159 - بَاب الِانْفِتَالِ وَالِانْصِرَافِ عَنْ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ وَكَانَ أَنَسُ يَنْفَتِلُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَيَعِيبُ عَلَى مَنْ يَتَوَخَّى أَوْ مَنْ يَعْمِدُ الِانْفِتَالَ عَنْ يَمِينِهِ 852 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ ، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الِانْفِتَالِ وَالِانْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : جَمَعَ فِي التَّرْجَمَةِ بَيْنَ الِانْفِتَالِ وَالِانْصِرَافِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْمَاكِثِ فِي مُصَلَّاهُ إِذَا انْفَتَلَ لِاسْتِقْبَالِ الْمَأْمُومِينَ ، وَبَيْنَ الْمُتَوَجِّهِ لِحَاجَتِهِ إِذَا انْصَرَفَ إِلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ... إِلَخْ ) وَصَلَهُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَ أَنَسٌ فَذَكَرَهُ وَقَالَ فِيهِ : وَيَعِيبُ عَلَى مَنْ يَتَوَخَّى ذَلِكَ أَنْ لَا يَنْفَتِلَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ وَيَقُولُ : يَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ . وَقَوْلُهُ : يَتَوَخَّى بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مُشَدَّدَةٍ أَيْ يَقْصِدُ ، وَقَوْلُهُ : ( أَوْ يَعْمِدُ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي . قُلْتُ : وَظَاهِرُ هَذَا الْأَثَرِ عَنْ أَنَسٍ يُخَالِفُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسًا كَيْفَ أَنْصَرِفُ إِذَا صَلَّيْتُ ، عَنْ يَمِينِي أَوْ عَنْ يَسَارِي ؟ قَالَ : أَمَّا أَنَا فَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَنَسًا عَابَ مَنْ يَعْتَقِدُ تَحَتُّمَ ذَلِكَ وَوُجُوبَهُ ، وَأَمَّا إِذَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فَجِهَةُ الْيَمِينِ أَوْلَى . قَوْلُهُ : ( عَنْ سُلَيْمَانَ ) هُوَ الْأَعْمَشُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عُمَارَةَ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ سَمِعْتُ عُمَارَةَ بْنَ عُمَيْرٍ وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ كُوفِيُّونَ فِي نَسَقٍ آخِرُهُمُ الْأَسْوَدُ وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ . قَوْلُهُ : ( لَا يَجْعَلْ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : لَا يَجْعَلَنَّ ، بِزِيَادَةِ نُونِ التَّأْكِيدِ . قَوْلُهُ : ( شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ ) فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ وَغَيْرِهِ عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ مُسْلِمٍ : جُزْءًا مِنْ صَلَاتِهِ . قَوْلُهُ : ( يَرَى ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ : يَعْتَقِدُ ، وَيَجُوزُ الضَّمُّ أَيْ : يُظَنُّ . وَ قَوْلُهُ : ( أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ ) هُوَ بَيَانٌ لِلْجَعْلِ فِي قَوْلِهِ : لَا يَجْعَلْ . قَوْلُهُ : ( أَنْ لَا يَنْصَرِفَ ) أَيْ يَرَى أَنَّ عَدَمَ الِانْصِرَافِ حَقٌّ عَلَيْهِ ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ فِي الْجَوَابِ عَنِ ابْتِدَائِهِ بِالنَّكِرَةِ ، قَالَ : أَوْ لِأَنَّ النَّكِرَةَ الْمَخْصُوصَةَ كَالْمَعْرُوفَةِ . قَوْلُهُ : ( كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْصَرِفُ عَنْ شِمَالِهِ ، فَأَمَّا رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ فَلَا تُعَارِضُ حَدِيثَ أَنَسٍ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مُسْلِمٍ فَظَاهِرَةُ التَّعَارُضِ لِأَنَّهُ عَبَّرَ فِي كُلِّ مِنْهُمَا بِصِيغَةِ أَفْعَلَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ تَارَةً هَذَا وَتَارَةً هَذَا ، فَأَخْبَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ الْأَكْثَرُ ، وَإِنَّمَا كَرِهَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنْ يُعْتَقَدَ وُجُوبُ الِانْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ . قُلْتُ : وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْأَثَرِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا عَنْ أَنَسٍ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنْ يُحْمَلَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى حَالَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ ، لِأَنَّ حُجْرَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ مِنْ جِهَةِ يَسَارِهِ ، وَيُحْمَلَ حَدِيثُ أَنَسٍ عَلَى مَا سِوَى ذَلِكَ كَحَالِ السَّفَرِ . ثُمَّ إِذَا تَعَارَضَ اعْتِقَادُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَنَسٍ رُجِّحَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ وَأَسَنُّ وَأَجَلُّ وَأَكْثَرُ مُلَازَمَةً لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَقْرَبُ إِلَى مَوْقِفِهِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أَنَسٍ ، وَبَأنَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ أَنَسٍ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ وَهُوَ السُّدِّيُّ ، وَبِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِخِلَافِ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْأَمْرَيْنِ ، وَبِأَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ تُوَافِقُ ظَاهِرَ الْحَالِ لِأَنَّ حُجْرَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ عَلَى جِهَةِ يَسَارِهِ كَمَا تَقَدَّمَ . ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِوَجْهٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ قَالَ : كَانَ أَكْثَرُ انْصِرَافِهِ عَنْ يَسَارِهِ ، نَظَرَ إِلَى هَيْئَتِهِ فِي حَالِ الصَّلَاةِ ، وَمَنْ قَالَ : كَانَ أَكْثَرُ انْصِرَافِهِ عَنْ يَمِينِهِ ، نَظَرَ إِلَى هَيْئَتِهِ فِي حَالَةِ اسْتِقْبَالِهِ الْقَوْمَ بَعْدَ سَلَامِهِ مِنَ الصَّلَاةِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَخْتَصُّ الِانْصِرَافُ بِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْعُلَمَاءُ : يُسْتَحَبُّ الِانْصِرَافُ إِلَى جِهَةِ حَاجَتِهِ . لَكِنْ قَالُوا : إِذَا اسْتَوَتِ الْجِهَتَانِ فِي حَقِّهِ فَالْيَمِينُ أَفْضَلُ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِفَضْلِ التَّيَامُنِ ؛ كَحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : فِيهِ أَنَّ الْمَنْدُوبَاتِ قَدْ تَنْقَلِبُ مَكْرُوهَاتٍ إِذَا رُفِعَتْ عَنْ رُتْبَتِهَا ، لِأَنَّ التَّيَامُنَ مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، أَيْ : مِنْ أُمُورِ الْعِبَادَةِ ، لَكِنْ لَمَّا خَشِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنْ يَعْتَقِدُوا وُجُوبَهُ أَشَارَ إِلَى كَرَاهَتِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الِانْفِتَالِ وَالِانْصِرَافِ عَنْ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ · ص 393 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال · ص 275 159 - باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال وكان أنس ينفتل عن يمينه وعن يساره ، ويعيب على من يتوخى - أو يعمد - الانفتال عن يمينه . الانفتال : هو الانحراف عن جهة القبلة إلى الجهة التي يجلس إليها الإمام بعد انحرافه ، كما سبق ذكره . وحكمه : حكم الانصراف بالقيام من محل الصلاة . وقد نص عليه إسحاق وغيره . وقد ذكر البخاري ، عن أنس ، أنه كان ينفتل عن يمينه ويساره ، ويعيب على من يتوخى الانفتال عن يمينه - يعني : يتحراه ويقصده . وفي مسند الإمام أحمد من رواية أبي الأوبر الحارثي ، عن أبي هريرة ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينفتل عن يمينه وشماله . وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة . وفي رواية للإمام أحمد : ينصرف بدل : ينفتل . وخرج مسلم في هذا الباب حديث البراء بن عازب ، قال : كنا إذا صلينا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحببنا أن نكون عن يمينه فيقبل علينا بوجهه . وخرجه من رواية أخرى ليس فيها : ثم يقبل علينا بوجهه . ولكن روي تفسير هذه اللفظة بالبداءة بالتفاته إلى جهة اليمين بالسلام . خرجه الإسماعيلي في حديث مسعر من جمعه ، ولفظه : كان يعجبنا أن نصلي مما يلي يمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان يبدأ بالسلام عن يمينه . وفي رواية أخرى له : أنه كان يبدأ بمن على يمينه ، فيسلم عليه . قال أبو داود : كان أبو عبد الله - يعني : أحمد - ينحرف عن يمينه . وقال ابن منصور : كان أحمد يقعد ناحية اليسرى ، ويتساند . قال القاضي أبو يعلى : وهما متفقان ؛ لأنه إذا انحرف عن يمينه حصل جلوسه ناحية يساره . قال : وقال ابن أبي حاتم : سمعت .. يقول : تدبرت الأحاديث التي رويت في استقبال النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس بوجهه ، فوجدت انحرافه عن يمينه أثبت . وقال ابن بطة من أصحابنا : يجلس عن يسرة القبلة . ونقل حرب ، عن إسحاق ، أنه كان يخير في ذلك كالانصراف . وللشافعية وجهان : أحدهما : التخيير كقول إسحاق . والثاني : أن الانفتال عن يمينه أفضل . ثم لهم في كيفيته وجهان : أحدهما - وحكوه عن أبي حنيفة - : أنه يدخل يمينه في المحراب ويساره إلى الناس ، ويجلس على يمين المحراب . والثاني - وهو أصح عند البغوي وغيره - : بالعكس . واستدلوا له بحديث البراء بن عازب الذي خرجه مسلم . وأما الانصراف : فهو قيام المصلي وذهابه من موضع صلاته إلى حاجته ، فيذهب حيث كانت حاجته ، سواء كانت من جهة اليمين أو اليسار ، ولا يستحب له أن يقصد جهة اليمين مع حاجته إلى غيرها ، هذا قول جمهور العلماء ، وروي عن علي وابن مسعود وابن عمر والنخعي وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق . وإنما كان أكثر انصراف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن يساره ؛ لأن بيوته كانت من جهة اليسار . وقد خرجه الإمام أحمد مصرحا بذلك من رواية ابن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، أن ابن مسعود حدثه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عامة ما ينصرف من الصلاة على يساره إلى الحجرات . فإن لم يكن له حاجة في جهة من الجهات ، فقال الشافعي وكثير من أصحابنا : انصرافه إلى اليمين أفضل ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعجبه التيمن في شأنه كله . وحمل بعضهم على ذلك حديث السدي ، قال : سألت أنسا : كيف أنصرف إذا صليت عن يميني أو عن يساري ؟ فقال : أما أنا فأكثر ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ينصرف عن يمينه . خرجه مسلم . والسدي ، هو : إسماعيل بن عبد الرحمن ، وقد تكلم فيه غير واحد ، ووثقه أحمد وغيره . وعن يحيى فيه روايتان . ولم يخرج له البخاري ، وأظنه ذكر هاهنا الأثر الذي علقه عن أنس ليعلل به هذا الذي رواه عنه السدي . والله أعلم . وحكى ابن عبد البر ، عن الحسن وطائفة من العلماء : أن الانصراف عن اليمين أفضل . وقد حكاه ابن عمر عن فلان ، وأنكره عليه ، ولعله يريد به ابن عباس - رضي الله عنهما . وسئل عطاء : أيهما يستحب ؟ قال : سواء ، ولم يفرق بين أن يكون له حاجة ، أو لا . وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينصرف عن يمينه وشماله . وهو من رواية بقية ، عن الزبيدي ، أن مكحولا حدثه ، إن مسروق بن الأجدع حدثه ، عن عائشة . وهذا إسناد جيد . لكن رواه عبد الله بن سالم الحمصي - وهو ثقة ثبت - عن الزبيدي ، عن سليمان بن موسى ، عن مكحول بهذا الإسناد . قال الدارقطني : وقوله أشبه بالصواب . وسليمان بن موسى ، مختلف في أمره . وروى قبيصة بن الهلب ، عن أبيه ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤمنا ، فينصرف على جانبيه جميعا ، عن يمينه وشماله . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي . وقال : حديث حسن ، وعليه العمل عند أهل العلم . قال : وصح الأمران ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال · ص 142 ( باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال ) أي هذا باب في بيان حكم الانفتال في آخر الصلاة ، وهو أنه إذا فرغ من الصلاة ينفتل عن يمينه إن شاء ، أو عن شماله ، ولا يتقيد بواحد منهما ، كما دل عليه أثر أنس رضي الله تعالى عنه ، يقال : فتلت الرجل عن وجهه فانفتل ، أي : صرفته فانصرف ، فقال الجوهري : هو قلب لفت ، وقال : صرفت الرجل عني فانصرف ، والذي يفهم من الاستعمال أن الانصراف أعم من الانفتال لأن في الانفتال لا بد من لفتة بخلاف الانصراف فإنه يكون بلفتة وبغيرها ، والألف واللام في اليمين والشمال عوض عن المضاف إليه ، أي : عن يمين المصلي وعن شماله . ( وكان أنس ينفتل عن يمينه وعن يساره ويعيب على من يتوخى أو من يعمد الانفتال عن يمينه ) مطابقته للترجمة ظاهرة ، وهو تعليق وصله مسدد في مسنده الكبير من طريق سعيد عن قتادة ، قال : كان أنس رضي الله تعالى عنه ، فذكره ، وقال فيه : ويعيب على من يتوخى ذلك أن لا ينفتل إلا عن يمينه ويقول : يدور كما يدور الحمار . ويدل عليه ما رواه ابن ماجه بسند صحيح عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة . وكذلك ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث قبيصة بن هلب عن أبيه قال : أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ينصرف عن جانبيه جميعا . وأخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي ، وقال : صح الأمران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولفظ أبي داود : حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا شعبة ، عن سماك بن حرب ، عن قبيصة بن هلب - رجل من طيئ - عن أبيه ، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان ينصرف مع شقيه ، يعني مع جانبيه يعني تارة عن يمينه وتارة عن شماله ، ولفظ الترمذي : حدثنا قتيبة ، حدثنا أبو الأحوص ، عن سماك بن حرب ، عن قبيصة بن هلب ، عن أبيه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمنا فينصرف على جانبيه ؛ على يمينه وشماله . وقال : حديث حسن ، وعليه العمل عند أهل العلم أنه ينصرف على أي جانبيه شاء ؛ إن شاء عن يمينه ، وإن شاء عن يساره ، ويروى عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال : إن كانت حاجته عن يمينه أخذ عن يمينه ، وإن كانت حاجته عن يساره أخذ عن يساره . وهلب ، بضم الهاء وسكون اللام ، وقيل : الصواب فيه فتح الهاء وكسر اللام ، وذكر بعضهم فيه ضم الهاء وفتحها وكسرها ، واسمه يزيد بن عدي بن قنافة ، ويقال : يزيد بن علي بن قنافة ، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقرع فمسح رأسه فنبت شعره ، فسمي هلبا . ( فإن قلت ) : روى مسلم عن أنس من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن السدي قال : سألت أنسا كيف أنصرف إذا صليت ؛ أعن يميني أو عن يساري ؟ قال : أما أنا فأكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه . فهذا ظاهره يخالف أثر أنس المذكور . ( قلت ) : لا نسلم ذلك ، لأنه لا يدل على منع الانصراف عن الشمال أيضا ، غاية ما في الباب أنه يدل على أن أكثر انصرافه صلى الله عليه وسلم كان عن يمينه ، وعيب أنس رضي الله تعالى عنه كان على من يتوخى ذلك ، أي : يقصد ويتحرى ذلك ، فكأنه يرى تحتمه ووجوبه ، وأما إذا لم يتوخ ذلك فيستوي فيه الأمران ، ولكن جهة اليمين تكون أولى . قوله : " يتوخى " ، بتشديد الخاء المعجمة . قوله : " أو يعمد " شك من الراوي . 