160 - بَاب مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النِّيِّء وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَكَلَ الثُّومَ أَوْ الْبَصَلَ مِنْ الْجُوعِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا 853 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ، يَعْنِي الثُّومَ ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الثُّومِ ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَالَّتِي بَعْدَهَا مِنْ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ . وَأَمَّا التَّرَاجِمُ الَّتِي قَبْلَهَا فَكُلُّهَا مِنْ صِفَةِ الصَّلَاةِ . لَكِنْ مُنَاسَبَةُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَمَا بَعْدَهَا لِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ بَنَى صِفَةَ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ ، وَلِهَذَا لَمْ يُفْرِدْ مَا بَعْدَ كِتَابِ الْأَذَانِ بِكِتَابٍ ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ أَحْكَامَ الْإِقَامَةِ ثُمَّ الْإِمَامَةِ ثُمَّ الصُّفُوفِ ثُمَّ الْجَمَاعَةِ ثُمَّ صِفَةَ الصَّلَاةِ ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَبِطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَاقْتَضَى فَضْلَ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ نَاسَبَ أَنْ يُورِدَ فِيهِ مَنْ قَامَ بِهِ عَارِضٌ كَأَكْلِ الثُّومِ ، وَمَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَالصِّبْيَانِ ، وَمَنْ تُنْدَبُ لَهُ فِي حَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ كَالنِّسَاءِ ، فَذَكَرَ هَذِهِ التَّرَاجِمَ فَخَتَمَ بِهَا صِفَةَ الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( الثُّومِ ) بِضَمِّ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ، ( وَالنِّيءِ ) بِكَسْرِ النُّونِ وَبَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ هَمْزَةٌ وَقَدْ تُدْغَمُ ، وَتَقْيِيدُهُ بِالنِّيءِ حَمْلٌ مِنْهُ لِلْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ فِي الثُّومِ عَلَى غَيْرِ النَّضِيجِ مِنْهُ . وَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ : وَالْكُرَّاثِ ، لَمْ يَقَعْ ذِكْرُهُ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ الَّتِي ذَكَرَهَا ، لَكِنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ جَابِرٍ كَمَا سَأَذْكُرُهُ ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ : إِنَّهُ قَاسَهُ عَلَى الْبَصَلِ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَنْبَطَ الْكُرَّاثَ مِنْ عُمُومِ الْخَضِرَاتِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهَا دُخُولًا أَوْلَوِيًّا لِأَنَّ رَائِحَتَهُ أَشَدُّ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) هُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ ، وقَوْلُهُ : ( مِنَ الْجُوعِ أَوْ غَيْرِهِ ) لَمْ أَرَ التَّقْيِيدَ بِالْجُوعِ وَغَيْرِهِ صَرِيحًا لَكِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الصَّحَابِيِّ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ ، فَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ ، فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ الْحَدِيثَ . وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : لَمْ نَعُدْ أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ فَوَقَعْنَا فِي هَذِهِ الْبَقْلَةِ وَالنَّاسُ جِيَاعٌ الْحَدِيثَ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : أَلْحَقَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمَجْذُومَ وَغَيْرَهُ بِآكِلِ الثُّومِ فِي الْمَنْعِ مِنَ الْمَسْجِدِ ، قَالَ : وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ آكِلَ الثُّومِ أَدْخَلَ عَلَى نَفْسِهِ بِاخْتِيَارِهِ هَذَا الْمَانِعَ ، وَالْمَجْذُومُ عِلَّتُهُ سَمَاوِيَّةٌ . قَالَ : لَكِنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ ، يَدُلُّ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا . انْتَهَى . وَكَأَنَّهُ رَأَى قَوْلَ الْبُخَارِيِّ فِي التَّرْجَمَةِ وَقَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَخْ ، فَظَنَّهُ لَفْظَ حَدِيثٍ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ هُوَ مِنْ تَفَقُّهِ الْبُخَارِيِّ وَتَجْوِيزِهِ لِذِكْرِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى . قَوْلُهُ : ( مَنْ أَكَلَ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ أَكْلِ الثُّومِ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : مَنْ أَكَلَ لَفْظُ إِبَاحَةٍ . وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ إِنَّمَا تُعْطِي الْوُجُودَ لَا الْحُكْمَ ، أَيْ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ الْأَكْلُ ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ مُبَاحًا أَوْ غَيْرَ مُبَاحٍ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ الدَّلَالَةُ عَلَى عَدَمِ تَحْرِيمِهِ كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ الْقَطَّانُ ، وَعُبَيْدُ اللهِ : هُوَ ابْنُ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ : أَيْ حِينَ أَرَادَ الْخُرُوجَ ، أَوْ حِينَ قَدِمَ . وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ فِي الْغَزَاةِ نَفْسِهَا ، قَالَ : وَلَا ضَرُورَةَ تَمْنَعُ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِذَلِكَ فِي السَّفَرِ . انْتَهَى . فَكَأَنَّ الَّذِي حَمَلَ الدَّاوُدِيَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ فَلِهَذَا حُمِلَ الْخَبَرَ عَلَى ابْتِدَاءِ التَّوَجُّهِ إِلَى خَيْبَرَ أَوِ الرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، لَكِنْ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ صَدَرَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقِبَ فَتْحِ خَيْبَرَ فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ : مَسْجِدَنَا يُرِيدُ بِهِ الْمَكَانَ الَّذِي أُعِدَّ لِيُصَلِّيَ فِيهِ مُدَّةَ إِقَامَتِهِ هُنَاكَ أَوِ الْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الْجِنْسُ وَالْإِضَافَةُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ أَيْ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَ الْمُسْلِمِينَ . وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَحْمَدَ ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ فِيهِ بِلَفْظِ فَلَا يَقْرَبَنَّ الْمَسَاجِدَ وَنَحْوُهُ لِمُسْلِمٍ وَهَذَا يَدْفَعُ قَوْلَ مَنْ خَصَّ النَّهْيَ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَيَأْتِي ، وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَوَهَّاهُ . وَفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ هَلِ النَّهْيُ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَاصَّةً أَوْ فِي الْمَسَاجِدِ ؟ قَالَ : لَا بَلْ فِي الْمَسَاجِدِ . قَوْلُهُ : ( مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يَعْنِي الثُّومَ ) لَمْ أَعْرِفِ الْقَائِلَ : يَعْنِي ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، فَقَدْ رَوَاهُ السَّرَّاجُ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِي ، عَنْ نَافِعٍ بِدُونِهَا وَلَفْظُهُ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ الثُّومِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَزَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ : حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا . وَفِي قَوْلِهِ : شَجَرَةٌ ، مَجَازٌ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي اللُّغَةِ أَنَّ الشَّجَرَةَ مَا كَانَ لَهَا سَاقٌ وَمَا لَا سَاقَ لَهُ يُقَالُ لَهُ : نَجْمٌ ، وَبِهَذَا فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ; وَمِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مَنْ قَالَ : كُلُّ مَا ثَبَتَتْ لَهُ أَرُومَةٌ ، أَيْ أَصْلٌ فِي الْأَرْضٌ يَخْلُفُ مَا قُطِعَ مِنْهُ فَهُوَ شَجَرٌ ، وَإِلَّا فَنَجْمٌ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِطْلَاقُ الشَّجَرِ عَلَى الثُّومِ وَالْعَامَّةُ لَا تَعْرِفُ الشَّجَرَ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ سَاقٌ اهـ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : بَيْنَ الشَّجَرِ وَالنَّجْمِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ ، فَكُلُّ نَجْمٍ شَجَرٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ كَالشَّجَرِ وَالنَّخْلِ ، فَكُلُّ نَخْلٍ شَجَرٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النِّيِّ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ · ص 394 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث · ص 280 160 – باب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أكل الثوم والبصل ، من الجوع أو غيره ، فلا يقربن مسجدنا . خرج فيه : عن ابن عمر ، وجابر ، وأنس . فأما حديث ابن عمر : فقال : 853 - ثنا مسدد ، ثنا يحيى ، عن عبيد الله ، حدثني نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - في غزوة خيبر - : من أكل من هذه الشجرة - يعني : الثوم - فلا يقربن مسجدنا . وخرجه مسلم ، ولفظه : فلا يقربن المساجد . وهذا صريح بعموم المساجد ، والسياق يدل عليه ؛ فإنه لم يكن بخيبر مسجد بني للنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يصلي بالناس في موضع نزوله منها . وقد روي أنه اتخذ بها مسجدا ، والظاهر : أنه نصب أحجارا في مكان ، فكان يصلي بالناس فيه ، ثم قد نهى من أكل الثوم عن قربان موضع صلاتهم . يدل عليه : ما خرجه مسلم من حديث أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، قال : لم نعد أن فتحت خيبر ، فوقعنا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تلك البقلة الثوم ، والناس جياع ، فأكلنا منها أكلا شديدا ، فوجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الريح ، فقال : من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئا فلا يقربنا في المسجد ، فقال الناس : حرمت ، حرمت . فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا أيها الناس ، إنه ليس بي تحريم ما أحل الله ، ولكنها شجرة أكره ريحها . وخرج الإمام أحمد من حديث معقل بن يسار ، قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسير له ، فنزلنا في مكان كثير الثوم ، وإن أناسا من المسلمين أصابوا منه ، ثم جاءوا إلى المصلى يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فنهاهم عنها ، ثم جاءوا بعد ذلك إلى المصلى ، فوجد ريحها منهم ، فقال : من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا في مسجدنا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث · ص 144 ( باب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أكل الثوم أو البصل من الجوع أو غيره ، فلا يقربن مسجدنا أي هذا باب في بيان ما جاء في أكل الثوم النيء وأكل البصل والكراث . الثوم ، بضم الثاء المثلثة . وقوله : " النيء " ، بالجر صفته ، أي : غير النضيج ، هو بكسر النون بعدها ياء آخر الحروف ثم همزة وقد تدغم الياء . قوله : " والبصل " ، أي : وما جاء في البصل . قوله : " والكراث " ، أي : وما جاء في الكراث ، وهو بضم الكاف وتشديد الراء . قوله : " وقول النبي صلى الله عليه وسلم " ، بالجر عطفا على قوله : " ما جاء " ، أي : وما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم : من أكل البصل ، إلى آخره ، وهذا أيضا من جملة الترجمة وليس لفظ الحديث هكذا ، بل هذا من تصرف البخاري وتجويزه نقل الحديث بالمعنى . ( فإن قلت ) : ليس في أحاديث الباب ذكر الكراث فلم ذكره في الترجمة ؟ ( قلت ) : قال بعضهم كأنه أشار به إلى ما وقع في بعض طرق حديث جابر ، وهذا أولى من قول بعضهم أنه قاسه على البصل ، انتهى . قلت : روى مسلم في صحيحه من حديث جابر قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل البصل والكراث ، فغلبتنا الحاجة فأكلنا منه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من أكل من هذه الشجرة المنتنة ، فلا يقربن مسجدنا . وفي مسند الحميدي بإسناد على شرط الصحيح : سئل جابر عن الثوم فقال : ما كان بأرضنا يومئذ ثوم ، إنما الذي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه البصل والكراث . وفي مسند السراج : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الكراث ، فلم ينتهوا ، ثم لم يجدوا بدا من أكلها ، فوجد ريحها فقال : ألم أنهكم .. الحديث . فالكراث إن لم يذكر صريحا في أحاديث الباب فيمكن أن نقول إنه مذكور دلالة ، فإن حديث جابر الذي يأتي فيه : وأن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحا .. الحديث ، يدل أن من جملة الخضرات التي لها ريح هو الكراث ، وهو أيضا من البقول ، فحينئذ تقع المطابقة بينه وبين قوله في الترجمة : " والكراث " ، ووجود التطابق بين التراجم والأحاديث لا يلزم أن يكون صريحا دائما ، يظهر ذلك بالتأمل ، وهذا التوجيه أقرب من قول هذا القائل ، كأنه أشار به إلى ما وقع في بعض طرق حديث جابر رضي الله تعالى عنه ، وقوله هذا أولى من قول بعضهم أنه قاسه على البصل ، أراد به صاحب التوضيح ، فإنه قاله هكذا ، وهذا أبعد من الذي قاله . ( فإن قلت ) : قوله " من الجوع " ، لم يذكر صريحا في أحاديث الباب . ( قلت ) : لم يقع هذا إلا في كلام الصحابي ، وهو في حديث جابر الذي ذكرناه الآن ، وفيه : فغلبتنا الحاجة ، ومن جملة الحاجة الجوع ، وأصرح منه ما وقع في حديث أبي سعيد : لم نعد أن فتحت خيبر فوقعنا في هذه البقلة والناس جياع .. الحديث ، رواه البيهقي وزعم أنه عند مسلم . قوله : " أو غيره " ، أي : أو غير الجوع ، مثل : الأكل بالتشهي والتأدم بالخبز . 234 - حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : أخبرني عطاء ، قال : سمعت جابر بن عبد الله قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : من أكل من هذه الشجرة - يريد الثوم - فلا يغشانا في مساجدنا . قلت : ما يعني به ؟ قال : ما أراه يعني إلا نيئه . وقال مخلد بن يزيد عن ابن جريج : إلا نتنه . مطابقته للترجمة في قوله : " ما جاء في الثوم " . ذكر رجاله ، وهم خمسة ؛ الأول : عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان أبو جعفر الجعفي البخاري المعروف بالمسندي ، وإنما عرف به لأنه كان وقت الطلب يتتبع الأحاديث المسندة ولا يرغب في المقاطيع والمراسيل ، مات في ذي القعدة سنة تسع وعشرين ومائتين . الثاني : أبو عاصم النبيل ، واسمه الضحاك بن مخلد . الثالث : عبد الملك بن جريج . الرابع : عطاء بن أبي رباح . الخامس : جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع أيضا في موضعين ، وبصيغة الإفراد من الماضي في موضع ، وفيه السماع ، وفيه القول في خمسة مواضع ، وفيه أن رواته ما بين بخاري وبصري ومكي ، وفيه أن شيخه المسندي من أفراده ، وفيه أن أبا عاصم أيضا شيخه فإنه روى عنه بواسطة ويروي عنه أيضا بلا واسطة . ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم في الصلاة أيضا عن محمد بن حاتم وعن إسحاق بن إبراهيم وعن محمد بن رافع . وأخرجه الترمذي في الأطعمة عن إسحاق بن منصور . وأخرجه النسائي في الصلاة وفي الوليمة عن إسحاق بن منصور به ، وعن محمد بن عبد الأعلى ، ولما روى الترمذي حديث جابر هذا قال : وفي الباب عن عمرو أبي أيوب ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد ، وجابر بن سمرة ، وقرة ، وابن عمر - رضي الله تعالى عنهم . قلت : وفي الباب أيضا عن حذيفة ، وأبي ثعلبة الخشني ، والمغيرة بن شعبة ، وعلي ، وأنس ، وعبد الله بن زيد - رضي الله تعالى عنهم . فحديث عمر عند مسلم وغيره ، وحديث أبي أيوب عند الترمذي ، وحديث أبي هريرة عند مسلم ، وحديث أبي سعيد عند مسلم أيضا ، وحديث جابر بن سمرة عند الترمذي ، وحديث قرة عند