خفضت أصواتهم أرسل إليهم عمر بن الخطاب أن يرددوا الذكر . خرجه جعفر الفريابي في كتاب الذكر . وخرج - أيضا - من رواية ابن لهيعة ، عن زهرة بن معبد ، قال : قال : رأيت ابن عمر إذا انقلب من العشاء كبر كبر ، حتى يبلغ منزله ، ويرفع صوته . وروى محمد بن مسلم ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر ، أن رجلا كان يرفع صوته بالذكر ، فقال رجل : لو أن هذا خفض من صوته ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : دعه ؛ فإنه أواه . وهذا يدل على أنه يحتمل ذلك ممن عرف صدقه وإخلاصه دون غيره . وخرج الإمام أحمد من رواية عقبة بن عامر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل ، يقال له : ذو البجادين : إنه أواه ، وذلك أنه رجل كان كثير الذكر لله في القرآن ، ويرفع صوته في الدعاء . وفي إسناده : ابن لهيعة . وقال الأوزاعي في التكبير في الحرس في سبيل الله : أحب إلي أن يذكر الله في نفسه ، وإن رفع صوته فلا بأس . فأما قول ابن سيرين : يكره رفع الصوت إلا في موضعين : الأذان والتلبية ، فالمراد به - والله أعلم - : المبالغة في الرفع ، كرفع المؤذن والملبي . وقد روي رفع الصوت بالذكر في مواضع ، كالخروج إلى العيدين ، وأيام العشر ، وأيام التشريق بمنى . وأما الدعاء ، فالسنة إخفاؤه . وفي الصحيحين ، عن عائشة ، في قوله تعالى : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا أنها نزلت في الدعاء . وكذا روي عن ابن عباس وأبي هريرة ، وعن سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة وعروة ومجاهد وإبراهيم وغيرهم . وقال الإمام أحمد : ينبغي أن يسر دعاءه ؛ لهذه الآية . قال : وكان يكره أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء . وقال الحسن : رفع الصوت بالدعاء بدعة . وقال سعيد بن المسيب : أحدث الناس الصوت عند الدعاء . وكرهه مجاهد وغيره . وروى وكيع ، عن الربيع ، عن الحسن - والربيع ، عن يزيد بن أبان ، عن أنس - أنهما كرها أن يسمع الرجل جليسه شيئا من دعائه . وورد فيه رخصة من وجه لا يصح : خرجه الطبراني من رواية أبي موسى : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الصبح يرفع صوته حتى يسمع أصحابه ، يقول : اللهم ، أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري - ثلاث مرات - اللهم ، أصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي - ثلاث مرات ، اللهم ، أصلح لي آخرتي التي جعلت إليها مرجعي - ثلاث مرات - وذكر دعاء آخر . وفي إسناده : يزيد بن عياض ، متروك الحديث . وإسحاق بن طلحة ، ضعيف . فأما الحديث الذي خرجه مسلم وغيره ، عن البراء بن عازب ، قال : كنا إذا صلينا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحببنا أن نكون عن يمينه ؛ ليقبل علينا بوجهه . قال : فسمعته يقول : رب قني عذابك يوم تبعث عبادك . فهذا ليس فيه أنه كان يجهر بذلك حتى يسمعه الناس ، إنما فيه أنه كان يقوله بينه وبين نفسه ، وكان يسمعه منه - أحيانا - جليسه ، كما كان يسمع منه من خلفه الآية أحيانا في صلاة النهار . وروى هلال بن يساف ، عن زاذان ، نا رجل من الأنصار ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في دبر الصلاة : اللهم ، اغفر لي ، وتب علي ، إنك أنت التواب الغفور - مائة مرة . خرجه ابن أبي شيبة ، وعنه بقي بن مخلد في مسنده .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الذكر بعد الصلاة · ص 126 225 - حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا عمرو قال : أخبرني أبو معبد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كنت أعرف انقضاء صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالتكبير . علي هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار ، ووقع في رواية الحميدي : عن سفيان بصيغة الحصر ، ولفظه : ما كنا نعرف انقضاء صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا بالتكبير ، وكذا أخرجه مسلم ، عن ابن أبي عمر ، عن سفيان . واختلف في كون ابن عباس قال ذلك ، فقال عياض : الظاهر أنه لم يكن يحضر الجماعة ؛ لأنه كان صغيرا ممن لا يواظب على ذلك ، ولا يلزم به ، فكان يعرف انقضاء الصلاة بما ذكره ، وقال غيره : يحتمل أن يكون حاضرا في أواخر الصفوف ، فكان لا يعرف انقضاءها بالتسليم ، وإنما كان يعرفه بالتكبير ، وقال ابن دقيق العيد : يؤخذ منه أنه لم يكن هناك مبلغ جهير الصوت يسمع من بعد . قوله : كنت أعرف وفي الحديث السابق كنت أعلم وبين المعرفة والعلم فرق ، وهو أن المعرفة تستعمل في الجزئيات والعلم في الكليات ، ولكن أعلم هنا بمعنى أعرف ، ولا يطلب الفرق ، فافهم . قوله : التكبير وفي الحديث الأول بالذكر فالذكر أعم من التكبير ، والتكبير أخص ، فيحتمل أن يكون قوله : بالتكبير تفسيرا لقوله : بالذكر ومن هذا قال الكرماني : بالتكبير أي بذكر الله . ( قال علي : حدثنا سفيان عن عمرو قال : كان أبو معبد أصدق موالي ابن عباس . قال علي : واسمه نافذ ) . أشار البخاري رضي الله تعالى عنه بما نقله عن علي بن المديني ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار المذكورين قبله - أن حديث أبي معبد هذا لا يقدح في صحته لأجل ما روى أحمد في ( مسنده ) هذا الحديث ، ثم قال : وإنه - يعني أبا معبد - قال بالتكبير ، ثم ساقه به ، قال عمرو : قد ذكرت لأبي معبد فأنكره ، وقال : لم أحدثك بهذا ، قال عمرو : فقد أخبرنيه قبل ذلك ، وكذا وقع في رواية مسلم ، قال عمرو : ذكرت ذلك لأبي معبد بعد وأنكره ، وقال : لم أحدثك بهذا ، قال عمرو : وقد أخبرنيه قبل ذلك . قال الشافعي بعد أن رواه عن سفيان : كأنه نسيه بعد أن حدثه به . انتهى ، فهذا يدل على أن مسلما كان يرى صحة الحديث ، ولو أنكره راويه إذا كان الناقل عنه عدلا ، ولا شك أن عمرو بن دينار كان عدلا ، وكذا لا شك أن أبا معبد كان عدلا ، فلذلك قال عمرو فيما حكاه عنه البخاري بواسطة علي وسفيان : كان أبو معبد أصدق موالي ابن عباس . قال الكرماني : ( فإن قلت ) : الصدق هو مطابقة الكلام للواقع على الصحيح ، وذلك لا يقبل الزيادة والنقصان . ( قلت ) : الزيادة إنما هي بالنسبة إلى إفراد الكلام ، يعني إفراد كلامه الصدق أكثر من إفراد كلام سائر الموالي . واعلم أن قوله : وقال علي إلى آخره - زيادة لم تثبت إلا في رواية المستملي والكشميهني . واعلم أيضا أن الراوي إذا أنكر روايته لا يخلو إما أن يكون إنكار جحود وتكذيب للفرع ، بأن قال : كذبت علي ، لم يعمل بهذا الخبر بلا خلاف بين الأئمة . أو يكون إنكار توقف ، لا إنكار تكذيب وجحود بأن قال : لا أذكر أني رويت ذلك هذا ، أو لا أعرفه ، فقد اختلف فيه ؛ فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد في رواية - إلى أنه يسقط العمل به كالوجه الأول ، وهو مختار الكرخي والقاضي أبي زيد وفخر الإسلام . وذهب محمد ومالك والشافعي إلى أنه لا يسقط العمل به ، ونسيان الأصل لا يقدح فيه ، كما لو جن أو مات ، وقيل : عدم الرواية بإنكار المروي عنه قول أبي يوسف ، وقال محمد : لا تسقط الرواية بإنكاره ، وهذا الخلاف بينهما فرع اختلافهما في شاهدين شهدا على القاضي بقضية ، والقاضي لا يذكر قضاءه ؛ فإنه يقبل عند محمد ، ولا يقبل عند أبي يوسف ، وذكر الإمام فخر الدين في ( المحصول ) في هذه المسألة تقسيما حسنا ، وهو أن راوي الفرع إما أن يكون جازما بالرواية أو لا ، فإن كان جازما فالأصل إما أن يكون جازما بالإنكار أو لا ، فإن كان الأول فقد تعارضا ، فلا يقبل الحديث ، وإن كان الثاني فإما أن يكون الأغلب على الظن أني رويته ، أو الأغلب أني ما رويته ، أو الأمران على السواء ، أو لا يقول شيئا من ذلك . فالأشبه أن يكون الخبر مقبولا في جميع هذه الأقسام ، وإن كان الفرع غير جازم ، بل يقول : أظن أني سمعت منك ، فإن جزم الأصل بأني ما رويته لك تعين الرد ، وإن قال : أظن أني ما رويته لك تعارضا ، وإن ذهب إلى سائر الأقسام فالأشبه قبوله . والضابط أنه إذا كان قول الأصل معادلا لقول الفرع تعارضا ، وإذا ترجح أحدهما على الآخر فالمعتبر الراجح .