8 - باب السِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَنُّ 887 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي ، أَوْ عَلَى النَّاسِ ، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ . 888 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ . 889 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، وَحُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ السِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثًا مُعَلَّقًا وَثَلَاثَةً مَوْصُولَةً ، وَالْمُعَلَّقُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ فِي بَابِ الطِّيبِ لِلْجُمُعَةِ فَإِنَّ فِيهِ : وَأَنْ يَسْتَنَّ أَيْ : يُدَلِّكُ أَسْنَانَهُ بِالسِّوَاكِ . وَأَمَّا الْمَوْصُولَةُ فَأَوَّلُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ انْدِرَاجِ الْجُمُعَةِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ : كُلِّ صَلَاةٍ وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : لَمَّا خُصَّتِ الْجُمُعَةِ بِطَلَبِ تَحْسِينِ الظَّاهِرِ مِنَ الْغُسْلِ وَالتَّنْظِيفِ وَالتَّطَيُّبِ نَاسَبَ ذَلِكَ تَطْيِيبُ الْفَمِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الذِّكْرِ وَالْمُنَاجَاةِ ، وَإِزَالَةُ مَا يَضُرُّ الْمَلَائِكَةَ وَبَنِي آدَمَ . ثَانِي الْمَوْصُولَةِ حَدِيثُ أَنَسٍ : أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : مُنَاسَبَتُهُ لِلَّذِي قَبْلَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ سَبَبَ مَنْعِهِ مِنْ إِيجَابِ السِّوَاكِ وَاحْتِيَاجِهِ إِلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ إِكْثَارِهِ عَلَيْهِمْ فِيهِ وُجُودُ الْمَشَقَّةِ ، وَلَا مَشَقَّةَ فِي فِعْلِ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ . ثَالِثُ الْمَوْصُولَةِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ . وَوَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ أَنَّهُ شُرِعَ فِي اللَّيْلِ لِتَجَمُّلِ الْبَاطِنِ فَيَكُونُ فِي الْجُمُعَةِ أَحْرَى ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لَهَا التَّجَمُّلُ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ حُذَيْفَةَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْوُضُوءِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ إِسْنَادٌ آخَرُ بِلَفْظٍ آخَرَ سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( أَوْ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى النَّاسِ ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ مِنْ طَرِيقِ الْمُوَطَّأِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ : أَوْ عَلَى النَّاسِ لَمْ يُعِدْ قَوْلَهُ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ وَكَذَا رَوَاهُ كَثِيرٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَرَوَاهُ أَكْثَرُهُمْ بِلَفْظِ : الْمُؤْمِنِينَ بَدَلُ أُمَّتِي وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثَيُّ بِلَفْظِ : عَلَى أُمَّتِي دُونَ الشَّكِّ . قَوْلُهُ : ( لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ ) أَيْ : بِاسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ ، لِأَنَّ السِّوَاكَ هُوَ الْآلَةُ ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ أَيْضًا ، فَعَلَى هَذَا لَا تَقْدِيرَ ، وَالسِّوَاكُ مُذَكَّرٌ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَحَكَى فِي الْحِكَمِ تَأْنِيثَهُ ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْأَزْهَرِيُّ . قَوْلُهُ : ( مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ ) لَمْ أَرَهَا أَيْضًا فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَاتِ الْمُوَطَّأِ إِلَّا عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى لَكِنْ بِلَفْظِ : عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَكَذَا النَّسَائِيُّ ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، وَخَالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ ، عَنِ الْأَعْرَجِ فَقَالَ : مَعَ الْوُضُوءِ بَدَلَ الصَّلَاةِ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ ، قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ : لَوْلَا كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ لَوْ الدَّالَّةِ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ غَيْرِهِ وَ لَا النَّافِيَةِ ، فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى انْتِفَاءِ الْأَمْرِ لِثُبُوتِ الْمَشَقَّةِ لِأَنَّ انْتِفَاءَ النَّفْيِ ثُبُوتٌ ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ مَنْفِيًّا لِثُبُوتِ الْمَشَقَّةِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ نَفْيُ الْأَمْرِ مَعَ ثُبُوتِ النَّدْبِيَّةِ ، وَلَوْ كَانَ لِلنَّدْبِ لَمَا جَازَ النَّفْيُ ، ثَانِيهُمَا أَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ مَشَقَّةً عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ ، إِذِ النَّدْبُ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ جَائِزُ التَّرْكِ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي اللُّمَعِ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِدْعَاءَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ لَيْسَ بِأَمْرٍ حَقِيقَةٍ لِأَنَّ السِّوَاكَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ الشَّارِعُ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ اهـ . وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ : لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمْ بَدَلَ لَأَمَرْتَهُمْ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ شَقَّ عَلَيْهِمْ بِهِ أَوْ لَمْ يَشُقَّ اهـ . وَإِلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ صَارَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، بَلِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ ، لَكِنْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَتَبِعَهُ الْمَاوَرْدِيُّ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ قَالَ : هُوَ وَاجِبٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، فَمَنْ تَرَكَهُ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ . وَعَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ : وَهُوَ وَاجِبٌ لَكِنْ لَيْسَ شَرْطًا . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ بِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ ، فَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا : تَسَوَّكُوا وَلِأَحْمَدَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ ، وَفِي الْمُوَطَّأِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ : عَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَالْمَنْفِيُّ فِي مَفْهُومِ حَدِيثِ الْبَابِ الْأَمْرُ بِهِ مُقَيَّدًا بِكُلِّ صَلَاةٍ لَا مُطْلَقُ الْأَمْرِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمُقَيَّدِ نَفْيُ الْمُطْلَقِ وَلَا مِنْ ثُبُوتِ الْمُطْلَقِ التَّكْرَارُ كَمَا سَيَأْتِي . وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : كُلِّ صَلَاةٍ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ لِلْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةَ وَمَا ضَاهَاهَا مِنَ النَّوَافِلِ الَّتِي لَيْسَتْ تَبَعًا لِغَيْرِهَا كَصَلَاةِ الْعِيدِ ، وَهَذَا اخْتَارَهُ أَبُو شَامَةَ ، وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِلَفْظِ : لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلَّ صَلَاةٍ كَمَا يَتَوَضَّئُونَ ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ بِوُضُوءٍ ، وَمَعَ كُلِّ وُضُوءٍ بِسِوَاكٍ ، فَسَوَّى بَيْنَهُمَا . وَكَمَا أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يُنْدَبُ لِلرَّاتِبَةِ الَّتِي بَعْدَ الْفَرِيضَةِ إِلَّا إِنْ طَالَ الْفَصْلُ مَثَلًا ، فَكَذَلِكَ السِّوَاكُ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْوُضُوءَ أَشَقُّ مِنَ السِّوَاكِ ، وَيَتَأَيَّدُ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَسْتَاكُ ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، لَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَوْرَدَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَبَيَّنَ فِيهِ أَنَّهُ تَخَلَّلَ بَيْنَ الِانْصِرَافِ وَالسِّوَاكِ نَوْمٌ ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي مُسْلِمٍ مُبَيَّنًا أَيْضًا ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى كَوْنَ الْمَشَقَّةِ هِيَ الْمَانِعَةَ مِنَ الْأَمْرِ بِالسِّوَاكِ ، وَلَا مَشَقَّةَ فِي وُجُوبِهِ مَرَّةً ، وَإِنَّمَا الْمَشَقَّةُ فِي وُجُوبِ التَّكْرَارِ . وَفِي هَذَا الْبَحْثِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَمْ يُؤْخَذْ هُنَا مِنْ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ ، وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِكُلِّ صَلَاةٍ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : فِيهِ أَنَّ الْمَنْدُوبَاتِ تَرْتَفِعُ إِذَا خُشِيَ مِنْهَا الْحَرَجُ . وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى أُمَّتِهِ . وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ مِنْهُ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهِ نَصٌّ ، لِكَوْنِهِ جَعَلَ الْمَشَقَّةَ سَبَبًا لِعَدَمِ أَمْرِهِ ، فَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ مُتَوَقِّفًا عَلَى النَّصِّ لَكَانَ سَبَبُ انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ عَدَمَ وُرُودِ النَّصِّ لَا وُجُودَ الْمَشَقَّةِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَفِيهِ بَحْثٌ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ سَبَبَ عَدَمِ وُرُودِ النَّصِّ وُجُودُ الْمَشَقَّةِ ، فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ لَأَمَرْتُهُمْ أَيْ : عَنِ اللَّهِ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ النَّسَائِيُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ : كُلِّ صَلَاةٍ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ . ( فَائِدَةٌ ) : قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : الْحِكْمَةُ فِي اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ كَوْنُهَا حالا تقرب إِلَى اللَّهِ ، فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ حَالَ كَمَالٍ وَنَظَافَةٍ إِظْهَارًا لِشَرَفِ الْعِبَادَةِ ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ الْبَزَّارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْمَلَكِ الَّذِي يَسْتَمِعُ الْقُرْآنَ مِنَ الْمُصَلِّي ، فَلَا يَزَالُ يَدْنُو مِنْهُ حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ ، لَكِنَّهُ لَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَرِجَالُ إِسْنَادِهِ بَصْرِيُّونَ ، وَقَوْلُهُ : أَكْثَرْتُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : لَقَدْ أَكْثَرْتُ إِلَخْ أَيْ : بَالَغْتُ فِي تَكْرِيرِ طَلَبِهِ مِنْكُمْ ، أَوْ فِي إِيرَادِ الأخبار فِي التَّرْغِيبِ فِيهِ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : مَعْنَاهُ : أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ ، وَحَقِيقٌ أَنْ أَفْعَلَ ، وَحَقِيقٌ أَنْ تُطِيعُوا . وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ ، أَيْ : بُلِّغْتُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِطَلَبِهِ مِنْكُمْ . وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِلَى الْآنَ صَرِيحَةً . ( تَنْبِيهٌ ) : ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِلَفْظِ : عَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ رَشِيدٍ . وَاللَّفْظُ الْمَذْكُورُ وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ مُرْسَلًا ، وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ وَصَلَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ يَذْكُرُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيهِ ، وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ بَابِ الدُّهْنِ لِلْجُمُعَةِ وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ يَقُولُ ذَلِكَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب السِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ · ص 435 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب السواك يوم الجمعة · ص 373 8 - باب السواك يوم الجمعة وقال أبو سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : يستن . . حديث أبي سعيد قد خرجه فيما