233 - حدثنا أبو الوليد ، قال : حدثنا شعبة ، عن سليمان ، عن عمارة بن عمير ، عن الأسود ، قال : قال عبد الله : لا يجعلن أحدكم للشيطان شيئا من صلاته ، يرى أن حقا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه ، لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ينصرف عن يساره . مطابقته للترجمة من حيث إنه يدل على جواز الانصراف عقيب السلام من الصلاة من الجانبين ، أما من جانب اليسار فصريح في ذلك ، وأما من جانب اليمين فبقوله : " لا يجعلن أحدكم " ، إلى آخره . ذكر رجاله ، وهم ستة ؛ أبو الوليد هشام بن عبد الملك . وشعبة بن الحجاج . وسليمان الأعمش . وعمارة ، بضم العين وتخفيف الميم ، ابن عمير ، مصغر عمرو . والأسود بن يزيد النخعي . وعبد الله بن مسعود . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع والإخبار كذلك في موضع . وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه القول في ثلاثة مواضع . وفيه عن عمارة ، وفي رواية أبي داود الطيالسي : عن شعبة عن الأعمش سمعت عمارة بن عمير . وفيه ثلاثة من التابعين ؛ وهم : سليمان ، وعمارة ، والأسود ، كلهم كوفيون ، وشعبة واسطي ، وأبو الوليد شيخ البخاري بصري . ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم عن أبي بكر ابن أبي شيبة ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وعن علي بن خشرم . وأخرجه أبو داود في الصلاة أيضا عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة . وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن علي . وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد عن وكيع ، وعن أبي بكر بن خلاد . ذكر معناه قوله : " لا يجعلن " ، بنون التأكيد في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : لا يجعل ، بدون النون . قوله : " شيئا من صلاته " ، وفي رواية مسلم : جزءا من صلاته . قوله : " يرى " ، بفتح الياء آخر الحروف بمعنى يعتقد ، أو يرى بضم الياء بمعنى يظن ، ووجه ارتباط هذه الجملة بما قبلها هو إما أن يكون بيانا للجعل أو يكون استئنافا تقديره : كيف يجعل للشيطان من صلاته ، فقال : يرى أن حقا عليه ، إلى آخره . قوله : " حقا " منصوب لأنه اسم أن . قوله : " أن لا ينصرف " في محل الرفع على أنه خبر أن ، والمعنى : يرى أن واجبا عليه عدم الانصراف إلا عن يمينه ، والكرماني تكلف هاهنا فقال : أن لا ينصرف معرفة ، إذ تقديره عدم الانصراف ، فكيف وقع خبرا لأن واسمه نكرة ، ثم أجاب بأن النكرة المخصوصة كالمعرفة ، أو أنه من باب القلب ، أي : يرى أن عدم الانصراف حق عليه ، انتهى . قلت : هذا تعسف ، وظاهر الإعراب هو الذي ذكرته . وقال الكرماني : وفي بعض الروايات " أن " بغير التشديد ، فهي إما مخففة من الثقيلة وحقا مفعول مطلق وفعله محذوف ، أي : قد حق حقا ، وأن لا ينصرف فاعل الفعل المقدر ، وإما مصدرية . قلت : لم تصح رواية التخفيف حتى يوجه بهذا التوجيه . قوله : " كثيرا ينصرف عن يساره " ، انتصاب كثير على أنه صفة لمصدر رأيت محذوفا . وقوله : " ينصرف " ، جملة حالية ، وفي رواية مسلم : أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن شماله . ( فإن قلت ) : روى مسلم عن أنس أنه قال : أما أنا فأكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه . وبينهما تعارض ، لأن كلا منهما قد عبر بصيغة أفعل . ( قلت ) : قال النووي : يجمع بينهما بأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل تارة هذا وتارة هذا ، فأخبر كل منهما بما اعتقد أنه الأكثر ، وإنما كره ابن مسعود أن يعتقد وجوب الانصراف عن اليمين ، وقد مر الكلام في حكم هذا الباب عن قريب مستقصى .