البيهقي ، وحديث ابن عمر عند البخاري ومسلم ، وحديث حذيفة عند ابن حبان ، وحديث أبي ثعلبة عند الطبراني في الأوسط ، وحديث المغيرة عند الترمذي ، وحديث علي رضي الله تعالى عنه عند أبي نعيم في الحلية ، وحديث أنس عند البخاري وغيره ، وحديث عبد الله بن زيد عند الطبراني . ذكر معناه قوله : " من هذه الشجرة " . الشجرة واحدة الشجر ، والشجر : النبات الذي له ساق ، والنجم : النبات الذي ينجم في الأرض لا ساق له كالبقول ، ويقال عند العرب كل شيء ينبت له أرومة في الأرض يخلف ما قطع من ظاهرها فهو شجر ، وما ليس لها أرومة تبقى فهو نجم ، والأرومة الأصل . ( فإن قلت ) : على ما ذكر كيف أطلق الشجر على الثوم ونحوه ؟ ( قلت ) : قد يطلق كل منهما على الآخر ، وتكلم أفصح الفصحاء به من أقوى الدلائل . وقال الخطابي : فيه أنه جعل الثوم من جملة الشجر ، والعامة إنما يسمون الشجر ما كان له ساق يحمل أغصانه دون ما يسقط على الأرض . قوله : " فلا يغشانا " . من الغشيان ، وهو المجيء والإتيان ، أي : فلا يأتنا وإنما أثبت الألف لأن الأصل فلا يغشنا كما هو في رواية كذا لأنه أجرى المعتل مجرى الصحيح ، كما في قول الشاعر : إذا العجوز غضبت فطلق ولا ترضاها ولا تملق وإما أن تكون الألف مولدة من إشباع الفتحة بعد سقوط الألف الأصلية بالجزم . قوله : " في مسجدنا " ، وفي رواية الكشميهني وأبي الوقت : " في مساجدنا " ، بصيغة الجمع ، قوله : " قلت ما يعني به ؟ " أي : ما يقصد ، القائل هو عطاء ابن أبي رباح ، يعني : قال عطاء : قلت لجابر رضي الله تعالى عنه : ما يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم به ، أي : بالثوم ؛ أنضيجا أم نيا ؟ قال جابر : ما أراه بضم الهمزة ، أي : ما أظنه صلى الله عليه وسلم يعني ، أي : يقصد : نيه ، أي : ني الثوم . وقال بعضهم : وأظن السائل ابن جريج والمسؤول عطاء . قلت : الذي قلنا هو الأقرب والأوجه على ما لا يخفى ، وبه جزم الكرماني . قوله : " قال مخلد " ، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة ، ابن يزيد ، من الزيادة ، أبو الحسن الحراني ، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة . قوله : " عن ابن جريج " ، يعني : يروي عن عبد الملك بن جريج ، إلا نتنه ، بفتح النونين بينهما تاء مثناة من فوق ساكنة ، يعني : قال بدل نيه نتنه ، وهو الرائحة الكريهة ، وهذا التعليق يخالف ما رواه جماعة عن ابن جريج ، فإن أبا عوانة رواه في صحيحه من طريق روح بن عبادة عن ابن جريج ، كما رواه أبو عاصم عن ابن جريج ، وكذلك رواه عبد الرزاق عن ابن جريج نحوه ، وكذلك رواه أبو نعيم في المستخرج من طريق ابن أبي عدي عن ابن جريج ، فلفظ الكل : النيء ، لا النتن . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه كراهة أكل الثوم النيء ولا يحرم ، أما الكراهة فلرائحته الكريهة ، ولهذا قال : من أكل من هذه الشجرة فلا يغشانا في مسجدنا . وأما عدم الحرمة فلقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر الذي يأتي في هذا الباب : " كل فإني أناجي من لا تناجي " . وقال ابن بطال : قوله صلى الله عليه وسلم : " من أكل " يدل على إباحة أكل الثوم لأنه لفظ يدل على الإباحة ، وتعقب بأن هذه الصيغة إنما تعطي الوجود لا الحكم ، لأن معناه : من وجد منه الأكل ، وهو أعم من كونه مباحا أو غير مباح . قلت : فلا حاجة إلى الاستدلال على الإباحة بهذه الطريقة ، فإن حديث جابر يدل على إباحته صريحا ، وكذلك حديث أبي أيوب ، رواه الترمذي : حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داود أنبأنا شعبة عن سماك بن حرب سمع جابر بن سمرة يقول : نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي أيوب - وكان إذا أكل طعاما بعث إليه بفضله - فبعث إليه يوما بطعام ولم يأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أتى أبو أيوب النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فيه الثوم ، فقال : يا رسول الله ، أحرام هو ؟ قال : لا ، ولكني أكرهه من أجل ريحه . وقال الترمذي أيضا : حدثنا محمد بن حميد حدثنا زيد بن الحباب عن أبي خلدة عن أبي العالية قال : الثوم من طيبات الرزق . وأبو خلدة اسمه خالد بن دينار ، وهو ثقة عند أهل الحديث ، وقد أدرك أنس بن مالك وسمع منه ، وأبو العالية اسمه رفيع وهو الرياحي ، وهو الذي ذكرنا أكله في الثوم النيء لأجل رائحته . وأما الثوم المطبوخ منه فلا يكره ، لما روى أبو داود : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا الجراح أبو وكيع عن أبي إسحاق عن شريك عن علي رضي الله تعالى عنه قال : نهي عن أكل الثوم إلا مطبوخا " . وروى أيضا عن حديث معاوية بن قرة عن أبيه " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هاتين الشجرتين ، وقال : من أكلهما فلا يقربن مسجدنا . وقال : إن كنتم لا بد آكليهما فأميتوهما طبخا . ثم إن حديث الباب في الثوم فقط ، وسيجيء حديث جابر رضي الله تعالى عنه في هذا الباب أن البصل مثل الثوم ، وأن الخضرات من البقول التي لها رائحة كذلك ، ويدخل فيه الكراث والفجل أيضا ، ونص على الفجل في المعجم الصغير للطبراني ، وذكره مع الثوم والكراث ، ونقل ابن التين عن مالك قال : الفجل إن كان يظهر ريحه فهو كالثوم ، وقيده عياض بالجشاء ، وفي التوضيح : وشذ أهل الظاهر فحرموا هذه الأشياء لإفضائها إلى ترك الجماعة ، وهي عندهم فرض عين ، وتقريره أن يقال : صلاة الجماعة فرض عين ولا يتم إلا بترك أكلها ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فترك أكلها واجب فتكون حراما . قلت : صرح ابن حزم منهم بأن أكلها حلال مع قوله بأن الجماعة فرض عين . وفيه ترك الإتيان إلى المسجد عند أكل الثوم ونحوه ، وهو بعمومه يتناول المجامع كمصلى العيد والجنازة ومكان الوليمة ، وحكم رحبة المسجد حكمه لأنها منه ، وخص القاضي عياض الكراهة بما إذا كان معهم غيرهم ، أما إذا كان كلهم أكلوه فلا ولكن ينبغي احترام الملائكة ، وليس المراد بالملائكة الحفظة . قلت : العلة أذى الملائكة ، وأذى المسلمين ، فيختص النهي بالمساجد وما في معناها ، ولا يختص بمسجده صلى الله عليه وسلم بل المساجد كلها سواء عملا برواية : مساجدنا ، بالجمع ، وشذ من خصه بمسجده صلى الله عليه وسلم . ويلحق بما نص عليه في الحديث كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها ، وإنما خص الثوم هنا بالذكر وفي غيره أيضا بالبصل والكراث ؛ لكثرة أكلهم بها ، وكذلك ألحق بذلك بعضهم من بفيه بخر أو به جرح له رائحة ، وكذلك القصاب والسماك والمجذوم والأبرص أولى بالإلحاق ، وصرح بالمجذوم ابن بطال ، ونقل عن سحنون : لا أرى الجمعة عليه ، واحتج بالحديث ، وألحق بالحديث كل من آذى الناس بلسانه في المسجد ، وبه أفتى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، وهو أصل في نفي كل ما يتأذى به ، ولا يبعد أن يعذر من كان معذورا بأكل ما له ريح كريهة لما روى ابن حبان في صحيحه عن المغيرة بن شعبة " انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد مني ريح الثوم ، فقال : من أكل الثوم ؟ قال : فأخذت يده فأدخلتها فوجد صدري معصوبا ، فقال : إن لك عذرا " وفي رواية الطبراني في الأوسط : " اشتكيت صدري فأكلته " وفيه : فلم يعنفه صلى الله عليه وسلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث · ص 147 235 - حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى عن عبيد الله قال : حدثني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزوة خيبر : من أكل من هذه الشجرة - يعني الثوم - فلا يقربن مسجدنا . مطابقته للترجمة ظاهرة . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ويحيى هو القطان ، وعبيد الله بن عمر العموي . وأخرجه مسلم في الصلاة أيضا عن زهير بن حرب ، ومحمد بن المثنى . وأخرجه أبو داود في الأطعمة عن أحمد بن حنبل . قوله : فلا يقربن مسجدنا ، بنون التأكيد المشددة ، وفي لفظ لمسلم : فلا يأتين المساجد وفي لفظ له : فلا يقربن مسجدنا حتى يذهب ريحها ، يعني الثوم . وأورده ابن بطال في شرحه بلفظ : فلا يغشني في مسجدنا . قلت : ما يعني به ؟ قال : ما أراه يعني إلا نيّه . قلت : هذا لم يرد في حديث ابن عمر ، إنما هو في حديث جابر الذي بعده .