4 - بَاب فَضْلِ الْجُمُعَةِ 881 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ فَضْلِ الْجُمُعَةِ ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ مَالِكٍ ، عَنْ سُمَيٍّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ الْحَدِيثَ . وَإِسْنَادُهُ مَدَنِيُّونَ ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ مَا اقْتَضَاهُ الْحَدِيثُ مِنْ مُسَاوَاةِ الْمُبَادِرِ إِلَى الْجُمُعَةِ لِلْمُتَقَرِّبِ بِالْمَالِ فَكَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ عِبَادَتَيْنِ بَدَنِيَّةٍ وَمَالِيَّةٍ ، وَهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ لِلْجُمُعَةِ لَمْ تَثْبُتْ لِغَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ . قَوْلُهُ : ( مَنِ اغْتَسَلَ ) يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَنْ يَصِحُّ التَّقَرُّبُ مِنْهُ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ . قَوْلُهُ : ( غُسْلَ الْجَنَابَةِ ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ : غُسْلًا كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ ، وَهُوَ كَقولِهِ تعالى : وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُمَيٍّ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : فَاغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ كَمَا يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّشْبِيهَ لِلْكَيْفِيَّةِ لَا لِلْحُكْمِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ ، وَقِيلَ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْجِمَاعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِيَغْتَسِلَ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنْ تَسْكُنَ نَفْسُهُ فِي الرَّوَاحِ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَا تَمْتَدُّ عَيْنُهُ إِلَى شَيْءٍ يَرَاهُ ، وَفِيهِ حَمْلُ الْمَرْأَةِ أَيْضًا عَلَى الِاغْتِسَالِ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ قَائِلُ ذَلِكَ حَدِيثُ : مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ الْمُخَرَّجُ فِي السُّنَنِ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى غَسَّلَ بِالتَّشْدِيدِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى هَذَا وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ . انْتَهَى . وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَثَبَتَ أَيْضًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّهُ أَنْسَبُ الْأَقْوَالِ فَلَا وَجْهَ لِادِّعَاءِ بُطْلَانِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَرْجَحَ وَلَعَلَّهُ عَنَى أَنَّهُ بَاطِلٌ فِي الْمَذْهَبِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ رَاحَ ) زَادَ أَصْحَابُ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ : فِي السَّاعَةِ الْأُولَى . قَوْلُهُ : ( فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ) أَيْ : تَصَدَّقَ بِهَا مُتَقَرِّبًا إِلَى اللَّهِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ أَنَّ لِلْمُبَادِرِ فِي أَوَّلِ سَاعَةٍ نَظِيرَ مَا لِصَاحِبِ الْبَدَنَةِ مِنَ الثَّوَابِ مِمَّنْ شُرِعَ لَهُ الْقُرْبَانُ ، لِأَنَّ الْقُرْبَانَ لَمْ يُشْرَعْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ لِلْأُمَمِ السَّالِفَةِ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ الْمَذْكُورَةِ : فَلَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ الْجَزُورِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الثَّوَابَ لَوْ تَجَسَّدَ لَكَانَ قَدْرَ الْجَزُورِ . وَقِيلَ : لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ إِلَّا بَيَانَ تَفَاوُتِ الْمُبَادِرِينَ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَأَنَّ نِسْبَةَ الثَّانِي مِنَ الْأَوَّلِ نِسْبَةُ الْبَقَرَةِ إِلَى الْبَدَنَةِ فِي الْقِيمَةِ مَثَلًا ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ فِي مُرْسَلِ طَاوُسٍ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : كَفَضْلِ صَاحِبِ الْجَزُورِ عَلَى صَاحِبِ الْبَقَرَةِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ الْآتِيَةِ فِي بَابِ الِاسْتِمَاعِ إِلَى الْخُطْبَةِ بِلَفْظِ : كَمِثْلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً فَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْبَانِ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ الْإِهْدَاءُ إِلَى الْكَعْبَةِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : فِي لَفْظِ الْإِهْدَاءِ إِدْمَاجٌ بِمَعْنَى التَّعْظِيمِ لِلْجُمُعَةِ ، وَأَنَّ الْمُبَادِرَ إِلَيْهَا كَمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ ، وَالْمُرَادُ بِالْبَدَنَةِ الْبَعِيرُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ، وَالْهَاءُ فِيهَا لِلْوَحْدَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ ، وَكَذَا فِي بَاقِي مَا ذُكِرَ . وَحَكَى ابْنُ التِّينِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَتَعَجَّبُ مِمَّنْ يَخُصُّ الْبَدَنَةَ بِالْأُنْثَى ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ فِي شَرْحِ أَلْفَاظِ الْمُخْتَصَرِ : الْبَدَنَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنَ الْإِبِلِ ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَأَمَّا الْهَدْيُ فَمِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ، هَذَا لَفْظُهُ . وَحَكَى النَّوَوِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : الْبَدَنَةُ تَكُونُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ، وَكَأَنَّهُ خَطَأٌ نَشَأَ عَنْ سَقْطٍ . وَفِي الصِّحَاحِ : الْبَدَنَةُ نَاقَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ تُنْحَرُ بِمَكَّةَ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمِّنُونَهَا . انْتَهَى . وَالْمُرَادُ بِالْبَدَنَةِ هُنَا النَّاقَةُ بِلَا خِلَافٍ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْبَدَنَةَ تَخْتَصُّ بِالْإِبِلِ لِأَنَّهَا قُوبِلَتْ بِالْبَقَرَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، وَقَسْمُ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ قَسِيمَهُ ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ . وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : الْبَدَنَةُ مِنَ الْإِبِلِ ، ثُمَّ الشَّرْعُ قَدْ يُقِيمُ مَقَامَهَا الْبَقَرَةَ وَسَبْعًا مِنَ الْغَنَمِ . وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ هَذَا فِيمَا إِذَا قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ بَدَنَةٌ ، وَفِيهِ خِلَافٌ ، الْأَصَحُّ تَعَيُّنُ الْإِبِلِ إِنْ وُجِدَتْ ، وَإِلَّا