854 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ، يُرِيدُ الثُّومَ ، فَلَا يَغْشَانَا فِي مَسَاجِدِنَا . قُلْتُ : مَا يَعْنِي بِهِ ؟ قَالَ : مَا أُرَاهُ يَعْنِي إِلَّا نِيئَهُ . وَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ : إِلَّا نَتْنَهُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٌ ) هُوَ الْمُسْنَدِيُّ ، وَأَبُو عَاصِمٍ هُوَ النَّبِيلِيُّ وَهُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ ، وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا هُنَا . قَوْلُهُ : ( يُرِيدُ الثُّومَ ) لَمْ أَعْرِفِ الَّذِي فَسَّرَهُ أَيْضًا وَأَظُنُّهُ ابْنَ جُرَيْجٍ فَإِنَّ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءٍ الْجَزْمَ بِذِكْرِ الثُّومِ . عَلَى أَنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِي سِيَاقِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ الثُّومِ ، وَقَالَ مَرَّةً : مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلَهُ وَعَيَّنَ الَّذِي قَالَ ، وَقَالَ مَرَّةً وَلَفْظُهُ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطَاءٌ فِي وَقْتٍ آخَرَ : الثُّومُ وَالْبَصَلُ وَالْكُرَّاثُ وَرَوَاهُ أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ : نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ قَالَ : وَلَمْ يَكُنْ بِبَلَدِنَا يَوْمَئِذٍ الثُّومُ هَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ . قُلْتُ : وهَذَا لَا يُنَافِي التَّفْسِيرَ الْمُتَقَدِّمَ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِهِمْ أَنْ لَا يُجْلَبَ إِلَيْهِمْ ، حَتَّى لَوِ امْتَنَعَ هَذَا الْحَمْلُ لَكَانَتْ رِوَايَةُ الْمُثْبِتِ مُقَدَّمَةً عَلَى رِوَايَةِ النَّافِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَلَا يَغْشَانَا ) كَذَا فِيهِ بِصِيغَةِ النَّفْيِ الَّتِي يُرَادُ بِهَا النَّهْيُ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : أَوْ عَلَى لُغَةِ مَنْ يُجْرِي الْمُعْتَلَّ مَجْرَى الصَّحِيحِ ، أَوْ أَشْبَعَ الرَّاوِي الْفَتْحَةَ فَظَنَّ أَنَّهَا أَلِفٌ . وَالْمُرَادُ بِالْغَشَيَانِ الْإِتْيَانُ ، أَيْ فَلَا يَأْتِنَا . قَوْلُهُ : ( فِي مَسْجِدِنَا ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَأَبِي الْوَقْتِ : مَسَاجِدِنَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ . قَوْلُهُ : ( قُلْتُ مَا يَعْنِي بِهِ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ الْقَائِلِ وَالْمَقُولِ لَهُ ، وَأَظُنُّ السَّائِلَ ابْنَ جُرَيْجٍ وَالْمَسْئُولَ عَطَاءً ، وفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مَا يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ ، وَجَزَمَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْقَائِلَ عَطَاءٌ وَالْمَسْئُولَ جَابِرٌ ، وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ فِي أُرَاهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ، أَيْ أَظُنُّهُ ، و نَيِّئَهُ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ إِلَّا نَتْنَهُ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقَ بَعْدَهَا نُونٌ أُخْرَى ، وَلَمْ أَجِدْ طَرِيقَ مَخْلَدٍ هَذِهِ مَوْصُولَةً بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ السَّرَّاجُ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ مَخْلَدٍ هَذَا الْحَدِيثَ لَكِنْ قَالَ : عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ بَدَلَ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَقْصُودَ مِنَ التَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ : أَلَمْ أَنْهَكُمْ عَنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ الْخَبِيثَةِ أَوِ الْمُنْتِنَةِ ، فَإِنْ كَانَ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ وَإِلَّا فَمَا أَظُنُّهُ إِلَّا تَصْحِيفًا ، فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ كَمَا قَالَ أَبُو عَاصِمٍ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ : أُرَاهُ يَعْنِي النِّيئَةَ الَّتِي لَمْ تُطْبَخْ وَكَذَا لِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ : يُرِيدُ النِّيءَ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلنِّيءِ بِأَنَّهُ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ وَهُوَ حَقِيقَتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مَا لَمْ يَنْضَجْ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا طُبِخَ قَلِيلًا وَلَمْ يَبْلُغِ النُّضْجَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النِّيِّ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ · ص 396 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث · ص 281 وأما حديث جابر ، فمن طريقين : أحدهما : 854 - حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا أبو عاصم ، أنا ابن جريج : أخبرني عطاء ، قال : سمعت جابر بن عبد الله قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أكل من هذه الشجرة - يريد : الثوم - فلا يغشانا في مساجدنا . قلت : ما يعني به ؟ قال : ما أراه يعني إلا نيئه . وقال مخلد بن يزيد ، عن ابن جريج : إلا نتنه . وهذه الرواية - أيضا - صريحة بعموم المساجد ، والمسئول والمجيب لعله عطاء .. وفي أبي عاصم . نيئه ، بالهمز ، ويقال بالتشديد بدون همزة ، والمراد به : ما ليس بمطبوخ ، فإنه قد ورد في المطبوخ رخصة ، لزوال بعض ريحه بالطبخ . وقد قال عمر - رضي الله عنه - في خطبته - : إنكم تأكلون شجرتين ، لا أراهما إلا خبيثتين ، هذا البصل والثوم ، لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وجد ريحها من الرجل في المسجد أمر به وأخرج إلى البقيع ، فمن أكلهما فليمتهما طبخا . خرجه مسلم . وخرج أبو داود والنسائي من حديث معاوية بن قرة ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن هاتين الشجرتين ، وقال : من أكلهما فلا يقربن مسجدنا وقال : إن كنتم لا بد آكلوهما ، فأميتوهما طبخا . قال : يعني : البصل والثوم . وقال البخاري - فيما نقله عنه الترمذي في علله - : حديث حسن . وخرج الطبراني معناه من حديث أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال فيه : فإن كنتم لا بد آكلوهما فاقتلوهما بالنار قتلا . وخرج أبو داود من حديث علي ، قال : نهي عن أكل الثوم إلا مطبوخا . خرجه الترمذي . ثم خرجه - موقوفا - عن علي ، أنه كره أكله إلا مطبوخا . وخرج ابن ماجه من حديث عقبة بن عامر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه : لا تأكلوا البصل ، ثم قال كلمة خفية : النيء . وأما رواية مخلد بن يزيد الحراني ، عن ابن جريج ، التي ذكرها البخاري - تعليقا - فمعناها : نتن ريحه ، ولأجلها