سبق في باب : الطيب للجمعة ولفظه الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ، وأن يستن ، وأن يمس طيبا إن وجد قال عمرو : أما الغسل ، فأشهد أنه واجب ، وأما الطيب والاستنان فالله أعلم . وهذا مما استدل به جمهور العلماء على أن المراد بالوجوب هاهنا : تأكد الاستحباب ؛ لأنه قرنه بما ليس بواجب إجماعا ، وهو الطيب والسواك . وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن إسحاق : حدثني محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة وأبي أمامة بن سهل ، عن أبي هريرة وأبي سعيد ، قالا : سمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من اغتسل يوم الجمعة ، واستن ، ومس من طيب - إن كان عنده - ولبس أحسن ثيابه ثم جاء إلى المسجد ، ولم يتخط رقاب الناس ، ثم ركع ما شاء الله أن يركع ، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي ، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي كانت قبلها . يقول أبو هريرة : وثلاثة أيام زيادة ؛ لأن الله قد جعل الحسنة بعشر أمثالها . وفي إسناده اختلاف . وروى مالك في الموطأ ، عن ابن شهاب ، عن عبيد بن السباق ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - في جمعة من الجمع - : يا معشر المسلمين ، اغتسلوا ، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه ، وعليكم بالسواك . وقد روي عن الزهري ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . والمرسل : هو الصحيح . ورواه صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن عبيد بن السباق ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . خرجه ابن ماجه . ولا يصح - أيضا - والصحيح : رواية مالك . ويدل عليه : إنكار ابن عباس للطيب ، كما سبق عنه . وخرج الإمام أحمد من رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن رجل من الأنصار من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : حق على كل مسلم أن يغتسل يوم الجمعة ، ويتسوك ، ويمس من طيب إن كان لأهله . وخرجه بهذا الإسناد موقوفا - أيضا . وروي - أيضا - عن ثوبان ، عن أبي سعيد الخدري - مرفوعا . وروي عن ابن ثوبان ، عن رجل ، عن أبي سعيد الخدري - مرفوعا وموقوفا . وعن أبي زرعة وأبي حاتم : أن الموقوف أصح . خرج البخاري في هذا الباب أحاديث ثلاثة ، في السواك للصلاة ، ولكن لا اختصاص لها بالجمعة .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب السواك يوم الجمعة · ص 375 الحديث الأول : 887 - ثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لولا أن أشق على أمتي - أو على الناس - لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة . فيه : دليل على أن الحرج والمشقة مرفوعان عن هذه الأمة ، كما قال تعالى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وقد سبق ذكر ذلك في تأخير عشاء الآخرة ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب تأخيرها ، ولولا المشقة على أمته لجعل وقتها ثلث الليل أو نصفه . وفيه : دليل على أن السواك ليس بفرض كالوضوء للصلاة ، وبذلك قال جمهور العلماء ، خلافا لمن شذ منهم من الظاهرية . وقد حكي عن إسحاق ، أنه لو تركه عمدا أعاد الصلاة . وقيل : إنه لا يصح عنه . وهذا الحديث : نص على أنه غير واجب على الأمة ؛ فإن المراد : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك أمر فرض وإيجاب ، لا أمر ندب واستحباب ؛ فإنه قد ندب إليه واستحبه ، ولكن لم يفرضه ، ولم يوجبه . وقد صرح بذلك في حديث آخر : خرجه الإمام أحمد من حديث تمام بن العباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك ، كما فرضت عليهم الوضوء . وخرج ابن أبي شيبة نحوه من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . ويروى نحوه من حديث أبي هريرة ، وأبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وفي الحديث : دليل على استحباب السواك مع كل صلاة ، فدخل في ذلك صلاة الجمعة وغيرها . والسواك مع الصلاة نوعان : أحدهما : السواك مع الوضوء للصلاة ، وقد سبق ذكره في الطهارة . والثاني : السواك للصلاة عند القيام إليها . وقد خرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث زيد بن خالد الجهني ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب ، لا يقوم إلى صلاة إلا استن ، ثم رده إلى موضعه . وقال الترمذي : حسن صحيح . وهذا مذهب الشافعي وأصحابنا . وروى أبو يحيى الحماني ، عن أبي سعد ، عن مكحول ، عن واثلة بن الأسقع ، قال : كان أناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يربطون مساويكهم بذوائب سيوفهم ، فإذا حضرت الصلاة استاكوا ، ثم صلوا . خرجه البيهقي في صلاة الخوف من سننه . وقال : أبو سعد البقال ، غير قوي . وقد أنكر طائفة من العلماء السواك عند إرادة الصلاة المفروضة في المسجد ، وقالوا : ليس فيه نص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل للتهجد في بيته . وحكي عن مالك ، أنه يكره السواك في المساجد ، والذي رأيناه في تهذيب المدونة : أنه يكره أن يأخذ المعتكف من شعره أو أظفاره في المسجد ، وإن جمعه وألقاه ؛ لحرمة المساجد . وقد روي عن عثمان بن عفان ، أنه كان يخطب يوم الجمعة ، فذكر أنه لم يستك ، فنزل فاستاك . وهذا يدل على أنه إنما نزل ليستاك خارج المسجد ، وأنه رأى السواك في الجمعة عند الوضوء لا عند الصلاة . وخرج الحاكم في أماليه من رواية أبي أيوب الأفريقي ، عن صالح بن أبي صالح ، أظنه عن أبيه ، عن زيد بن خالد الجهني ، قال : ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج من بيته لشيء من الصلوات حتى يستاك . وهذا غريب . ويستدل به : على أنه إنما كان يستاك في بيته قبل خروجه إلى المسجد .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب السواك يوم الجمعة · ص 180 ( باب السواك يوم الجمعة ) أي هذا باب في بيان استعمال السواك يوم الجمعة ، والسواك اسم لما يدلك به الأسنان من العيدان ، يقال : ساك فاه يسوكه إذا دلكه بالسواك ، فإذا لم يذكر الفم يقال استاك ، وقال الجوهري : السواك المسواك . ( وقال أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم يستن ) . أبو سعيد ، هو الخدري ، واسمه : سعد بن مالك ، وهذا تعليق وهو طرف من حديث أبي سعيد ذكره في باب الطيب للجمعة ، وفي الحديث ذكر الجمعة وبه يقع التطابق بين هذا المعلق والترجمة ، قوله : يستن ، من الاستنان وهو الاستياك . 12 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لولا أشق على أمتي - أو على الناس - لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة . مطابقته للترجمة من حيث إن السواك عند كل صلاة ، وصلاة الجمعة من كل صلاة . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز . وهذا الحديث رواه عن أبي هريرة جعفر بن ربيعة بلفظ " على أمتي لأمرتهم بالسواك " وعند النسائي من رواية قتيبة عن مالك " مع كل صلاة " . وزعم أبو عمر أن رواية عبد الله بن يوسف عن مالك " لولا أن أشق على المؤمنين - أو على الناس - لأمرتهم بالسواك " وكذا قاله القعنبي وأيوب بن صالح ومعن وزاد " عند كل صلاة " ، وكذلك قال قتيبة فيه " عند كل صلاة " ولم يقل : " أو على الناس " وذكر أبو العباس أحمد بن طاهر في آخر كتابه أطراف الموطأ أن أبا هريرة قال : " لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء " ، وأنه موقوف عند يحيى بن يحيى وطائفة ، ورفعه روح وسعيد بن عفير ومطرف وجماعة عن مالك ، قال : ورواية معن ومطرف وجويرية " مع كل صلاة " . وأما الدارقطني فذكر في الموطأ أن ابن يوسف ومحمد بن يحيى قالا : " لولا أن أشق على أمتي أو على الناس " . وقال معن : " على المؤمنين أو على الناس لأمرتهم بالسواك " وزاد معن " عند كل صلاة " انتهى . وكأن قول الدارقطني هو الصواب كما ذكر البخاري وغيره ، وادعى ابن التين أنه ليس في هذا الحديث في الموطأ " مع كل صلاة " ولا قوله " أو على الناس " ، وقد ظهر لك خلافه . وقال صاحب التوضيح : وفي الباب عن سبعة عشر صحابيا ذكرهم الترمذي ، ( فإن قلت ) : كيف التوفيق بين رواية " عند كل وضوء " ورواية " عند كل صلاة " ؟ ( قلت ) : السواك الواقع عند الوضوء واقع للصلاة ، لأن الوضوء شرع لها . ذكر معناه قوله : " لولا " كلمة لربط امتناع الثانية لوجود الأولى ، نحو : لولا زيد لأكرمتك ، أي : لولا زيد موجود ، والمعنى هاهنا : لولا مخافة أن أشق لأمرتهم أمر إيجاب ، وإلا لانعكس معناها ، إذ الممتنع المشقة والموجود الأمر ، وقال القاضي البيضاوي : " لولا " كلمة تدل على انتفاء الشيء لثبوت غيره ، والحق أنها مركبة من ( لو ) الدالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره و ( لا ) النافية ، فدل الحديث على انتفاء الأمر لثبوت المشقة لأن انتفاء النفي ثبوت فيكون الأمر منفيا لثبوت المشقة . قوله : " أن أشق " كلمة أن مصدرية ، وهي في محل الرفع على الابتداء وخبره محذوف واجب الحذف ، والتقدير : لولا المشقة موجودة