فَالْبَقَرَةُ أَوْ سَبْعٌ مِنَ الْغَنَمِ . وَقِيلَ : تَتَعَيَّنُ الْإِبِلُ مُطْلَقًا ، وَقِيلَ : يَتَخَيَّرُ مُطْلَقًا . قَوْلُهُ : ( دَجَاجَةً ) بِالْفَتْحِ ، وَيَجُوزُ الْكَسْرُ ، وَحَكَى اللَّيْثُ الضَّمَّ أَيْضًا . وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ أَنَّهَا بِالْفَتْحِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَبِالْكَسْرِ مِنَ النَّاسِ . وَاسْتُشْكِلَ التَّعْبِيرُ فِي الدَّجَاجَةِ وَالْبَيْضَةِ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ : كَالَّذِي يُهْدِي لِأَنَّ الْهَدْيَ لَا يَكُونُ مِنْهُمَا ، وَأَجَابَ الْقَاضِي عِيَاضٌ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّالٍ بِأَنَّهُ لَمَّا عَطَفَهُ عَلَى مَا قَبْلِهِ أَعْطَاهُ حُكْمَهُ فِي اللَّفْظِ فَيَكُونُ مِنَ الِاتِّبَاعِ كَقَوْلِهِ : مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا . وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ بِأَنَّ شَرْطَ الِاتِّبَاعِ أَنْ لَا يُصَرِّحَ بِاللَّفْظِ فِي الثَّانِي فَلَا يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ : مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَمُتَقَلِّدًا رُمْحًا . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيُّ بِقَوْلِهِ : هُوَ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ قَرِينِهِ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : قَوْلُهُ قَرَّبَ بَيْضَةً وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى كَالَّذِي يُهْدِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّقْرِيبِ الْهَدْيُ ، وَيَنْشَأُ مِنْهُ أَنَّ الْهَدْيَ يُطْلَقُ عَلَى مِثْلِ هَذَا حَتَّى لَوِ الْتَزَمَ هَدْيًا هَلْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ أَوْ لَا ؟ انْتَهَى . وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الثَّانِي ، وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ النَّذْرَ هَلْ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ جَائِزِ الشَّرْعِ أَوْ وَاجِبِهِ ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكْفِي أَقَلُّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ ، وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَلُ عَلَى أَقَلِّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ ، وَيُقَوِّي الصَّحِيحَ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْهَدْيِ هُنَا التَّصَدُّقُ ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ التَّقَرُّبِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ ) اسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ التَّبْكِيرَ لَا يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ ، قَالَ : وَيَدْخُلُ لِلْمَسْجِدِ مِنْ أَقْرَبِ أَبْوَابِهِ إِلَى الْمِنْبَرِ ، وَمَا قَالَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِإِمْكَانِ أَنْ يَجْمَعَ الْأَمْرَيْنِ بِأَنْ يُبَكِّرَ وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لَهُ فِي الْجَامِعِ إِلَّا إِذَا حَضَرَ الْوَقْتُ ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ مَكَانٌ مُعَدٌّ . وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ الْآتِيَةِ : طَوَوْا صُحُفَهُمْ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ : فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ ، وَكَأَنَّ ابْتِدَاءَ طَيِّ الصُّحُفِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ خُرُوجِ الْإِمَامِ ، وَانْتِهَاءَهُ بِجُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَهُوَ أَوَّلُ سَمَاعِهِمْ لِلذِّكْرِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا فِي الْخُطْبَةِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَغَيْرِهَا . وَأَوَّلُ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سُمَيٍّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ : عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَكَانِ يَكْتُبَانِ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ، فَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ : عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ جِنْسُ الْبَابِ ، وَيَكُونُ مِنْ مُقَابَلَةِ الْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ أَجَازَ التَّعْبِيرَ عَنْ الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ صِفَةُ الصُّحُفِ الْمَذْكُورَةِ ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِليَةِ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بَعَثَ اللَّهُ مَلَائِكَةً بِصُحُفٍ مِنْ نُورٍ وَأَقْلَامٍ مِنْ نُورٍ ، الْحَدِيثَ ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الْمَذْكُورِينَ غَيْرُ الْحَفَظَةِ ، وَالْمُرَادُ بِطَيِّ الصُّحُفِ : طَيُّ صُحُفِ الْفَضَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ وَإِدْرَاكِ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالْخُشُوعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَكْتُبهُ الْحَافِظَانِ قَطْعًا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ : فَمَنْ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَجِيءُ لِحَقِّ الصَّلَاةِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُمَيٍّ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي آخِرِهِ : ثُمَّ إِذَا اسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ : فَيَقُولُ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ لِبَعْضٍ : مَا حَبَسَ فُلَانًا ؟ فَتَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ ضَالًّا فَاهْدِهِ ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنِهِ ، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَعَافِهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ الْحَضُّ عَلَى الِاغْتِسَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَفَضْلُهُ ، وَفَضْلُ التَّبْكِيرِ إِلَيْهَا ، وَأَنَّ الْفَضْلَ الْمَذْكُورَ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ جَمَعَهُمَا . وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا أُطْلِقَ فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ مِنْ تَرَتُّبِ الْفَضْلِ عَلَى التَّبْكِيرِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْغُسْلِ . وَفِيهِ أَنَّ مَرَاتِبَ النَّاسِ فِي الْفَضْلِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ ، وَأَنَّ الْقَلِيلَ مِنَ الصَّدَقَةِ غَيْرُ مُحْتَقَرٍ فِي الشَّرْعِ ، وَأَنَّ التَّقَرُّبَ بِالْإِبِلِ أَفْضَلُ مِنَ التَّقَرُّبِ بِالْبَقَرِ وَهُوَ بِالِاتِّفَاقِ فِي الْهَدْيِ ، وَاخْتُلِفَ فِي الضَّحَايَا ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا كَذَلِكَ . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : فَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ التَّقَرُّبَيْنِ بِاخْتِلَافِ الْمَقْصُودَيْنِ ، لِأَنَّ أَصْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ التَّذْكِيرُ بِقِصَّةِ الذَّبِيحِ ، وَهُوَ قَدْ فُدِيَ بِالْغَنَمِ ، وَالْمَقْصُودُ بِالْهَدْيِ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَنَاسَبَ الْبُدْنَ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ تَصِحُّ قَبْلَ الزَّوَالِ كَمَا سَيَأْتِي نُقِلَ الْخِلَافُ فِيهِ بَعْدَ أَبْوَابٍ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ تَقْسِيمُ السَّاعَةِ إِلَى خَمْسٍ . ثُمَّ عُقِّبَ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ ، وَخُرُوجُهُ عِنْدَ أَوَّلِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ ، فَيَقْتَضِي أَنَّهُ يَخْرُجُ فِي أَوَّلِ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ وَهِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ . وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرَ الْإِتْيَانِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ ، فَلَعَلَّ السَّاعَةَ الْأُولَى مِنْهُ جُعِلَتْ لِلتَّأَهُّبِ بِالِاغْتِسَالِ وَغَيْرِهِ ، وَيَكُونُ مَبْدَأُ الْمَجِيءِ مِنْ أَوَّلِ الثَّانِيَةِ فَهِيَ أُولَى بِالنِّسْبَةِ لِلْمَجِيءِ ثَانِيَةً بِالنِّسْبَةِ لِلنَّهَارِ ، وَعَلَى هَذَا فَآخِرُ الْخَامِسَةِ أَوَّلُ الزَّوَالِ فَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الصَّيْدَلَانِيُّ شَارِحُ الْمُخْتَصَرِ حَيْثُ قَالَ : إِنَّ أَوَّلَ التَّبْكِيرِ يَكُونُ مِنِ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ ، وَهُوَ أَوَّلُ الضُّحَى ، وَهُوَ أَوَّلُ الْهَاجِرَةِ . وَيُؤَيِّدُهُ الْحَثُّ عَلَى التَّهْجِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ . وَلِغَيْرِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ اخْتَلَفَ فِيهِمَا التَّرْجِيحُ ، فَقِيلَ : أَوَّلُ التَّبْكِيرِ طُلُوعُ الشَّمْسِ ، وَقِيلَ : طُلُوعُ الْفَجْرِ ، وَرَجَّحَهُ جَمْعٌ ، وَفِيهِ نَظَرٌ إِذْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ التَّأَهُّبُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : يُجْزِئُ الْغُسْلُ إِذَا كَانَ بَعْدَ الْفَجْرِ فَأَشْعَرَ بِأَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ لَمْ يَذْكُرْهُ الرَّاوِي ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سُمَيٍّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْهُ زِيَادَةُ مَرْتَبَةٍ بَيْنَ الدَّجَاجَةِ وَالْبَيْضَةِ وَهِيَ الْعُصْفُورُ ، وَتَابَعَهُ صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ فِي التَّرْغِيبِ لَهُ بِلَفْظِ : فَكَمُهْدِي الْبَدَنَةِ إِلَى الْبَقَرَةِ إِلَى الشَّاةِ إِلَى عِلْيَةِ الطَّيْرِ إِلَى الْعُصْفُورِ الْحَدِيثَ ، وَنَحْوُهُ فِي مُرْسَلِ طَاوُسٍ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ أَيْضًا فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ مَعْمَرٍ زِيَادَةُ الْبَطَّةِ بَيْنَ الْكَبْشِ وَالدَّجَاجَةِ ، لَكِنْ خَالَفَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَهُوَ أَثْبَتُ مِنْهُ فِي مَعْمَرٍ فَلَمْ يَذْكُرْهَا ، وَعَلَى هَذَا فَخُرُوجُ الْإِمَامِ يَكُونُ عِنْدَ انْتِهَاءِ السَّادِسَةِ ، وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَاتِ مَا يَتَبَادَرُ الذِّهْنُ إِلَيْهِ مِنَ الْعُرْفِ فِيهَا ، وَفِيهِ نَظَرٌ إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمُرَادَ لَاخْتَلَفَ الْأَمْرُ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي وَالصَّائِفِ ، لِأَنَّ النَّهَارَ يَنْتَهِي فِي الْقِصَرِ إِلَى عَشْرِ سَاعَاتٍ وَفِي الطُّولِ إِلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، وَهَذَا الْإِشْكَالُ لِلْقَفَّالِ ، وَأَجَابَ عَنْهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَاتِ مَا لَا يَخْتَلِفُ عَدَدُهُ بِالطُّولِ وَالْقِصَرِ ، فَالنَّهَارُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً لَكِنْ يَزِيدُ كُلٌّ مِنْهَا وَيَنْقُصُ وَاللَّيْلُ كَذَلِكَ ، وَهَذِهِ تُسَمَّى السَّاعَاتِ الْآفَاقِيَّةَ عِنْدَ أَهْلِ الْمِيقَاتِ وَتِلْكَ التَّعْدِيلِيَّةِ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَرِدْ فِي حَدِيثِ التَّبْكِيرِ فَيُسْتَأْنَسُ بِهِ فِي الْمُرَادِ بِالسَّاعَاتِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالسَّاعَاتِ بَيَانُ مَرَاتِبِ الْمُبَكِّرِينَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى الزَّوَالِ وَأَنَّهَا تَنْقَسِمُ إِلَى خَمْسٍ ، وَتَجَاسَرَ الْغَزَالِيُّ فَقَسَّمَهَا بِرَأْيِهِ فَقَالَ : الْأُولَى مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَالثَّانِيَةُ إِلَى ارْتِفَاعِهَا ، وَالثَّالِثَةُ إِلَى انْبِسَاطِهَا ، وَالرَّابِعَةُ إِلَى أَنْ تَرْمَضَ الْأَقْدَامُ ، وَالْخَامِسَةُ إِلَى الزَّوَالِ . وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ الرَّدَّ إِلَى السَّاعَاتِ الْمَعْرُوفَةِ أَوْلَى وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ هَذَا الْعَدَدِ بِالذِّكْرِ مَعْنًى لِأَنَّ الْمَرَاتِبَ مُتَفَاوِتَةٌ جِدًّا ، وَأَوْلَى الْأَجْوِبَةِ الْأَوَّلُ إِنْ لَمْ تَكُنْ زِيَادَةُ ابْنِ عَجْلَانَ مَحْفُوظَةً ، وَإِلَّا فَهِيَ الْمُعْتَمَدَةُ . وَانْفَصَلَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَنِ الْإِشْكَالِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَاتِ الْخَمْسِ لَحَظَاتٌ لَطِيفَةٌ أَوَّلُهَا زَوَالُ الشَّمْسِ وَآخِرُهَا قُعُودُ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ السَّاعَةَ تُطْلَقُ عَلَى جُزْءٍ مِنَ الزَّمَانِ غَيْرِ مَحْدُودٍ ، تَقُولُ : جِئْتُ سَاعَةَ كَذَا ، وَبِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ رَاحَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ الذَّهَابِ إِلَى الْجُمُعَةِ مِنَ الزَّوَالِ ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الرَّوَاحِ مِنَ الزَّوَالِ إِلَى آخَرِ النَّهَارِ ، وَالْغُدُوُّ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى الزَّوَالِ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : تَمَسَّكَ مَالِكٌ بِحَقِيقَةِ الرَّوَاحِ وَتَجَوَّزَ فِي السَّاعَةِ وَعَكَسَ غَيْرُهُ . انْتَهَى . وَقَدْ أَنْكَرَ الْأَزْهَرِيُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرَّوَاحَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَنَقَلَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ رَاحَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ بِمَعْنَى ذَهَبَ ، قَالَ : وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَنَقَلَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبَيْنِ نَحْوَهُ . قُلْتُ : وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الزَّيْنِ بْنِ الْمُنِيرِ حَيْثُ أَطْلَقَ أَنَّ الرَّوَاحِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُضِيِّ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ بِوَجْهٍ ، وَحَيْثُ قَالَ : إِنَّ اسْتِعْمَالَ الرَّوَاحِ بِمَعْنَى الْغُدُوِّ لَمْ يُسْمَعْ وَلَا ثَبَتَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ . ثُمَّ إِنِّي لَمْ أَرَ التَّعْبِيرَ بِالرَّوَاحِ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ هَذِهِ عَنْ سُمَيٍّ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُمَيٍّ بِلَفْظِ غَدَا وَرَوَاهُ أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : الْمُتَعَجِّلُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً الْحَدِيثَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَفِي حَدِيثِ سَمُرَةَ : ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَثَلَ الْجُمُعَةِ فِي التَّبْكِيرِ كَنَاحِرِ الْبَدَنَةِ الْحَدِيثَ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ غَدَتِ الشَّيَاطِينُ بِرَايَاتِهَا إِلَى الْأَسْوَاقِ ، وَتَغْدُو الْمَلَائِكَةُ فَتَجْلِسُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَتَكْتُبُ الرَّجُلُ مِنْ سَاعَةٍ وَالرَّجُلُ مِنْ سَاعَتَيْنِ ، الْحَدِيثَ ، فَدَلَّ مَجْمُوعُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّوَاحِ الذَّهَابُ ، وَقِيلَ : النُّكْتَةُ فِي التَّعْبِيرِ بِالرَّوَاحِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْفِعْلَ الْمَقْصُودَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الزَّوَالِ ، فَيُسَمَّى الذَّاهِبُ إِلَى الْجُمُعَةِ رَائِحًا وَإِنْ لَمْ يَجِئْ وَقْتُ الرَّوَاحِ ، كَمَا سُمِّيَ الْقَاصِدُ إِلَى مَكَّةَ حَاجًّا . وَقَدِ اشْتَدَّ إِنْكَارُ أَحْمَدَ ، وَابْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ كَرَاهِيَةِ التَّبْكِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَقَالَ أَحْمَدُ : هَذَا خِلَافُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ مَثَلُ الْمُهَجِّرِ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّهْجِيرِ وَهُوَ السَّيْرُ فِي وَقْتِ الْهَاجِرَةِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّهْجِيرِ هُنَا التَّبْكِيرُ ، كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنِ الْخَلِيلِ فِي الْمَوَاقِيتِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ الْهِجِّيرِ بِالْكَسْرِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَهُوَ مُلَازَمَةُ ذِكْرِ الشَّيْءِ ، وَقِيلَ : هُوَ مِنْ هَجَرَ الْمَنْزِلَ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ مَصْدَرَهُ الْهَجْرُ لَا التَّهْجِيرُ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْحَقُّ أَنَّ التَّهْجِيرَ هُنَا مِنَ الْهَاجِرَةِ وَهُوَ السَّيْرُ وَقْتَ الْحَرِّ ، وَهُوَ صَالِحٌ لِمَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَالِكٍ . وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : جُعِلَ الْوَقْتُ الَّذِي يَرْتَفِعُ فِيهِ النَّهَارُ وَيَأْخُذُ الْحَرُّ فِي الِازْدِيَادِ مِنَ الْهَاجِرَةِ تَغْلِيبًا ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَإِنَّ الْحَرَّ يَأْخُذُ فِي الِانْحِطَاطِ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى اسْتِعْمَالِهِمُ التَّهْجِيرَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مَا أَنْشَدَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فِي نَوَادِرِهِ لِبَعْضِ الْعَرَبِ : تَهْجُرُونَ تَهْجِيرَ الْفَجْرِ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ السَّاعَةَ لَوْ لَمْ تَطُلْ للَزِمَ تَسَاوِي الْآتِينَ فِيهَا ، وَالْأَدِلَّةُ تَقْتَضِي رُجْحَانَ السَّابِقِ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قُلْنَا إِنَّهَا لَحْظَةٌ لَطِيفَةٌ . وَالْجَوَابُ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ : إنَّ التَّسَاوِيَ وَقَعَ فِي مُسَمَّى الْبَدَنَةِ وَالتَّفَاوُتَ فِي صِفَاتِهَا ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَجْلَانَ تَكْرِيرَ كُلٍّ مِنَ الْمُتَقَرَّبِ بِهِ مَرَّتَيْنِ حَيْثُ قَالَ كَرَجُلٍ قَدَّمَ بَدَنَةً ، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ بَدَنَةً الْحَدِيثَ وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَأَوَّلُ السَّاعَةِ وَآخِرُهَا سَوَاءٌ لِأَنَّ هَذِهِ التَّسْوِيَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَدَنَةِ كَمَا تَقَرَّرَ . وَاحْتَجَّ مَنْ كَرِهَ التَّبْكِيرَ أَيْضًا بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَخَطِّي الرِّقَابِ فِي الرُّجُوعِ لِمَنْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَخَرَجَ لَهَا ثُمَّ رَجَعَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِأَنَّهُ قَاصِدٌ لِلْوُصُولِ لِحَقِّهِ . وَإِنَّمَا الْحَرَجُ عَلَى مَنْ تَأَخَّرَ عَنِ الْمَجِيءِ ثُمَّ جَاءَ فَتَخَطَّى ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَضْلِ الْجُمُعَةِ · ص 425 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب فضل الجمعة · ص 349 4 - باب فضل الجمعة 881 - ثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ، ثم راح فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر . قوله : من اغتسل يوم الجمعة ، ثم راح يدل على أن الغسل المستحب للجمعة أوله طلوع الفجر ، وآخره الرواح إلى الجمعة ، فإن اغتسل قبل دخول يوم الجمعة لم يأت بسنة الغسل ، كما لو اغتسل بعد صلاة الجمعة . وممن قال : لا يصيب السنة بالغسل للجمعة قبل طلوع الفجر : مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وأكثر العلماء . وروي معناه عن ابن عمر . خرجه حرب الكرماني بإسناد فيه نظر . وأجازه الأوزاعي ، وهذا الحديث حجة عليه ، وكذلك حديث أبي سعيد المتقدم : غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم . وحكي عن أحمد ما يدل على صحته سحرا - أيضا . وروي عن الشعبي ومجاهد ، وهو وجه للشافعية - أيضا - وقول يحيى بن يحيى النيسابوري . وقوله : غسل الجنابة في تأويله قولان : أحدهما : أن المراد به : تعميم بدنه بالغسل ، كما يعمه بغسل الجنابة . ويشهد لذلك : الحديث الآخر الذي فيه : فيغسل رأسه وجسده . فيكون المعنى : اغتساله للجمعة كاغتساله للجنابة ، في المبالغة وتعميم البدن بالماء ، وهذا قول أكثر الفقهاء من الشافعية وغيرهم . والثاني : أن المراد به : غسل الجنابة حقيقة ، وأنه يستحب لمن له زوجة أو أمة أن يطأها يوم الجمعة ، ثم يغتسل ، وهذا هو المنصوص عن أحمد ، وحكاه عن غير واحد من التابعين ، منهم : هلال بن يساف ، وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهما . وروي عن عبد الرحمن بن الأسود ، قال : كان يعجبهم أن يواقعوا النساء يوم الجمعة ؛ لأنهم قد أمروا أن يغتسلوا ، وأن يغسلوا . وقول طائفة من الشافعية ، وحملوا عليه - أيضا - حديث أوس بن أوس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من غسل يوم الجمعة واغتسل - الحديث . وقالوا : المراد : من اغتسل بنفسه وغسل من يطؤه من زوجة أو أمة . فعلى هذا : يستدل بالحديث على أن من عليه غسل الجنابة ، فاغتسل للجنابة يوم الجمعة ، فإنه يجزئه عن غسل الجمعة ، وسواء نوى به الجمعة ، أو لم ينو . أما إن نواهما بالغسل ، فإنه يحصل له رفع حدث الجنابة وسنة غسل الجمعة بغير خلاف بين العلماء ، روي ذلك عن ابن عمر ، وتبعه جمهور العلماء . وللشافعية وجه ضعيف : لا يجزئه عنهما ، وقاله بعض الظاهرية . وحكي عن مالك ، وقيل : إنه لا يصح عنه ، إنما قاله بعض المتأخرين من أصحابه ، وقد ذكر ذلك للإمام أحمد عن مالك فأنكره . وأما إن نوى بغسله الجنابة خاصة ، فإنه يرتفع حدثه من الجنابة . وهل يحصل له سنة الاغتسال للجمعة ؟ على قولين : أشهرهما : لا يحصل له ، وروي عن أبي قتادة الأنصاري صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله صلى الله عليه وسلم : الأعمال بالنيات ، وإنما لامرئ ما نوى ، وهو المشهور عن مالك ، وروي نحوه عن الأوزاعي ، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي وأحمد ، ونص عليه أحمد في رواية الشالنجي . والثاني : يحصل له غسل الجمعة بذلك ، وهو أحد قولي الشافعي ، وقول أشهب المالكي ، وهو نص الشافعي ، وقول أبي حنيفة وإسحاق ، مع كون أبي حنيفة يعتبر النية لنقل الطهارة ، وحكاه ابن عبد البر ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة والثوري والشافعي والليث بن سعد والطبري ، وهو أحد الوجهين لأصحابنا . وأما إن نوى الجنب غسل الجمعة ، ولم ينو غسل الجنابة ، فهل يرتفع حدث الجنابة بذلك ؟ فيه قولان للشافعي ، وروايتان عن أحمد . ومن أصحابنا من رجح : أنه لا يرتفع ، لأن غسل الجنابة ليس سببه الحدث ؛ ولهذا يشرع للطاهر . وعلى هذا : فهل يحصل له به سنة غسل الجمعة مع بقاء غسل الجنابة عليه ؟ فيه وجهان لأصحابنا والشافعية ، أصحهما : أنه يحصل له ذلك . واختلف أصحاب مالك : هل يرتفع حدثه بنية غسل الجمعة ؟ فقال ابن القاسم : لا يجزئه ، وحكاه ابن عبد الحكم عن مالك . وقال أشهب وابن وهب والأكثرون منهم : يجزئه : وهو قول المزني . وقوله : ثم راح يدل على أنه لا تحصل سنة الاغتسال للجمعة إلا قبل صلاة الجمعة ، وأنه لو اغتسل بعد الصلاة في بقية اليوم لم يكن آتيا بفضيلة الغسل المأمور به ، وقد حكى ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك . وأظن بعض الظاهرية يخالف فيه ، ويزعم أن الغسل لليوم لا للصلاة ، ولا يعبأ بقوله في ذلك . ويدل على أنه يحصل المقصود بالغسل ، وإن اغتسل أول نهار الجمعة إذا كان الرواح متعقبا له . فإن لم يتعقبه الرواح ، بل أخر الرواح إلى بعده ، فقال أكثر العلماء : تحصل له - أيضا - سنة الغسل ، وقالوا : ثم تقتضي التراخي ، فيصدق ذلك بأن يؤخر الرواح إلى الزوال . وتأخير الغسل إلى حين الرواح أفضل ، نص عليه أحمد وغيره . وذهب طائفة إلى أنه لا تحصل له فضيلة الغسل إلا بأن يتعقبه الرواح ، وهو قول مالك ، وحكاه الطحاوي ، عن الأوزاعي ، وهو يخالف قوله المشهور عنه : أن الغسل للجمعة يجزئ من الليل ، كما تقدم . ومذهب مالك في ذلك ، أنه لا يجزئ الغسل إلا متصلا بالرواح ، فإن اغتسل وراح ، ثم أحدث أو خرج من المسجد إلى موضع قريب ، لم ينتقض غسله ، وإن تباعد أو تغدى أو نام انتقض غسله وأعاده ، ذكره في تهذيب المدونة . واستدلوا بقوله : إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل . ويجاب عنه : بأن هذا كقوله تعالى : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الآية ، المراد : أنه يتضيق الوجوب على القائم للصلاة ، فكذلك يتضيق وقت الغسل على الآتي إلى الجمعة . فأما إن كان قد فعله قبل ذلك فإنه يجزئه ، ولا إعادة عليه عند قيامه ورواحه ، كمن أدى الدين الواجب عليه قبل تضايق وقت أدائه ، فإنه لا يؤمر بأدائه مرة أخرى بعد ذلك . ولو اغتسل للجمعة ثم انتفض وضوؤه ، فهل يستحب له إعادته ، أم يكفيه الوضوء ؟ فيه قولان : أحدهما : يكفيه الوضوء ، وهو قول عبد الرحمن بن أبزى والحسن ومجاهد ومالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد . والثاني : أنه يعيد غسله ، وهو قول طاوس والزهري وقتادة ويحيى بن أبي كثير . وروى ابن أبي شيبة بإسناده ، عن إبراهيم التيمي ، قال : كانوا يحبون لمن اغتسل يوم الجمعة أن لا يكون بينه وبين الجمعة حدث . قال : وكانوا يقولون : إذا أحدث بعد الغسل عاد إلى حاله التي كان عليها قبل أن يغتسل . وعن أبي يوسف ، أنه بنى هذا الاختلاف على أن الغسل هل هو لليوم أو للصلاة ، فمن قال : إنه لليوم قال : يجزئه غسله ، ومن قال : إنه للصلاة قال : يعيده ؛ لأنه إذا توضأ فإنما شهد الصلاة بوضوء لا بغسل . وخالف الأكثرون في ذلك ، وقالوا : بل شهد الصلاة بغسل ، لأن الحدث الموجب للوضوء ليس منافيا للغسل ، وحصول النظافة به . ولو أحدث حدثا موجبا للغسل ، مثل أن أجنب ، فحكي عن الأوزاعي ، أنه يعيد غسل الجمعة - أيضا - ؛ لأنه قد أتى بما يبطل الغسل . وعن الجمهور خلافه ؛ لأنه إنما أتى بما يوجب غسل الجنابة ، فيكتفى به ، ولا حاجة إلى إعادته لغسل الجمعة . وقوله : ثم راح فكأنما قرب بدنة المراد : راح في الساعة الأولى ؛ بدليل قوله : ومن راح في الساعة الثانية . وقد خرجه مالك في الموطأ ، عن سمي بهذا الإسناد ، وفيه التصريح بذكر الساعة الأولى . وقد اختلف العلماء في المراد بهذه الساعات : هل هي من أول النهار ، أو بعد زوال الشمس ؟ على قولين : أحدهما : أن المراد بها آخر الساعة التي بعد زوال الشمس ؛ لأن حقيقة الرواح إنما تكون بعد الزوال ، والغدو يكون قبله ، كما قال تعالى : غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ واستدلوا - أيضا - بالحديث الآخر : المهجر إلى الجمعة كالذي يهدي بدنة ، فجعل البدنة بالتهجر ، والتهجير إنما هو الإتيان بالهاجرة ، وإنما يكون ذلك بعد الزوال . هذا تأويل مالك وأكثر أصحابه ، ووافقهم طائفة من الشافعية على ذلك . والقول الثاني : أن المراد بالساعات من أول النهار ، وهو قول الأكثرين . ثم اختلفوا : هل أولها من طلوع الفجر ، أو من طلوع الشمس ؟ فقالت طائفة : أولها من طلوع الفجر ، وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد . واستدلوا بقوله : إذا كان يوم الجمعة ، كان على أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس الأول فالأول - الحديث ، كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى . وظاهره : أن ذلك يكون بعد طلوع الفجر . وقالت طائفة : أولها من طلوع الشمس ، وحكي عن الثوري وأبي حنيفة ومحمد بن إبراهيم البوشنجي ، ورجحه الخطابي وغيره ، لأن ما قبله وقت للسعي إلى صلاة الفجر . ورجح هذا القول عبد الملك بن حبيب المالكي . وهؤلاء حملوا الساعات على ساعات النهار المعهودة ، وهو الظاهر المتبادر إلى الفهم . وأما ذكر الرواح ، فعنه جوابان : أحدهما : أنه لما كان آخر الساعات بعد الزوال ، وهو رواح حقيقي ، سميت كلها رواحا ، كما يسمى الخارج للحج والجهاد حاجا وغازيا قبل تلبسه بالحج والغزو ؛ لأن أمره ينتهي إلى ذلك . والثاني : أن الرواح هنا أريد به القصد والذهاب ، مع قطع النظر عن كونه قبل الزوال أو بعده . قال الأزهري وغيره : الرواح والغدو عند العرب يستعملان في السير ، أي وقت كان من ليل أو نهار ، يقال : راح في أول النهار وآخره ، وغدا بمعناه . وأما التهجير ، فيجاب عنه ، بأنه استعمل في هذا المعنى بمعنى التبكير - أيضا - لا بمعنى الخروج في الهاجرة . وقيل : إنه ليس من الهاجرة ، بل من الهجرة ، والمراد بها : هجر الأعمال الدنيوية للسعي إلى الجمعة . وقد دل على استحباب التبكير من أول النهار حديث أوس بن أوس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : من اغتسل يوم الجمعة وغسل ، وبكر وابتكر ، ودنا واستمع ، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه . وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ . وله طرق متعددة ، قد ذكرناها في شرح الترمذي . وفي رواية للنسائي : وغدا وابتكر . وفي بعض رواياته : ومشى ولم يركب . وظاهر الحديث : يدل على تقسيم يوم الجمعة إلى اثنتي عشرة ساعة ، وأن الخطبة والصلاة يقعان في السادسة منها . ومتى خرج الخطيب طوت الملائكة صحفها ، ولم يكتب لأحد فضل التبكير ، وهذا يدل على أنه بعد الزوال لا يكتب لأحد شيء من فضل التبكير إلى الجمعة بالكلية . وظاهر الحديث : يدل على تقسيم نهار الجمعة إلى اثنتي عشرة ساعة مع طول النهار وقصره ، فلا يكون المراد به الساعات المعروفة من تقسيم الليل والنهار إلى أربعة وعشرين ساعة ؛ فإن ذلك يختلف باختلاف طول النهار وقصره . ويدل على هذا : حديث جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة ، لا يوجد مسلم يسأل الله شيئا إلا آتاه إياه ، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر . خرجه أبو داود والنسائي بإسناد كلهم ثقات . وظاهره يدل على أن ساعة الإجابة جزء من هذه الأجزاء الاثني عشر المتساوية في جميع فصول السنة . وزعم بعض الشافعية : أنه ليس المراد بالساعات في التبكير الأربع والعشرون ، بل ترتيب الدرجات ، وفضل السابق على الذي يليه ، لئلا يستوي في الفضيلة رجلان جاءا في طرفي ساعة . ورد ذلك آخرون منهم ، وقالوا : من جاء في أول ساعة من هذه الساعات وآخرها مشتركان في تحصيل أصل البدنة أو البقرة أو الكبش مثلا ، ولكن بدنة الأول أو بقرته أكمل مما للذي جاء في آخرها ، وبدنة المتوسط متوسطة . وهذا هو الأقرب ، وعليه يحمل الحديث الذي خرجه عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا كان يوم الجمعة فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة ، ثم غدا في أول ساعة ، فله من الأجر مثل الجزور ، وأول الساعة وآخرها سواء - وذكر مثل ذلك في الثانية ، والثالثة ، والرابعة ، يقول : أولها وآخرها سواء ، وزاد في آخر الحديث : ثم غفر له إذا استمع وأنصت ما بين الجمعتين ، وزيادة ثلاثة أيام . وفي هذه الرواية : ذكر الغدو إلى الجمعة ، والغدو يكون من أول النهار . وقوله : فكأنما قرب بدنة ، فكأنما قرب بقرة - إلى آخره - يدل على أن أفضل ما يتقرب به من الهدايا البدن ، ثم البقر ، ثم الغنم ، وهو قول الجمهور ، خلافا لمالك ، ويذكر في موضع آخر مستوفى - إن شاء الله تعالى . ويدل - أيضا - على أن الجمعة فيها شبه من الحج ، وقد روي في حديث ضعيف : الجمعة حج المساكين . قال ابن المسيب : شهود الجمعة أحب إلي من حجة نافلة . وخرج البيهقي من حديث سهل بن سعد - مرفوعا - : إن لكم في كل جمعة حجة وعمرة ، فالحجة التهجير للجمعة ، والعمرة انتظار العصر بعد الجمعة . وقال : هو ضعيف . وقد روي : إن المؤمن يصبح يوم الجمعة كالمحرم ، فلا يأخذ من شعره ، ولا من أظفاره حتى يصلي . وقد حكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنهما كرها أن يجعل يوم الجمعة ميقاتا لأخذ الشعر والظفر ، واستدل لهما بهذا الحديث . وقد روي من حديث علي - مرفوعا - : أن ذلك يكون يوم الخميس ، وإسناده لا يصح . واستحب بعض أصحابنا فعله يوم الخميس ؛ لذلك . والحديث الذي ذكر فيه الإحرام ، هو بإسناد مجهول ، عن أبي معشر ، عن نافع ، عن ابن عمر - مرفوعا - : يصبح الرجل محرما يوم الجمعة ، فلا يحل حتى يصلي ، فإذا جلس في مكانه حتى يصلي العصر رجع بحجة وعمرة . وهو منكر ، لا يصح . قال البيهقي : قد روي عن ابن عباس - مرفوعا - في المؤمن يوم الجمعة كهيئة المحرم ، لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى تنقضي الصلاة ، وعن ابن عمر - مرفوعا - : المسلم يوم الجمعة محرم ، فإذا صلى فقد أحل ، فإنما رويا عنهما بإسنادين ضعيفين ، لا يحتج بمثلهما . قال : وفي الرواية الصحيحة عن ابن عمر من فعله دليل على ضعف ما خالفه . وروي من طريق ابن وهب ، بإسناد صحيح ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يقلم أظفاره ويقص شاربه في كل جمعة . قال : وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ - مرسلا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستحب أن يأخذ من شاربه وأظفاره يوم الجمعة . وروى بإسناده ، عن معاوية بن قرة قال : كان لي عمان قد شهدا الشجرة ، يأخذان من شواربهما وأظفارهما كل جمعة . وخرج البزار في مسنده والطبراني من رواية إبراهيم بن قدامة ، عن الأغر ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقلم أظفاره ويقص شاربه يوم الجمعة ، قبل أن يخرج إلى الصلاة . قال البزار : لم يتابع إبراهيم بن قدامة عليه ، وهو إذا انفرد بحديث لم يكن حجة ؛ لأنه ليس بمشهور . قلت : وقد روي عنه ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال ابن أبي عاصم : أحسب هذا - يعني : عبد الله بن عمرو - رجلا من بني جمح ، أدخله يعقوب بن حميد بن كاسب في مسند قريش في الجمحيين . يشير إلى أنه ليس ابن العاص . وكذا ذكر ابن عبد البر ، وزاد أن في صحبته نظرا . وفي الباب - أيضا - من حديث ابن عباس وعائشة وأنس ، أحاديث مرفوعة ، ولا تصح أسانيدها . وقال راشد بن سعد : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون : من اغتسل يوم الجمعة واستاك وقلم أظفاره ، فقد أوجب . خرجه حميد بن زنجويه . وممن استحب ذلك : النخعي . قال مكحول : من قص شاربه وأظفاره يوم جمعة لم يمت من الماء الأصفر . وقال حميد الحميري : من قص أظفاره يوم الجمعة أخرج الله منه الداء ، وأدخل فيه الشفاء . وكان الإمام أحمد يفعله . واستحبه أصحاب الشافعي وغيرهم ؛ فإنه من كمال التنظف والتطهر المشروع في يوم الجمعة ، فيكون مستحبا فيه ، كالطيب والدهن ، والمحرم بخلاف ذلك . ويشهد لذلك : ما خرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من فطرة الإسلام : الغسل يوم الجمعة ، والاستنان ، وأخذ الشارب ، وإعفاء اللحى ؛ فإن المجوس تعفي شواربها وتحفي لحاها ، فخالفوهم ، خذوا شواربكم وأعفوا لحاكم . فقرن أخذ الشارب بغسل يوم الجمعة والاستنان ، وقد صح الأمر بالاستنان في يوم الجمعة - أيضا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب فضل الجمعة · ص 170 باب فضل الجمعة أي هذا باب في بيان فضل الجمعة ، وهذه اللفظة تشمل صلاة الجمعة ويوم الجمعة . 6 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح ، فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر . مطابقته للترجمة من حيث إن الذي يحضر الجمعة الذي هو عبادة بدنية كأنه يأتي أيضا بالعبادة المالية ، فكأنه يجمع بين العبادتين البدنية والمالية ، وهذه الخصوصية للجمعة دون غيرها من الصلوات ، فدل ذلك على فضل الجمعة فناسب ترجمة الباب بفضل الجمعة . ذكر رجاله ، وهم خمسة ، تكرر ذكرهم ، وأبو صالح اسمه ذكوان . ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم في الصلاة أيضا عن قتيبة . وأخرجه أبو داود عن القعنبي . وأخرجه الترمذي عن إسحاق بن موسى ، عن معن بن عيسى . وأخرجه النسائي في الملائكة عن محمد بن سلمة ، والحارث بن مسكين ، كلاهما عن أبي القاسم ، وفيه وفي الصلاة عن قتيبة ، خمستهم عن مالك به ، ورواه النسائي عن محمد بن عجلان عن سمي بلفظ آخر تقعد الملائكة على أبواب المسجد يكتبون الناس على منازلهم ، فالناس فيه كرجل قدم بدنة ، وكرجل قدم بقرة ، وكرجل قدم شاة ، وكرجل قدم دجاجة ، وكرجل قدم عصفورا ، وكرجل قدم بيضة رواه مسلم والنسائي وابن ماجه من رواية سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم ، فإذا خرج الإمام طويت الصحف واستمعوا الخطبة ؛ فالمهجر إلى الصلاة كالمهدي بدنة ثم الذي يليه كالمهدي بقرة ثم الذي يليه كالمهدي كبشا ، حتى ذكر البيضة والدجاجة ورواه النسائي من رواية معمر عن الزهري عن الأعرابي عبد الله عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد فكتبوا من جاء إلى الجمعة ، فإذا خرج الإمام طوت الملائكة الصحف ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المهجر إلى الجمعة كالمهدي - يعني بدنة - ثم كالمهدي بقرة ، ثم كالمهدي شاة ، ثم كالمهدي بطة ، ثم كالمهدي دجاجة ، ثم كالمهدي بيضة . وروى الطبراني في الكبير من حديث واثلة بن الأسقع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تبارك وتعالى يبعث الملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد يكتبون القوم الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس ، فإذا بلغوا السابع كانوا بمنزلة في قرب العصافير ، وفي روايته مجهول . وروى أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد فيكتبون الناس من جاء على منازلهم ، فرجل قدم جزورا ورجل قدم بقرة ورجل قدم دجاجة ورجل قدم بيضة ، قال : فإذا أذن المؤذن وجلس الإمام على المنبر طويت الصحف فدخلوا المسجد يستمعون الذكر ، وإسناده جيد . وفي كتاب الترغيب لأبي الفضل الجوزي من حديث فرات بن السائب عن ميمون بن مهران عن ابن عباس ، مرفوعا : إذا كان يوم الجمعة دفع إلى الملائكة ألوية حمد ، إلى كل مسجد يجمع فيه ، ويحضر جبريل عليه الصلاة والسلام المسجد الحرام ، مع كل ملك كتاب ، وجوههم كالقمر ليلة البدر ، معهم أقلام من فضة وقراطيس من فضة ، يكتبون الناس على منازلهم ؛ فمن جاء قبل الإمام كتب من السابقين ، ومن جاء بعد خروج الإمام كتب شهد الخطبة ، ومن جاء حين تقام الصلاة كتب شهد الجمعة ، وإذا سلم الإمام تصفح الملائكة وجوه القوم فإذا فقدوا منهم رجلا كان فيما خلا من السابقين قالوا : يا رب ، إنا فقدنا فلانا ولسنا ندري ما خلفه اليوم ، فإن كنت قبضته فارحمه ، وإن كان مريضا فاشفه ، وإن كان مسافرا فأحسن صحابته ، ويؤمن من معه من الكتاب . ذكر معناه قوله : من اغتسل يدخل فيه بعمومه كل من يصح منه التقرب ، سواء كان ذكرا أو أنثى حرا أو عبدا . قوله : غسل الجنابة بنصب اللام على أنه صفة لمصدر محذوف ، أي : غسلا كغسل الجنابة ، ويشهد بذلك رواية ابن جريج عن سمي عن عبد الرزاق فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة ، ووقع في رواية ابن ماهان من اغتسل غسل الجمعة . واختلفوا في معنى غسل الجنابة ، فقال قوم : إنه حقيقة حتى يستحب أن يواقع زوجته ليكون أغض لبصره وأسكن لنفسه . قالوا : ويشهد لذلك حديث أوس الثقفي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من غسل يوم الجمعة واغتسل ، ثم بكر وابتكر ، ومشى ولم يركب ، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر ؛ صيامها وقيامها ، رواه أبو داود وغيره ، وقال الترمذي : حديث أوس حديث حسن . وقال : معنى قوله : غسل وطئ امرأته قبل الخروج إلى الصلاة ، يقال : غسل الرجل امرأته وغسلها - مشددا ومخففا - إذا جامعها ، وفحل غسلة إذا كان كثير الضراب . والأكثرون على أن التشبيه في قوله : غسل الجنابة للكيفية لا للحكم . قوله : ثم راح أي : ذهب أول النهار ، ويشهد لهذا ما رواه أصحاب الموطأ عن مالك في الساعة الأولى . قوله : ومن راح في الساعة الثانية قال مالك : المراد بالساعات هنا لحظات لطيفة بعد زوال الشمس . وبه قال القاضي حسين ، وإمام الحرمين ، والرواح عندهم بعد زوال الشمس ، وادعوا أن هذا معناه في اللغة ، وقال جماهير العلماء باستحباب التبكير إليها أول النهار ، وبه قال الشافعي وابن حبيب المالكي ، والساعات عندهم من أول النهار ، والرواح يكون أول النهار وآخره . وقال الأزهري : لغة العرب أن الرواح الذهاب سواء كان أول النهار أو آخره أو في الليل ، وهذا هو الصواب الذي يقتضيه الحديث والمعنى ، لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخبر أن الملائكة تكتب من جاء في الساعة الأولى وهو كالمهدي بدنة ، ثم من جاء في الساعة الثانية ، ثم في الثالثة ثم في الرابعة ثم في الخامسة ، وفي رواية النسائي : السادسة ، فإذا خرج إمام طووا الصحف ولم يكتبوا بعد ذلك ، ومعلوم أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يخرج إلى الجمعة متصلا بالزوال وهو بعد انقضاء الساعة السادسة ، فدل على أنه لا شيء من الفضيلة لمن جاء بعد الزوال ، ولأن ذكر الساعات إنما كان للحث على التبكير إليها والترغيب في فضيلة السبق وتحصيل الصف الأول وانتظارها والاشتغال بالتنفل والذكر ونحو ذلك ، وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال ولا فضيلة لمن أتى بعد الزوال لأن النداء يكون حينئذ ويحرم التخلف بعد النداء . قلت : الحاصل أن الجمهور حملوا الساعات المذكورة في الحديث على الساعات الزمانية ، كما في سائر الأيام ، وقد روى النسائي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال : يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة ، وأما أهل علم الميقات فيجعلون ساعات النهار ابتداءها من طلوع الشمس ، ويجعلون الحصة التي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من حساب الليل ، واستواء الليل والنهار عندهم إذا تساوى ما بين المغرب وطلوع الشمس ، وما بين طلوع الشمس وغروبها ، فإن أريد الساعات على اصطلاحهم فيكون ابتداء الوقت المرغب فيه لذهاب الجمعة من طلوع الشمس ، وهو أحد الوجهين للشافعية ، وقال الماوردي : إنه الأصح ، ليكون قبل ذلك من طلوع الفجر