كره دخول المسجد لآكله . وخرج مسلم حديث جابر هذا من رواية يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، ولفظه : من أكل من هذه البقلة : الثوم - وقال مرة - : من أكل من البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا ، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم . وخرج معناه من حديث أبي الزبير ، عن جابر - أيضا . وخرج مسلم - أيضا - من حديث الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا ، ولا يؤذينا بريح الثوم . فدل هذا الحديث - مع الذي قبله - على أن علة المنع من قربان المسجد تأذي من يشهده من المؤمنين والملائكة بالرائحة الكريهة . وفي عامة هذه الأحاديث : تسمية الثوم شجرة . قال الخطابي : فيه أنه جعل الثوم من جملة الشجر ، والعامة إنما يسمون الشجر ما كان له ساق يحمل أغصانه دون غيره . وعند العرب : أن كل ما بقيت له أرومة في الأرض تخلف ما قطع فهو شجر ، وما لا أرومة له فهو نجم ، فالقطن شجر ، يبقى في كثير من البلدان سنين ، وكذلك الباذنجان ، فأما اليقطين والريحان ونحوهما فليس بشجر ، فلو حلف رجل على شيء من الأشجار فالاعتبار من جهة الاسم والحقيقة على ما ذكرت ، وفي العرف ما تعارفه الناس . انتهى . وأما قوله تعالى : وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ فلا يرد على ما ذكره ؛ فإنها شجرة مقيدة بكونها من يقطين ، وكلامه إنما هو في إطلاق اسم الشجر . وقد اختلف أصحابنا الفقهاء فيما يتكرر حمله من أصول الخضروات ونحوها : هل هو ملتحق بالشجر ، أو بالزرع ؟ وفيه وجهان ، ينبني عليهما مسائل متعددة ، قد ذكرناها في كتاب القواعد في الفقه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث · ص 144 ( باب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أكل الثوم أو البصل من الجوع أو غيره ، فلا يقربن مسجدنا أي هذا باب في بيان ما جاء في أكل الثوم النيء وأكل البصل والكراث . الثوم ، بضم الثاء المثلثة . وقوله : " النيء " ، بالجر صفته ، أي : غير النضيج ، هو بكسر النون بعدها ياء آخر الحروف ثم همزة وقد تدغم الياء . قوله : " والبصل " ، أي : وما جاء في البصل . قوله : " والكراث " ، أي : وما جاء في الكراث ، وهو بضم الكاف وتشديد الراء . قوله : " وقول النبي صلى الله عليه وسلم " ، بالجر عطفا على قوله : " ما جاء " ، أي : وما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم : من أكل البصل ، إلى آخره ، وهذا أيضا من جملة الترجمة وليس لفظ الحديث هكذا ، بل هذا من تصرف البخاري وتجويزه نقل الحديث بالمعنى . ( فإن قلت ) : ليس في أحاديث الباب ذكر الكراث فلم ذكره في الترجمة ؟ ( قلت ) : قال بعضهم كأنه أشار به إلى ما وقع في بعض طرق حديث جابر ، وهذا أولى من قول بعضهم أنه قاسه على البصل ، انتهى . قلت : روى مسلم في صحيحه من حديث جابر قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل البصل والكراث ، فغلبتنا الحاجة فأكلنا منه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من أكل من هذه الشجرة المنتنة ، فلا يقربن مسجدنا . وفي مسند الحميدي بإسناد على شرط الصحيح : سئل جابر عن الثوم فقال : ما كان بأرضنا يومئذ ثوم ، إنما الذي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه البصل والكراث . وفي مسند السراج : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الكراث ، فلم ينتهوا ، ثم لم يجدوا بدا من أكلها ، فوجد ريحها فقال : ألم أنهكم .. الحديث . فالكراث إن لم يذكر