لأمرتهم . قوله : " أو على الناس " شك من الراوي . قوله : " بالسواك " أي : باستعمال السواك ، لأن السواك آلة . ذكر الأحكام المتعلقة به ، وهو على وجوه ؛ الأول : أن استعمال السواك هل هو واجب أم سنة ؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى عدم وجوبه ، بل ادعى بعضهم فيه الإجماع ، وحكى الشيخ أبو حامد والماوردي عن إسحاق بن راهويه أنه قال : هو واجب لكل صلاة ، فمن تركه عامدا بطلت صلاته . وعن داود أنه واجب ولكنه ليس بشرط . واحتج من قال بوجوبه بورود الأمر به ، فعند ابن ماجه في حديث أبي أمامة مرفوعا " تسوكوا " ، ولأحمد نحوه من حديث العباس ، وقالوا : في حديث أبي هريرة المذكور دليل على أن الأمر للوجوب من وجهين ، أحدهما : أنه نفي الأمر مع ثبوت الندبية ، ولو كان للندب لما جاز النفي ، والآخر : أنه جعل الأمر مشقة عليهم ، وذلك إنما يتحقق إذا كان الأمر للوجوب ، إذ الندب لا مشقة فيه لأنه جائز الترك . قلت : الجواب أن شيئا من الأحاديث المذكورة لم يثبت ، وثبوت الندبية بدليل آخر ، والحديث نفى الفرضية بما ذكرنا ، والسنية أو الندبية بدلائل أخرى . وقال الشافعي : فيه دليل على أن السواك ليس بواجب ، لأنه لو كان واجبا لأمرهم به ، شق عليهم أو لم يشق . والعجب من صاحب الهداية يقول : السواك سنة ، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يواظب عليه ، ولم يذكر شيئا من الأحاديث الدالة على المواظبة ، وقد علم أن مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على فعل شيء يدل على أن ذلك واجب ، وأعجب منه ما قاله الشراح للهداية أن المواظبة مع الترك دليل السنية ، وقد دل على تركه حديث الأعرابي ، فإنه لم ينقل فيه تعليم السواك ، فلو كان واجبا لعلمه . قلت : فيه نظر من وجهين ؛ الأول : أنهم لم يأتوا بحديث فيه تصريح بأنه صلى الله عليه وسلم تركه في الجملة . والثاني : أن حديث الأعرابي لا يتم به استدلالهم ، لأن العلماء اختلفوا في السواك ، فقال بعضهم : هو من سنة الدين ، وقال بعضهم : هو من سنة الوضوء ، وقال آخرون : من سنة الصلاة ، وقول من قال : إنه من سنة الدين أقوى ، نقل ذلك عن أبي حنيفة ، وفيه أحاديث تدل على ذلك ، منها ما رواه أحمد والترمذي من حديث أبي أيوب رضي الله تعالى عنه " أربع من سنن المرسلين : الختان ، والسواك ، والتعطر ، والنكاح " ، ورواه ابن أبي خيثمة وغيره من حديث فليح بن عبد الله عن أبيه عن جده نحوه ، ورواه الطبراني من حديث ابن عباس . ومنها : ما رواه مسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها " عشر من الفطرة " ، فذكر فيها السواك . ومنها ما رواه البزار من حديث أبي هريرة " الطهارات أربع : قص الشارب ، وحلق العانة ، وتقليم الأظفار ، والسواك " ورواه الطبراني من حديث أبي الدرداء . الوجه الثاني في بيان وقت الاستياك ، فعند أكثر أصحابنا وقته وقت المضمضة ، وذكر صاحب المحيط وغيره أن وقته وقت الوضوء ، إلا أن المنقول عن أبي حنيفة أنه من سنن الدين ، فحينئذ يستوي فيه كل الأحوال ، وذكر في كفاية المنتهى أنه يستاك قبل الوضوء ، وعند الشافعي هو سنة القيام إلى الصلاة وعند الوضوء وعند كل حال يتغير فيها الفم . الوجه الثالث : في كيفية الاستياك ، قال أصحابنا : يستاك عرضا لا طولا عند مضمضة الوضوء ، وأخرج أبو نعيم من حديث عائشة قالت : " كان صلى الله عليه وسلم يستاك عرضا لا طولا " وفي مراسيل أبي داود " إذا استكتم فاستاكوا عرضا " وأخرج الطبراني بإسناده إلى بهز قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك عرضا " وعن إمام الحرمين أنه يمر السواك على طول الأسنان وعرضها فإن اقتصر على أحدهما فالعرض أولى ، وقال غيره من أصحاب الشافعي : يستاك عرضا لا طولا ، ويأخذ السواك باليمنى ، والمستحب فيه ثلاث بثلاث مياه . الوجه الرابع : في أنه لا تقدير في السواك بل يستاك إلى أن يطمئن قلبه بزوال النكهة واصفرار السن . ويقول عند الاستياك : اللهم طهر فمي ونور قلبي وطهر بدني وحرم جسدي على النار وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين . وفي المحيط : العلك للمرأة يقوم مقام السواك ، لأن أسنانها ضعيفة يخاف منها السقوط ، وهو ينقي الأسنان ويشد اللثة كالسواك . الوجه الخامس : فيمن لا يجد السواك يعالج بالأصبع ، لما روى البيهقي في سننه من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يجزئ من السواك الأصابع " وضعفه ، وروى الطبراني في الأوسط من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : " قلت : يا رسول الله ، الرجل يدهن فوه ، أيستاك ؟ قال : نعم . قلت : كيف يصنع ؟ قال : يدخل أصبعه في فيه " . الوجه السادس : فيما يستاك به وما لا يستاك به ، المستحب أن يستاك بعود من أراك ، وروى البخاري في تاريخه وغيره من حديث أبي خيرة الصباحي " كنت في الوفد فزودنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأراك وقال : استاكوا بهذا " ، وروى الطبراني في الأوسط من حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال : " سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول : " نعم السواك الزيتون ، من شجرة مباركة ، يطيب الفم ويذهب بالخفر ، وهو سواكي وسواك الأنبياء قبلي " ، وروى الحارث في مسنده عن ضمرة بن حبيب قال : نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن السواك بعود الريحان ، وقال : إنه يحرك الجذام " . الوجه السابع في الحكمة في الاستياك ، قال ابن دقيق العيد : الحكمة في استحباب الاستياك عند القيام إلى الصلاة كونها حال تقرب إلى الله تعالى ، فاقتضى أن تكون حال كمال ونظافة ، إظهارا لشرف العبادة ، وقد ورد من حديث علي رضي الله تعالى عنه عند البزار ما يدل على أنه لأمر يتعلق بالملك الذي يستمع القرآن من المصلي ، فلا يزال يدنو منه حتى يضع فاه على فيه . وروى أبو نعيم من حديث جابر برواة ثقاة " إذا قام أحدكم من الليل يصلي فليستك ، فإنه إذا قام يصلي أتاه ملك فيضع فاه على فيه ، فلا يخرج شيء من فيه إلا وقع في الملك " . وروى القشيري بلا إسناد عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال : " عليكم بالسواك ، فإن في السواك أربعا وعشرين خصلة أفضلها أن يرضى الرحمن ، وتضاعف صلاته سبعا وسبعين ضعفا ، ويورث السعة والغنى ، ويطيب النكهة ، ويشد اللثة ، ويسكن الصداع ، ويذهب وجع الضرس ، وتصافحه الملائكة لنور وجهه وبرق أسنانه . الوجه الثامن : في فضيلة السواك ، منها ما رواه أحمد وابن حبان من حديث عائشة رضي الله تعالى عنه قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " السواك مطهرة للفم مرضاة للرب " . ومنها ما رواه ابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، ولفظه : " عليكم بالسواك ، فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب " . ومنها ما رواه أحمد وابن خزيمة والحاكم والدارقطني وابن عدي والبيهقي في الشعب وأبو نعيم من حديث عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم " فضل الصلاة التي يستاك لها على الصلاة التي لا يستاك لها سبعون ضعفا " . وقال أبو عمر : فضل السواك مجمع عليه لا اختلاف فيه ، والصلاة عند الجميع به أفضل منها بغيره ، حتى قال الأوزاعي : هو شطر الوضوء ، ويتأكد طلبه عند إرادة الصلاة وعند الوضوء وقراءة القرآن والاستيقاظ من النوم وعند تغير الفم ، ويستحب بين كل ركعتين من صلاة الليل ويوم الجمعة وقبل النوم وبعد الوتر وعند الأكل وفي السحر . الوجه التاسع : في حديث الباب بيان ما كان النبي صلى الله عليه وسلم عليه من الشفقة على أمته ، لأنه لم يأمر بالسواك على سبيل الوجوب مخافة المشقة عليهم . الوجه العاشر : فيه جواز الاجتهاد منه صلى الله عليه وسلم فيما لم ينزل عليه فيه نص ، لكونه جعل المشقة سببا لعدم أمره ، فلو كان الحكم متوقفا على النص لكان سبب انتفاء الوجوب عدم ورود النص لا وجود المشقة ، قيل : فيه نظر ، لأنه يجوز أن يكون إخبارا منه صلى الله عليه وسلم بأن سبب عدم ورود النص وجود المشقة ، فيكون معنى قوله : " لأمرتهم " أي : عن الله بأنه واجب . قلت : هذا احتمال بعيد ، والظاهر أنه ترك الأمر به لخوف المشقة ، والأمر منه صلى الله عليه وسلم أمر من الله في الحقيقة ، لأنه لا ينطق عن الهوى . الحادي عشر : استدل به النسائي على استحباب السواك للصائم بعد الزوال لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : " عند كل صلاة " . الثاني عشر : استدل بهذه اللفظة على استحباب السواك للفرائض والنوافل ، وصلاة العيد ، والاستسقاء ، والكسوف والخسوف ، لاقتضاء العموم ذلك . الثالث عشر : قال المهلب : فيه أن السنن والفضائل ترتفع عن الناس إذا خشي منها الحرج على الناس ، وإنما أكد في السواك لمناجاة الرب وتلقي الملائكة ، فلزم تطهير النكهة وتطييب الفم . الرابع عشر : فيه إباحة السواك في المسجد ، لأن " عند " تقتضي الظرفية حقيقة ، فتقتضي استحبابه في كل صلاة ، وعند بعض المالكية كراهته في المسجد لاستقذاره والمسجد ينزه عنه .