زمان غسل وتأهب . وقال الروياني : إن ظاهر كلام الشافعي أن التبكير يكون من طلوع الفجر . وصححه الروياني وكذلك صاحب المهذب قبله ، ثم الرافعي والنووي . ولهم وجه ثالث أن التبكير من الزوال ، كقول مالك ، حكاه البغوي والروياني . وفيه وجه رابع حكاه الصيدلاني ، أنه من ارتفاع النهار ، وهو وقت الهجير ، وقال الرافعي : ليس المراد من الساعات على اختلاف الوجوه الأربع والعشرين التي قسم اليوم والليلة عليها ، وإنما المراد ترتيب الدرجات وفضل السابق على الذي يليه . قوله : قرب بدنة أي : تصدق ببدنة متقربا إلى الله تعالى ، وقيل : المراد أن للمبادر في أول ساعة نظير ما لصاحب البدنة من الثواب ممن شرع له القربان ، لأن القربان لم يشرع لهذه الأمة على الكيفية التي كانت للأمم الماضية . وقيل : ليس المراد بالحديث إلا بيان تفاوت المبادرين إلى الجمعة ، وأن نسبة الثاني من الأول نسبة البقرة إلى البدنة في القيمة مثلا ، ويدل عليه أن في مرسل طاوس رواه عبد الرزاق كفضل صاحب الجزور على صاحب البقرة والبدنة تطلق على الإبل والبقر ، وخصصها مالك بالإبل ، ولكن المراد هاهنا من البدنة الإبل بالاتفاق ، لأنها قوبلت بالبقرة ، وتقع على الذكر والأنثى . وقال بعضهم : المراد بالبدنة هنا الناقة بلا خلاف . قلت : فيه نظر ، فكأن لفظ الهاء فيه غره وحسب أنه للتأنيث وليس كذلك ، فإنه للوحدة كقمحة وشعيرة ونحوهما من أفراد الجنس ، سميت بذلك لعظم بدنها . وقال الجوهري : البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة ، سميت بذلك لأنهم كانوا يسمونها . وحكى النووي عن الأزهري أنه قال : البدنة تكون من الإبل والبقر والغنم . قلت : هذا غلط ، الظاهر أنه من النساخ ، لأن المنقول الصحيح عن الأزهري أنه قال : البدنة لا تكون إلا من الإبل ، وأما الهدي فمن الإبل والبقر والغنم . قوله : بقرة التاء فيها للوحدة ، قال الجوهري : البقر اسم جنس والبقرة تقع على الذكر والأنثى ، وإنما دخله الهاء على أنه واحد من جنس ، والبقرات جمع بقرة ، والباقر جماعة البقر مع رعاتها ، والبيقور البقر ، وأهل اليمن يسمون البقرة باقورة وهو مشتق من البقر ، وهو الشق ، فإنها تبقر الأرض أي تشقها بالحراثة . قوله : كبشا أقرن الكبش هو الفحل ، وإنما وصف بالأقرن لأنه أكمل وأحسن صورة ، ولأن القرن ينتفع به ، وفيه فضيلة على الأجم . قوله : دجاجة بكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان ، وحكي الضم أيضا ، وعن محمد بن حبيب أنها بالفتح من الحيوان وبالكسر من الناس ، والدجاجة تقع على الذكر والأنثى ، وسميت بذلك لإقبالها وإدبارها ، وجمعها : دجاج ودجائج ودجاجات ، ذكره ابن سيده ، وفي المنتهى لأبي المعالي فتح الدال في الدجاج أفصح من كسره ، ودخلت الهاء في الدجاجة لأنه واحد من جنس ، مثل حمامة وبطة ونحوهما ، وكما جاءت الدال مثلثة في المفرد فكذلك يقال في الجمع : الدجاج والدجاج والدجاج . قوله : بيضة البيضة واحدة من البيض ، والجمع : بيوض ، وجاء في الشعر : بيضات . قوله : حضرت الملائكة بفتح الضاد وكسرها ، والفتح أعلى . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه استحباب الغسل يوم الجمعة . وفيه فضيلة التبكير ، وقد ذكرنا حده عن قريب . وفيه أن مراتب الناس في الفضيلة على حسب أعمالهم . وفيه أن القربان والصدقة تقع على القليل والكثير ، وقد جاء في النسائي بعد الكبش بطة ثم دجاجة ثم بيضة وفي أخرى دجاجة ثم عصفور ثم بيضة وإسنادهما صحيح . وفيه إطلاق القربان على الدجاجة والبيضة ، لأن المراد من التقرب التصدق ، ويجوز التصدق بالدجاجة والبيضة ونحوهما . وفيه أن التضحية من الإبل أفضل من البقر لأنه صلى الله عليه وسلم قدمها أولا وتلاها بالبقرة ، وأجمعوا عليه في الهدايا واختلفوا في الأضحية ، فمذهب أبي حنيفة والشافعي والجمهور أن الإبل أفضل ثم البقر ثم الغنم كالهدايا ، ومذهب مالك أن الغنم أفضل ثم البقر ثم الإبل ، قالوا : لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين ، وهو فداء إسماعيل عليه الصلاة والسلام . وحجة الجمهور حديث الباب مع القياس على الهدايا وفعله صلى الله عليه وسلم لا يدل على الأفضلية ، بل على الجواز ، ولعله لم يجد غيره ، كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ضحى عن نسائه بالبقرة ، ( فإن قلت ) : روى أبو داود وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت بإسناد صحيح أنه قال : خير الأضحية الكبش الأقرن . ( قلت ) : مراده خير الأضحية من الغنم الكبش الأقرن . وقال إمام الحرمين : البدنة من الإبل ، ثم الشرع قد يقيم مقامها بقرة وسبعا من الغنم ، وتظهر ثمرة هذا فيما إذا قال : لله علي بدنة ، وفيه خلاف ، الأصح تعين الإبل إن وجدت وإلا فالبقر أو سبع من الغنم . وقيل : تتعين الإبل مطلقا . وقيل : يتخير مطلقا . وفيه الملائكة المذكورون غير الحفظة ، ووظيفتهم كتابة حاضريها ، قاله الماوردي والنووي . وقال ابن بزيزة : لا أدري هم أم غيرهم . قلت : هؤلاء الملائكة يكتبون منازل الجائين إلى الجمعة مختصون بذلك كما روى أحمد في مسنده عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : تقعد الملائكة على أبواب المساجد فيكتبون الأول والثاني والثالث الحديث ، والحفظة لا يفارقون من وكلوا عليهم ، وروى أبو داود من حديث عطاء الخراساني ، قال : سمعت عليا رضي الله تعالى عنه على منبر الكوفة يقول : إذا كان يوم الجمعة غدت الشياطين براياتها إلى الأسواق ، فيرمون الناس بالترابيث أو الربائث ، ويثبطونهم عن الجمعة ، وتغدو الملائكة فتجلس على أبواب المسجد فيكتبون الرجل من ساعة والرجل من ساعتين ، حتى يخرج الإمام ، فإذا جلس الرجل مجلسا يتمكن فيه من الاستماع والنظر فأنصت ولم يلغ كان كفلان من الأجر ، فإن نأى حيث لا يستمع فأنصت ولم يلغ كان له كفل من الأجر ، وإن جلس مجلسا يتمكن فيه من الاستماع والنظر فلغا ولم ينصت كان له كفل من وزر ، ومن قال يوم الجمعة لصاحبه مه فقد لغى ، فليس له في جمعته تلك شيء ، ثم يقول في آخر ذلك : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك . قال أبو داود : رواه الوليد بن مسلم عن ابن جابر ، قال بالربائث . وقال مولى امرأته أم عثمان بن عطاء ، ورواه أحمد من رواية الحجاج بن أرطاة عن عطاء الخراساني بلفظ : وتقعد الملائكة على أبواب المسجد يكتبون الناس على قدر منازلهم ؛ السابق والمصلي والذي يليه ، حتى يخرج الإمام . والربائث بفتح الراء والباء الموحدة وآخره ثاء مثلثة جمع ربيثة ، وهو ما يحبس الإنسان ويشغله ، وأما الترابيث فقال صاحب النهاية : يجوز أن يكون جمع تربيثة وهي المرة الواحدة من التربيث . وقال الخطابي : وهذه الرواية ليست بشيء ، وفيه حضور الملائكة إذا خرج الإمام ليسمعوا الخطبة ، لأن المراد من قوله : يستمعون الذكر هو الخطبة ، ( فإن قلت ) : في الرواية الأخرى من الصحيح : فإذا جلس الإمام طووا الصحف ، فما الفرق بين الروايتين ؟ ( قلت ) : بخروج الإمام يحضرون من غير طي ، فإذا جلس الإمام على المنبر طووها ، ويقال : ابتداء طيهم الصحف عند ابتداء خروج الإمام وانتهاؤه بجلوسه على المنبر ، وهو أول سماعهم للذكر والمراد به ما في الخطبة من المواعظ ونحوها .