صريحا في أحاديث الباب فيمكن أن نقول إنه مذكور دلالة ، فإن حديث جابر الذي يأتي فيه : وأن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحا .. الحديث ، يدل أن من جملة الخضرات التي لها ريح هو الكراث ، وهو أيضا من البقول ، فحينئذ تقع المطابقة بينه وبين قوله في الترجمة : " والكراث " ، ووجود التطابق بين التراجم والأحاديث لا يلزم أن يكون صريحا دائما ، يظهر ذلك بالتأمل ، وهذا التوجيه أقرب من قول هذا القائل ، كأنه أشار به إلى ما وقع في بعض طرق حديث جابر رضي الله تعالى عنه ، وقوله هذا أولى من قول بعضهم أنه قاسه على البصل ، أراد به صاحب التوضيح ، فإنه قاله هكذا ، وهذا أبعد من الذي قاله . ( فإن قلت ) : قوله " من الجوع " ، لم يذكر صريحا في أحاديث الباب . ( قلت ) : لم يقع هذا إلا في كلام الصحابي ، وهو في حديث جابر الذي ذكرناه الآن ، وفيه : فغلبتنا الحاجة ، ومن جملة الحاجة الجوع ، وأصرح منه ما وقع في حديث أبي سعيد : لم نعد أن فتحت خيبر فوقعنا في هذه البقلة والناس جياع .. الحديث ، رواه البيهقي وزعم أنه عند مسلم . قوله : " أو غيره " ، أي : أو غير الجوع ، مثل : الأكل بالتشهي والتأدم بالخبز . 234 - حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : أخبرني عطاء ، قال : سمعت جابر بن عبد الله قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : من أكل من هذه الشجرة - يريد الثوم - فلا يغشانا في مساجدنا . قلت : ما يعني به ؟ قال : ما أراه يعني إلا نيئه . وقال مخلد بن يزيد عن ابن جريج : إلا نتنه . مطابقته للترجمة في قوله : " ما جاء في الثوم " . ذكر رجاله ، وهم خمسة ؛ الأول : عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان أبو جعفر الجعفي البخاري المعروف بالمسندي ، وإنما عرف به لأنه كان وقت الطلب يتتبع الأحاديث المسندة ولا يرغب في المقاطيع والمراسيل ، مات في ذي القعدة سنة تسع وعشرين ومائتين . الثاني : أبو عاصم النبيل ، واسمه الضحاك بن مخلد . الثالث : عبد الملك بن جريج . الرابع : عطاء بن أبي رباح . الخامس : جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع أيضا في موضعين ، وبصيغة الإفراد من الماضي في موضع ، وفيه السماع ، وفيه القول في خمسة مواضع ، وفيه أن رواته ما بين بخاري وبصري ومكي ، وفيه أن شيخه المسندي من أفراده ، وفيه أن أبا عاصم أيضا شيخه فإنه روى عنه بواسطة ويروي عنه أيضا بلا واسطة . ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم في الصلاة أيضا عن محمد بن حاتم وعن إسحاق بن إبراهيم وعن محمد بن رافع . وأخرجه الترمذي في الأطعمة عن إسحاق بن منصور . وأخرجه النسائي في الصلاة وفي الوليمة عن إسحاق بن منصور به ، وعن محمد بن عبد الأعلى ، ولما روى الترمذي حديث جابر هذا قال : وفي الباب عن عمرو أبي أيوب ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد ، وجابر بن سمرة ، وقرة ، وابن عمر - رضي الله تعالى عنهم . قلت : وفي الباب أيضا عن حذيفة ، وأبي ثعلبة الخشني ، والمغيرة بن شعبة ، وعلي ، وأنس ، وعبد الله بن زيد - رضي الله تعالى عنهم . فحديث عمر عند مسلم وغيره ، وحديث أبي أيوب عند الترمذي ، وحديث أبي هريرة عند مسلم ، وحديث أبي سعيد عند مسلم أيضا ، وحديث جابر بن سمرة عند الترمذي ، وحديث قرة عند البيهقي ، وحديث ابن عمر عند البخاري ومسلم ، وحديث حذيفة عند ابن حبان ، وحديث أبي ثعلبة عند الطبراني في الأوسط ، وحديث المغيرة عند الترمذي ، وحديث علي رضي الله تعالى عنه عند أبي نعيم في الحلية ، وحديث أنس عند البخاري وغيره ، وحديث عبد الله بن زيد عند الطبراني . ذكر معناه قوله : " من هذه الشجرة " . الشجرة واحدة الشجر ، والشجر : النبات الذي له ساق ، والنجم : النبات الذي ينجم في الأرض لا ساق له كالبقول ، ويقال عند العرب كل شيء ينبت له أرومة في الأرض يخلف ما قطع من ظاهرها فهو شجر ، وما ليس لها أرومة تبقى فهو نجم ، والأرومة الأصل . ( فإن قلت ) : على ما ذكر كيف أطلق الشجر على الثوم ونحوه ؟ ( قلت ) : قد يطلق كل منهما على الآخر ، وتكلم أفصح الفصحاء به من أقوى الدلائل . وقال الخطابي : فيه أنه جعل الثوم من جملة الشجر ، والعامة إنما يسمون الشجر ما كان له ساق يحمل أغصانه دون ما يسقط على الأرض . قوله : " فلا يغشانا " . من الغشيان ، وهو المجيء والإتيان ، أي : فلا يأتنا وإنما أثبت الألف لأن الأصل فلا يغشنا كما هو في رواية كذا لأنه أجرى المعتل مجرى الصحيح ، كما في قول الشاعر : إذا العجوز غضبت فطلق ولا ترضاها ولا تملق وإما أن تكون الألف مولدة من إشباع الفتحة بعد سقوط الألف الأصلية بالجزم . قوله : " في مسجدنا " ، وفي رواية الكشميهني وأبي الوقت : " في مساجدنا " ، بصيغة الجمع ، قوله : " قلت ما يعني به ؟ " أي : ما يقصد ، القائل هو عطاء ابن أبي رباح ، يعني : قال عطاء : قلت لجابر رضي الله تعالى عنه : ما يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم به ، أي : بالثوم ؛ أنضيجا أم نيا ؟ قال جابر : ما أراه بضم الهمزة ، أي : ما أظنه صلى الله عليه وسلم يعني ، أي : يقصد : نيه ، أي : ني الثوم . وقال بعضهم : وأظن السائل ابن جريج والمسؤول عطاء . قلت : الذي قلنا هو الأقرب والأوجه على ما لا يخفى ، وبه جزم الكرماني . قوله : " قال مخلد " ، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة ، ابن يزيد ، من الزيادة ، أبو الحسن الحراني ، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة . قوله : " عن ابن جريج " ، يعني : يروي عن عبد الملك بن جريج ، إلا نتنه ، بفتح النونين بينهما تاء مثناة من فوق ساكنة ، يعني : قال بدل نيه نتنه ، وهو الرائحة الكريهة ، وهذا التعليق يخالف ما رواه جماعة عن ابن جريج ، فإن أبا عوانة رواه في صحيحه من طريق روح بن عبادة عن ابن جريج ، كما رواه أبو عاصم عن ابن جريج ، وكذلك رواه عبد الرزاق عن ابن جريج نحوه ، وكذلك رواه أبو نعيم في المستخرج من طريق ابن أبي عدي عن ابن جريج ، فلفظ الكل : النيء ، لا النتن . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه كراهة أكل الثوم النيء ولا يحرم ، أما الكراهة فلرائحته الكريهة ، ولهذا قال : من أكل من هذه الشجرة فلا يغشانا في مسجدنا . وأما عدم الحرمة فلقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر الذي يأتي في هذا الباب : " كل فإني أناجي من لا تناجي " . وقال ابن بطال : قوله صلى الله عليه وسلم : " من أكل " يدل على إباحة أكل الثوم لأنه لفظ يدل على الإباحة ، وتعقب بأن هذه الصيغة إنما تعطي الوجود لا الحكم ، لأن معناه : من وجد منه الأكل ، وهو أعم من كونه مباحا أو غير مباح . قلت : فلا حاجة إلى الاستدلال على الإباحة بهذه الطريقة ، فإن حديث جابر يدل على إباحته صريحا ، وكذلك حديث أبي أيوب ، رواه الترمذي : حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داود أنبأنا شعبة عن سماك بن حرب سمع جابر بن سمرة يقول : نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي أيوب - وكان إذا أكل طعاما بعث إليه بفضله - فبعث إليه يوما بطعام ولم يأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أتى أبو أيوب النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فيه الثوم ، فقال : يا رسول الله ، أحرام هو ؟ قال : لا ، ولكني أكرهه من أجل ريحه . وقال الترمذي أيضا : حدثنا محمد بن حميد حدثنا زيد بن الحباب عن أبي خلدة عن أبي العالية قال : الثوم من طيبات الرزق . وأبو خلدة اسمه خالد بن دينار ، وهو ثقة عند أهل الحديث ، وقد أدرك أنس بن مالك وسمع منه ، وأبو العالية اسمه رفيع وهو الرياحي ، وهو الذي ذكرنا أكله في الثوم النيء لأجل رائحته . وأما الثوم المطبوخ منه فلا يكره ، لما روى أبو داود : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا الجراح أبو وكيع عن أبي إسحاق عن شريك عن علي رضي الله تعالى عنه قال : نهي عن أكل الثوم إلا مطبوخا " . وروى أيضا عن حديث معاوية بن قرة عن أبيه " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هاتين الشجرتين ، وقال : من أكلهما فلا يقربن مسجدنا . وقال : إن كنتم لا بد آكليهما فأميتوهما طبخا . ثم إن حديث الباب في الثوم فقط ، وسيجيء حديث جابر رضي الله تعالى عنه في هذا الباب أن البصل مثل الثوم ، وأن الخضرات من البقول التي لها رائحة كذلك ، ويدخل فيه الكراث والفجل أيضا ، ونص على الفجل في المعجم الصغير للطبراني ، وذكره مع الثوم والكراث ، ونقل ابن التين عن مالك قال : الفجل إن كان يظهر ريحه فهو كالثوم ، وقيده عياض بالجشاء ، وفي التوضيح : وشذ أهل الظاهر فحرموا هذه الأشياء لإفضائها إلى ترك الجماعة ، وهي عندهم فرض عين ، وتقريره أن يقال : صلاة الجماعة فرض عين ولا يتم إلا بترك أكلها ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فترك أكلها واجب فتكون حراما . قلت : صرح ابن حزم منهم بأن أكلها حلال مع قوله بأن الجماعة فرض عين . وفيه ترك الإتيان إلى المسجد عند أكل الثوم ونحوه ، وهو بعمومه يتناول المجامع كمصلى العيد والجنازة ومكان الوليمة ، وحكم رحبة المسجد حكمه لأنها منه ، وخص القاضي عياض الكراهة بما إذا كان معهم غيرهم ، أما إذا كان كلهم أكلوه فلا ولكن ينبغي احترام الملائكة ، وليس المراد بالملائكة الحفظة . قلت : العلة أذى الملائكة ، وأذى المسلمين ، فيختص النهي بالمساجد وما في معناها ، ولا يختص بمسجده صلى الله عليه وسلم بل المساجد كلها سواء عملا برواية : مساجدنا ، بالجمع ، وشذ من خصه بمسجده صلى الله عليه وسلم . ويلحق بما نص عليه في الحديث كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها ، وإنما خص الثوم هنا بالذكر وفي غيره أيضا بالبصل والكراث ؛ لكثرة أكلهم بها ، وكذلك ألحق بذلك بعضهم من بفيه بخر أو به جرح له رائحة ، وكذلك القصاب والسماك والمجذوم والأبرص أولى بالإلحاق ، وصرح بالمجذوم ابن بطال ، ونقل عن سحنون : لا أرى الجمعة عليه ، واحتج بالحديث ، وألحق بالحديث كل من آذى الناس بلسانه في المسجد ، وبه أفتى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، وهو أصل في نفي كل ما يتأذى به ، ولا يبعد أن يعذر من كان معذورا بأكل ما له ريح كريهة لما روى ابن حبان في صحيحه عن المغيرة بن شعبة " انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد مني ريح الثوم ، فقال : من أكل الثوم ؟ قال : فأخذت يده فأدخلتها فوجد صدري معصوبا ، فقال : إن لك عذرا " وفي رواية الطبراني في الأوسط : " اشتكيت صدري فأكلته " وفيه : فلم يعنفه صلى الله عليه وسلم .