باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال
باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال وكان أنس ينفتل عن يمينه وعن يساره ، ويعيب على من يتوخى - أو يعمد - الانفتال عن يمينه . الانفتال : هو الانحراف عن جهة القبلة إلى الجهة التي يجلس إليها الإمام بعد انحرافه ، كما سبق ذكره . وحكمه : حكم الانصراف بالقيام من محل الصلاة .
وقد نص عليه إسحاق وغيره . وقد ذكر البخاري ، عن أنس ، أنه كان ينفتل عن يمينه ويساره ، ويعيب على من يتوخى الانفتال عن يمينه - يعني : يتحراه ويقصده . وفي مسند الإمام أحمد من رواية أبي الأوبر الحارثي ، عن أبي هريرة ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينفتل عن يمينه وشماله .
وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة . وفي رواية للإمام أحمد : ينصرف بدل : ينفتل . وخرج مسلم في هذا الباب حديث البراء بن عازب ، قال : كنا إذا صلينا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحببنا أن نكون عن يمينه فيقبل علينا بوجهه .
وخرجه من رواية أخرى ليس فيها : ثم يقبل علينا بوجهه . ولكن روي تفسير هذه اللفظة بالبداءة بالتفاته إلى جهة اليمين بالسلام . خرجه الإسماعيلي في حديث مسعر من جمعه ، ولفظه : كان يعجبنا أن نصلي مما يلي يمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان يبدأ بالسلام عن يمينه .
وفي رواية أخرى له : أنه كان يبدأ بمن على يمينه ، فيسلم عليه . قال أبو داود : كان أبو عبد الله - يعني : أحمد - ينحرف عن يمينه . وقال ابن منصور : كان أحمد يقعد ناحية اليسرى ، ويتساند .
قال القاضي أبو يعلى : وهما متفقان ؛ لأنه إذا انحرف عن يمينه حصل جلوسه ناحية يساره . قال : وقال ابن أبي حاتم : سمعت . . يقول : تدبرت الأحاديث التي رويت في استقبال النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس بوجهه ، فوجدت انحرافه عن يمينه أثبت .
وقال ابن بطة من أصحابنا : يجلس عن يسرة القبلة . ونقل حرب ، عن إسحاق ، أنه كان يخير في ذلك كالانصراف . وللشافعية وجهان : أحدهما : التخيير كقول إسحاق .
والثاني : أن الانفتال عن يمينه أفضل . ثم لهم في كيفيته وجهان : أحدهما - وحكوه عن أبي حنيفة - : أنه يدخل يمينه في المحراب ويساره إلى الناس ، ويجلس على يمين المحراب . والثاني - وهو أصح عند البغوي وغيره - : بالعكس .
واستدلوا له بحديث البراء بن عازب الذي خرجه مسلم . وأما الانصراف : فهو قيام المصلي وذهابه من موضع صلاته إلى حاجته ، فيذهب حيث كانت حاجته ، سواء كانت من جهة اليمين أو اليسار ، ولا يستحب له أن يقصد جهة اليمين مع حاجته إلى غيرها ، هذا قول جمهور العلماء ، وروي عن علي وابن مسعود وابن عمر والنخعي وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق . وإنما كان أكثر انصراف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن يساره ؛ لأن بيوته كانت من جهة اليسار .
وقد خرجه الإمام أحمد مصرحا بذلك من رواية ابن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، أن ابن مسعود حدثه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عامة ما ينصرف من الصلاة على يساره إلى الحجرات . فإن لم يكن له حاجة في جهة من الجهات ، فقال الشافعي وكثير من أصحابنا : انصرافه إلى اليمين أفضل ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعجبه التيمن في شأنه كله . وحمل بعضهم على ذلك حديث السدي ، قال : سألت أنسا : كيف أنصرف إذا صليت عن يميني أو عن يساري ؟ فقال : أما أنا فأكثر ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ينصرف عن يمينه .
خرجه مسلم . والسدي ، هو : إسماعيل بن عبد الرحمن ، وقد تكلم فيه غير واحد ، ووثقه أحمد وغيره . وعن يحيى فيه روايتان .
ولم يخرج له البخاري ، وأظنه ذكر هاهنا الأثر الذي علقه عن أنس ليعلل به هذا الذي رواه عنه السدي . والله أعلم . وحكى ابن عبد البر ، عن الحسن وطائفة من العلماء : أن الانصراف عن اليمين أفضل .
وقد حكاه ابن عمر عن فلان ، وأنكره عليه ، ولعله يريد به ابن عباس - رضي الله عنهما . وسئل عطاء : أيهما يستحب ؟ قال : سواء ، ولم يفرق بين أن يكون له حاجة ، أو لا . وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينصرف عن يمينه وشماله .
وهو من رواية بقية ، عن الزبيدي ، أن مكحولا حدثه ، إن مسروق بن الأجدع حدثه ، عن عائشة . وهذا إسناد جيد . لكن رواه عبد الله بن سالم الحمصي - وهو ثقة ثبت - عن الزبيدي ، عن سليمان بن موسى ، عن مكحول بهذا الإسناد .
قال الدارقطني : وقوله أشبه بالصواب . وسليمان بن موسى ، مختلف في أمره . وروى قبيصة بن الهلب ، عن أبيه ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤمنا ، فينصرف على جانبيه جميعا ، عن يمينه وشماله .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي . وقال : حديث حسن ، وعليه العمل عند أهل العلم . قال : وصح الأمران ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .