حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب السِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ

887
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّرَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي ، أَوْ عَلَى النَّاسِ ، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ .
888
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ ، حَدَّثَنَاأَنَسٌ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ .
889
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، وَحُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ .

قَوْلُهُ : ( بَابُ السِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثًا مُعَلَّقًا وَثَلَاثَةً مَوْصُولَةً ، وَالْمُعَلَّقُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ فِي بَابِ الطِّيبِ لِلْجُمُعَةِ فَإِنَّ فِيهِ : وَأَنْ يَسْتَنَّ أَيْ : يُدَلِّكُ أَسْنَانَهُ بِالسِّوَاكِ . وَأَمَّا الْمَوْصُولَةُ فَأَوَّلُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ انْدِرَاجِ الْجُمُعَةِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ : كُلِّ صَلَاةٍ وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : لَمَّا خُصَّتِ الْجُمُعَةِ بِطَلَبِ تَحْسِينِ الظَّاهِرِ مِنَ الْغُسْلِ وَالتَّنْظِيفِ وَالتَّطَيُّبِ نَاسَبَ ذَلِكَ تَطْيِيبُ الْفَمِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الذِّكْرِ وَالْمُنَاجَاةِ ، وَإِزَالَةُ مَا يَضُرُّ الْمَلَائِكَةَ وَبَنِي آدَمَ . ثَانِي الْمَوْصُولَةِ حَدِيثُ أَنَسٍ : أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : مُنَاسَبَتُهُ لِلَّذِي قَبْلَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ سَبَبَ مَنْعِهِ مِنْ إِيجَابِ السِّوَاكِ وَاحْتِيَاجِهِ إِلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ إِكْثَارِهِ عَلَيْهِمْ فِيهِ وُجُودُ الْمَشَقَّةِ ، وَلَا مَشَقَّةَ فِي فِعْلِ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ .

ثَالِثُ الْمَوْصُولَةِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ . وَوَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ أَنَّهُ شُرِعَ فِي اللَّيْلِ لِتَجَمُّلِ الْبَاطِنِ فَيَكُونُ فِي الْجُمُعَةِ أَحْرَى ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لَهَا التَّجَمُّلُ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ حُذَيْفَةَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْوُضُوءِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ إِسْنَادٌ آخَرُ بِلَفْظٍ آخَرَ سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( أَوْ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى النَّاسِ ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ مِنْ طَرِيقِ الْمُوَطَّأِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ : أَوْ عَلَى النَّاسِ لَمْ يُعِدْ قَوْلَهُ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ وَكَذَا رَوَاهُ كَثِيرٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَرَوَاهُ أَكْثَرُهُمْ بِلَفْظِ : الْمُؤْمِنِينَ بَدَلُ أُمَّتِي وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثَيُّ بِلَفْظِ : عَلَى أُمَّتِي دُونَ الشَّكِّ .

قَوْلُهُ : ( لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ ) أَيْ : بِاسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ ، لِأَنَّ السِّوَاكَ هُوَ الْآلَةُ ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ أَيْضًا ، فَعَلَى هَذَا لَا تَقْدِيرَ ، وَالسِّوَاكُ مُذَكَّرٌ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَحَكَى فِي الْحِكَمِ تَأْنِيثَهُ ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْأَزْهَرِيُّ . قَوْلُهُ : ( مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ ) لَمْ أَرَهَا أَيْضًا فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَاتِ الْمُوَطَّأِ إِلَّا عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى لَكِنْ بِلَفْظِ : عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَكَذَا النَّسَائِيُّ ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، وَخَالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ ، عَنِ الْأَعْرَجِ فَقَالَ : مَعَ الْوُضُوءِ بَدَلَ الصَّلَاةِ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ ، قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ : لَوْلَا كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ لَوْ الدَّالَّةِ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ غَيْرِهِ وَ لَا النَّافِيَةِ ، فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى انْتِفَاءِ الْأَمْرِ لِثُبُوتِ الْمَشَقَّةِ لِأَنَّ انْتِفَاءَ النَّفْيِ ثُبُوتٌ ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ مَنْفِيًّا لِثُبُوتِ الْمَشَقَّةِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ نَفْيُ الْأَمْرِ مَعَ ثُبُوتِ النَّدْبِيَّةِ ، وَلَوْ كَانَ لِلنَّدْبِ لَمَا جَازَ النَّفْيُ ، ثَانِيهُمَا أَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ مَشَقَّةً عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ ، إِذِ النَّدْبُ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ جَائِزُ التَّرْكِ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي اللُّمَعِ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِدْعَاءَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ لَيْسَ بِأَمْرٍ حَقِيقَةٍ لِأَنَّ السِّوَاكَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ الشَّارِعُ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ اهـ .

وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ : لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمْ بَدَلَ لَأَمَرْتَهُمْ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ شَقَّ عَلَيْهِمْ بِهِ أَوْ لَمْ يَشُقَّ اهـ . وَإِلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ صَارَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، بَلِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ ، لَكِنْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَتَبِعَهُ الْمَاوَرْدِيُّ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ قَالَ : هُوَ وَاجِبٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، فَمَنْ تَرَكَهُ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ .

وَعَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ : وَهُوَ وَاجِبٌ لَكِنْ لَيْسَ شَرْطًا . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ بِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ ، فَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا : تَسَوَّكُوا وَلِأَحْمَدَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ ، وَفِي الْمُوَطَّأِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ : عَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَالْمَنْفِيُّ فِي مَفْهُومِ حَدِيثِ الْبَابِ الْأَمْرُ بِهِ مُقَيَّدًا بِكُلِّ صَلَاةٍ لَا مُطْلَقُ الْأَمْرِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمُقَيَّدِ نَفْيُ الْمُطْلَقِ وَلَا مِنْ ثُبُوتِ الْمُطْلَقِ التَّكْرَارُ كَمَا سَيَأْتِي . وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : كُلِّ صَلَاةٍ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ لِلْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةَ وَمَا ضَاهَاهَا مِنَ النَّوَافِلِ الَّتِي لَيْسَتْ تَبَعًا لِغَيْرِهَا كَصَلَاةِ الْعِيدِ ، وَهَذَا اخْتَارَهُ أَبُو شَامَةَ ، وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِلَفْظِ : لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلَّ صَلَاةٍ كَمَا يَتَوَضَّئُونَ ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ بِوُضُوءٍ ، وَمَعَ كُلِّ وُضُوءٍ بِسِوَاكٍ ، فَسَوَّى بَيْنَهُمَا .

وَكَمَا أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يُنْدَبُ لِلرَّاتِبَةِ الَّتِي بَعْدَ الْفَرِيضَةِ إِلَّا إِنْ طَالَ الْفَصْلُ مَثَلًا ، فَكَذَلِكَ السِّوَاكُ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْوُضُوءَ أَشَقُّ مِنَ السِّوَاكِ ، وَيَتَأَيَّدُ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَسْتَاكُ ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، لَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَوْرَدَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَبَيَّنَ فِيهِ أَنَّهُ تَخَلَّلَ بَيْنَ الِانْصِرَافِ وَالسِّوَاكِ نَوْمٌ ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي مُسْلِمٍ مُبَيَّنًا أَيْضًا ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى كَوْنَ الْمَشَقَّةِ هِيَ الْمَانِعَةَ مِنَ الْأَمْرِ بِالسِّوَاكِ ، وَلَا مَشَقَّةَ فِي وُجُوبِهِ مَرَّةً ، وَإِنَّمَا الْمَشَقَّةُ فِي وُجُوبِ التَّكْرَارِ . وَفِي هَذَا الْبَحْثِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَمْ يُؤْخَذْ هُنَا مِنْ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ ، وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِكُلِّ صَلَاةٍ .

وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : فِيهِ أَنَّ الْمَنْدُوبَاتِ تَرْتَفِعُ إِذَا خُشِيَ مِنْهَا الْحَرَجُ . وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى أُمَّتِهِ . وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ مِنْهُ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهِ نَصٌّ ، لِكَوْنِهِ جَعَلَ الْمَشَقَّةَ سَبَبًا لِعَدَمِ أَمْرِهِ ، فَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ مُتَوَقِّفًا عَلَى النَّصِّ لَكَانَ سَبَبُ انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ عَدَمَ وُرُودِ النَّصِّ لَا وُجُودَ الْمَشَقَّةِ .

قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَفِيهِ بَحْثٌ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ سَبَبَ عَدَمِ وُرُودِ النَّصِّ وُجُودُ الْمَشَقَّةِ ، فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ لَأَمَرْتُهُمْ أَيْ : عَنِ اللَّهِ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ النَّسَائِيُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ : كُلِّ صَلَاةٍ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ . ( فَائِدَةٌ ) : قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : الْحِكْمَةُ فِي اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ كَوْنُهَا حالا تقرب إِلَى اللَّهِ ، فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ حَالَ كَمَالٍ وَنَظَافَةٍ إِظْهَارًا لِشَرَفِ الْعِبَادَةِ ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ الْبَزَّارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْمَلَكِ الَّذِي يَسْتَمِعُ الْقُرْآنَ مِنَ الْمُصَلِّي ، فَلَا يَزَالُ يَدْنُو مِنْهُ حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ ، لَكِنَّهُ لَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ .

وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَرِجَالُ إِسْنَادِهِ بَصْرِيُّونَ ، وَقَوْلُهُ : أَكْثَرْتُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : لَقَدْ أَكْثَرْتُ إِلَخْ أَيْ : بَالَغْتُ فِي تَكْرِيرِ طَلَبِهِ مِنْكُمْ ، أَوْ فِي إِيرَادِ الأخبار فِي التَّرْغِيبِ فِيهِ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : مَعْنَاهُ : أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ ، وَحَقِيقٌ أَنْ أَفْعَلَ ، وَحَقِيقٌ أَنْ تُطِيعُوا . وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ ، أَيْ : بُلِّغْتُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِطَلَبِهِ مِنْكُمْ .

وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِلَى الْآنَ صَرِيحَةً . ( تَنْبِيهٌ ) : ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِلَفْظِ : عَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ رَشِيدٍ . وَاللَّفْظُ الْمَذْكُورُ وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ مُرْسَلًا ، وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ وَصَلَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ يَذْكُرُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيهِ ، وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ بَابِ الدُّهْنِ لِلْجُمُعَةِ وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ يَقُولُ ذَلِكَ .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ3 أحاديث
موقع حَـدِيث