11 - باب الْجُمُعَةِ فِي الْقُرَى وَالْمُدُنِ 892 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْجِدِ عَبْدِ الْقَيْسِ بِجُوَاثَى مِنْ الْبَحْرَيْنِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْجُمُعَةِ فِي الْقُرَى وَالْمُدُنِ ) فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى خِلَافِ مَنْ خَصَّ الْجُمُعَةَ بِالْمُدُنِ دُونَ الْقُرَى ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ . وَأَسْنَدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا ، وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ أَنَّ جَمِّعُوا حَيْثُمَا كُنْتُمْ ، وَهَذَا يَشْمَلُ الْمُدُنَ وَالْقُرَى ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ عُمَرَ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ سَأَلْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ فَقَالَ : كُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ فِيهَا جَمَاعَةٌ أُمِرُوا بِالْجُمُعَةِ ، فَإِنَّ أَهْلَ مِصْرَ وَسَوَاحِلِهَا كَانُوا يُجَمِّعُونَ الْجُمُعَةَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ بِأَمْرِهِمَا وَفِيهِمَا رِجَالٌ مِنْ الصَّحَابَةِ . وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَهْلَ الْمِيَاهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ يُجَمِّعُونَ فَلَا يَعِيبُ عَلَيْهِمْ . فَلَمَّا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ وَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى الْمَرْفُوعِ . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) كَذَا رَوَاهُ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عَنْهُ ، وَخَالَفَهُمِ الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ فَقَالَ : عَنِ ابْنِ طَهْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَهُوَ خَطَأٌ مِنَ الْمُعَافَى ، وَمِنْ ثَمَّ تَكَلَّمَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ فِي إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ وَلَا ذَنْبَ لَهُ فِيهِ ، كَمَا قَالَهُ صَالِحٌ جَزَرَةُ ، وَإِنَّمَا الْخَطَأُ فِي إِسْنَادِهِ مِنِ الْمُعَافَى . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِإِبْرَاهِيمَ فِيهِ إِسْنَادَانِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ ) زَادَ وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ طَهْمَانَ : فِي الْإِسْلَامِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ . قَوْلُهُ : ( بَعْدَ جُمُعَةِ ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي : جُمِّعَتْ . قَوْلُهُ : ( فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ : بِالْمَدِينَةِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُعَافَى الْمَذْكُورَةِ : بِمَكَّةَ وَهُوَ خَطَأٌ بِلَا مِرْيَةٍ . قَوْلُهُ : ( بِجُوَاثَى ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ ، وَقَدْ تُهْمَزُ ، ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ خَفِيفَةٍ . قَوْلُهُ : ( مِنَ الْبَحْرَيْنِ ) فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ : قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ وَفِي أُخْرَى عَنْهُ : مِنْ قُرَى عَبْدِ الْقَيْسِ وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ ، عَنِ ابْنِ طَهْمَانَ ، وَبِهِ يَتِمُّ مُرَادُ التَّرْجَمَةِ . وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمْ يُجَمِّعُوا إِلَّا بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِبْدَادِ بِالْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ فِي زَمَنِ نُزُولِ الْوَحْيِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَنَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، كَمَا اسْتَدَلَّ جَابِرٌ ، وَأَبُو سَعِيدٍ عَلَى جَوَازِ الْعَزْلِ بِأَنَّهُمْ فَعَلُوهُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ فَلَمْ يُنْهُوا عَنْهُ . وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ ، والزَّمَخْشَرِيُّ ، وَابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّ جُوَاثَى اسْمُ حِصْنٍ بِالْبَحْرَيْنِ ، وَهَذَا لَا يُنَافِي كَوْنَهَا قَرْيَةً . وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ اللَّخْمِيِّ أَنَّهَا مَدِينَةٌ ، وَمَا ثَبَتَ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ مِنْ كَوْنِهَا قَرْيَةً أَصَحُّ ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ فِي الْأَوَّلِ قَرْيَةً ثُمَّ صَارَتْ مَدِينَةً ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِتَقَدُّمِ إِسْلَامِ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا قَرَّرْتُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْإِيمَانِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْجُمُعَةِ فِي الْقُرَى وَالْمُدُنِ · ص 441 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الجمعة في القرى والمدن · ص 388 11 - باب الجمعة في القرى والمدن فيه حديثان : أحدهما : قال : 892 - نا محمد بن المثنى ، نا أبو عامر العقدي ، نا إبراهيم بن طهمان ، عن أبي جمرة الضبعي ، عن ابن عباس ، قال : إن أول جمعة جمعت في الإسلام - بعد جمعة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين . قد ذكرنا هذا الحديث في أول كتاب الجمعة ، وذكرنا بعض الاختلاف في إسناده ومتنه ، وأن معناه : أنه لم يجمع في الإسلام بعد التجميع بالمدينة إلا في مسجد عبد القيس بالبحرين ، فكان أول بلد أقيمت الجمعة فيه المدينة ، ثم بعدها قرية جوثاء بالبحرين . وهذا يدل على أن عبد القيس أسلموا قبل فتح مكة ، وجمعوا في مسجدهم ، ثم فتحت مكة بعد ذلك ، وجمع فيها . والمقصود : أنهم جمعوا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في قرية جواثاء ، وإنما وقع ذلك منهم بإذن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمره لهم ؛ فإن وفد عبد القيس أسلموا طائعين ، وقدموا راغبين في الإسلام ، وسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مهمات الدين ، وبين لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قواعد الإيمان وأصوله ، وقد سبق ذكر حديثهم في كتاب الإيمان . فيدل ذلك على جواز إقامة الجمعة بالقرى ، وأنه لا يشترط لإقامة الجمعة المصر الجامع ، كما قاله طائفة من العلماء . وممن ذهب إلى جواز إقامة الجمعة في القرى : عمر بن عبد العزيز وعطاء ومكحول وعكرمة والأوزاعي ومالك والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق . وروى القناد ، عن سفيان نحوه . وكان ابن عمر يمر بالمياه بين مكة والمدينة ، فيرى أهلها يجمعون ، قلا يعيب عليهم . ذكره عبد الرزاق ، عن العمري ، عن نافع ، عنه . وروى ابن المبارك ، عن أسامة بن زيد ، عن نافع ، عن ابن عمر : لا جمعة في سفر ، ولا جمعة إلا في مصر جامع . وهذا - مع الذي قبله - يدل على أنه أراد بالمصر القرى . وروى الأثرم بإسناده ، عن أبي ذر ، أنه كان يجمع بالربذة مع الناس . وقالت طائفة : لا جمعة إلا في مصر جامع ، روي ذلك عن علي ، وبه قال النخعي والثوري - في المشهور عنه - وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . وقال الْحَسَنُ وابن سيرين : لا جمعة إلا في مصر . وقد روي عن عَلِيٍّ خلاف ذلك ، روى وكيع ، عن قيس بن الربيع ، عن طالب بن السميدع ، عن أبيه ، أن عليا جمع بالمدائن . وعن سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، أن حذيفة جمع بالمدائن . وعن شعبة ، عن عطاء بن أبي ميمونة ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، قال : كتبت إلى عُمَرَ بن الخطاب أسأله عن الجمعة بالبحرين ، فكتب إلي : أن اجمعوا حيثما كنتم . قال الإمام أحمد : هذا إسناد جيد . وروى وكيع بإسناده ، عن النخعي ، أنه جمع بحلوان . وهذا كله يدل على أن من قال : لا جمعة إلا في مصر جامع ، فإنه أراد بذلك القرى التي فيها وال من جهة الإمام ، فيكون مراده : أنه لا جمعة إلا بإذن الإمام في مكان له فيه نائب يقيم الجمعة بإذنه . وبذلك فسره أحمد في رواية عنه . وكذلك روي عن محمد بن الحسن - صاحب أبي حنيفة - تفسير المصر : أن الإمام إذا بعث إلى قرية نائبا له لإقامة الحدود ، فهو مصر ، فلو عزله ألحق بالقرى . وروي نحوه عن أبي يوسف ، وعن أبي حنيفة - أيضا . قال أحمد : المصر إذا كان به الحاكم ، ولا يقال للقرى : مصر . وقال إسحاق : كل قرية فيها أربعون رجلا يقال لها : مصر . وهذا بعيد جدا . وعن سفيان روايتان في تفسير المصر : إحداهما : أنه كل مصر فيه جماعة وإمام . والثانية - نقلها عنه ابن المبارك - : أن المصر الجامع ما عرفه الناس أنه جامع . وقال عمرو بن دينار : سمعنا أن لا جمعة إلا في قرية جامعة . وعنه ، قال : إذا كان المسجد تجمع فيه الصلوات فلتصل فيه الجمعة . وقد تقدم حديث كعب بن مالك ، أن أول جمعة جمعت بالمدينة في نقيع الخضمات في هزم من حرة بني بياضة ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع أول ما قدم المدينة في مسجد بني سالم . وهذه كلها في حكم القرى خارج المدينة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الجمعة في القرى والمدن · ص 186 باب الجمعة في القرى والمدن أي هذا باب في بيان حكم صلاة الجمعة في القرى والمدن . والقرى : جمع قرية على غير قياس ، قال الجوهري : لأن ما كان على فعلة بفتح الفاء من المعتل فجمعه ممدود ، مثل : ركوة وركاء ، وظبية وظباء ، فجاء القرى مخالفا لبابه لا يقاس عليه ، ويقال : القرية لغة يمانية ، ولعلها جمعت على ذلك مثل لحية ولحى ، والنسبة إليها : قروي . وقال ابن الأثير : القرية من المساكن والأبنية والضياع ، وقد تطلق على المدن . وقال صاحب المطالع : القرية المدينة ، وكل مدينة قرية ، لاجتماع الناس فيها ، من قريت الماء في الحوض أي جمعته ، والمدن بضم الميم وسكون الدال جمع مدينة ، وتجمع أيضا على مدائن بالهمزة وقد تضم الدال ، واشتقاقها من مدن بالمكان إذا أقام به ، ويقال : وزنها فعيلة إذا كانت من مدن إذا أقام ، ومفعلة إذا كانت من دنت أي ملكت ، وفلان مدن المدائن كما يقال مصر الأمصار . وسئل أبو علي الفسوي عن همز مدائن فقال : إن كانت من مدن تهمز ، وإن كانت من دين أي ملك لا تهمز ، وإذا نسبت إلى مدينة الرسول ، قلت : مدني ، وإلى مدينة منصور مديني ، وإلى مدائن كسرى قلت : مدائني ، للفرق بين النسب لئلا تختلط 17 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا أبو عامر العقدي ، قال : حدثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي جمرة الضبعي ، عن ابن عباس أنه قال : إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين . مطابقته للجزء الأول من الترجمة إنما تتجه إذا كان المراد من جواثى أنها تكون اسم قرية من قرى البحرين ، وأما إذا كان جواثى اسم مدينة فالتطابق يكون للجزء الثاني من الترجمة ، وسنحقق الكلام فيما يتعلق بجواثى . ذكر رجاله ، وهم خمسة ؛ الأول : محمد بن المثنى بلفظ المفعول من التثنية بالثاء المثلثة ، وقد مر في باب حلاوة الإيمان . الثاني : أبو عامر العقدي ، واسمه عبد الملك بن عمرو ، والعقدي بفتح العين المهملة وفتح القاف ، نسبة إلى العقد قوم من قيس ، وهم صنف من الأزد مر في باب أمور الإيمان . الثالث : إبراهيم بن طهمان ، بفتح الطاء المهملة مر في باب القسمة وتعليق القنو في المسجد . الرابع : أبو جمرة ، بفتح الجيم ، واسمه نصر بن عمران ، والضبعي ، بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة وبالعين المهملة ، نسبة إلى ضبيعة ، أبو حي من بكر بن وائل . الخامس : عبد الله بن عباس . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع . وفيه العنعنة في موضعين . وفيه القول في ثلاثة مواضع . وفيه أن الأولين من الرواة بصريان . والثالث هروي . والرابع بصري . وفيه عن ابن عباس هكذا رواه الحفاظ من أصحاب إبراهيم بن طهمان عنه ، وخالفهم المعافى بن عمران فقال : عن ابن طهمان عن محمد بن زياد عن أبي هريرة ، أخرجه النسائي قالوا : إنه خطأ من المعافى على أنه يحتمل أن يكون لإبراهيم فيه إسنادان . والحديث من أفراد البخاري ، وأخرج أبو داود وقال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله المخرمي ، لفظه ، قالا : حدثنا وكيع عن إبراهيم بن طهمان عن أبي جمرة عن ابن عباس قال : إن أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة لجمعة جمعت بجواثى ، قرية من قرى البحرين ، قال عثمان : قرية من قرى عبد القيس . ذكر معناه ، قوله : جمعت بضم الجيم وتشديد الميم المكسورة ، يقال : جمع القوم تجميعا ، أي : شهدوا الجمعة وقضوا الصلاة فيها ، وفي رواية أبي داود جمعت في الإسلام كما ذكرنا الآن . قوله : بعد جمعة وفي رواية للبخاري في أواخر المغازي بعد جمعة جمعت . قوله : في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية وكيع بالمدينة ووقع في رواية المعافى بمكة ، وهو خطأ بلا نزاع . قوله : في مسجد عبد القيس هو علم لقبيلة كانوا ينزلون بالبحرين ، وهو موضع قريب من بحر عمان بقرب القطيف والأحساء . قوله : بجواثى بضم الجيم وتخفيف الواو وبالثاء المثلثة وبالقصر ، ومنهم من يهمزها ، وهي قرية من قرى البحرين ، وهكذا وقع في رواية وكيع كما ذكرناه عن أبي داود . وفي رواية عثمان شيخ أبي داود : قرية من قرى عبد القيس ، وكذا وقع في رواية الإسماعيلي من رواية محمد بن أبي حفصة عن ابن طهمان . وحكى ابن التين عن الشيخ أبي الحسن : أنها مدينة ، وفي الصحاح للجوهري والبلدان للزمخشري : جواثى حصن بالبحرين . وقال أبو عبيد البكري : هي مدينة بالبحرين لعبد القيس ، قال امرؤ القيس : ورُحْنا كأنا من جُواثَى عَشِيةً نُعالي النِّعاجَ بين عِدْل ومُحْقَبِ يريد كأنا من تجار جواثى لكثرة ما معهم من الصيد ، وأراد كثرة أمتعة تجار جواثى ، قلت : كثرة الأمتعة تدل غالبا على كثرة التجار وكثرة التجار تدل على أن جواثى مدينة قطعا ، لأن القرية لا يكون فيها تجار كثيرون غالبا عادة ، ( فإن قلت ) : قد يطلق على المدينة اسم قرية كما في قوله تعالى : لَوْلا نُـزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ يعني مكة والطائف ، ( قلت ) : إطلاق لفظ القرية على المدينة باعتبار المعنى اللغوي ولا يخرج ذلك عن كونه مدينة فلا يتم استدلال من يجيز الجمعة في القرى بهذا الوجه كما سنذكره مستوفى عن قريب إن شاء الله تعالى . ( ذكر ما يستفاد منه ) استدلت الشافعية بهذا الحديث على أن الجمعة تقام في القرية إذا كان فيها أربعون رجلا أحرارا مقيمين ، حتى قال البيهقي : باب العدد الذين إذا حضروا في قرية وجبت عليهم ، ثم ذكر فيه إقامة الجمعة بجواثى ، قلنا : لا نسلم أنها قرية ، بل هي مدينة ، كما حكينا عن البكري وغيره ، حتى قيل كان يسكن فيها فوق أربعة آلاف نفس ، والقرية لا تكون كذلك ، وإطلاق القرية عليها من الوجه الذي ذكرناه ، ولئن سلمنا أنها قرية فليس في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وأقرهم عليه ، واختلف العلماء في الموضع الذي تقام فيه الجمعة ، فقال مالك : كل قرية فيها مسجد أو سوق ، فالجمعة واجبة على أهلها ، ولا يجب على أهل العمود وإن كثروا ، لأنهم في حكم المسافرين . وقال الشافعي وأحمد : كل قرية فيها أربعون رجلا أحرارا بالغين عقلاء مقيمين بها لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء ، إلا ظعن حاجة ، فالجمعة واجبة عليهم ، وسواء كان البناء من حجر أو خشب أو طين أو قصب أو غيرها بشرط أن تكون الأبنية مجتمعة ، فإن كانت متفرقة لم تصح ، وأما أهل الخيام فإن كانوا ينتقلون من موضعهم شتاء أو صيفا لم تصح الجمعة بلا خلاف ، وإن كانوا دائمين فيها شتاء وصيفا وهي مجتمعة بعضها إلى بعض ففيه قولان ، أصحهما : لا تجب عليهم الجمعة ولا تصح منهم ، وبه قال مالك ، والثاني : تجب عليهم وتصح منهم ، وبه قال أحمد وداود ، ومذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه : لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع ، أو في مصلى المصر ، ولا تجوز في القرى وتجوز في منى إذا كان الأمير أمير الحاج أو كان الخليفة مسافرا . وقال محمد : لا جمعة بمنى ولا تصح بعرفات في قولهم جميعا . وقال أبو بكر الرازي في كتابه الأحكام : اتفق فقهاء الأمصار على أن الجمعة مخصوصة بموضع لا يجوز فعلها في غيره ، لأنهم مجتمعون على أنها لا تجوز في البوادي ومناهل الأعراب ، وذكر ابن المنذر عن ابن عمر أنه كان يرى على أهل المناهل والمياه أنهم يجمعون . ثم اختلف أصحابنا في المصر الذي تجوز فيه الجمعة فعن أبي يوسف : هو كل موضع يكون فيه كل محترف ويوجد فيه جميع ما يحتاج إليه الناس من معايشهم عادة ، وبه قاض يقيم الحدود ، وقيل : إذا بلغ سكانه عشرة آلاف . وقيل : عشرة آلاف مقاتل . وقيل : بحيث أن لو قصدهم عدو لأمكنهم دفعه . وقيل : كل موضع فيه أمير وقاض يقيم الحدود . وقيل : أن لو اجتمعوا إلى أكبر مساجدهم لم يسعهم . وقيل : أن يكون بحال يعيش كل محترف بحرفته من سنة إلى سنة من غير أن يشتغل بحرفة أخرى . وعن محمد موضع مصّره الإمام فهو مصر حتى إنه لو بعث إلى قرية نائبا لإقامة الحدود والقصاص تصير مصرا فإذا عزله ودعاه يلحق بالقرى . ثم استدل أبو حنيفة على أنها لا تجوز في القرى بما رواه عبد الرزاق في مصنفه : أخبرنا معمر ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي رضي الله تعالى عنه ، قال : لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع . ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه : حدثنا عباد بن العوام ، عن حجاج ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي رضي الله تعالى عنه ، قال : لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع ، أو مدينة عظيمة ، وروى أيضا بسند صحيح : حدثنا جرير عن منصور عن طلحة عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن أنه قال : قال علي رضي الله تعالى عنه : لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع . ( فإن قلت ) : قال النووي حديث علي ضعيف متفق على ضعفه ، وهو موقوف عليه بسند ضعيف منقطع . ( قلت ) : كأنه لم يطلع إلا على الأثر الذي فيه الحجاج بن أرطاة ، ولم يطلع على طريق جرير عن منصور فإنه سند صحيح ، ولو اطلع لم يقل بما قاله ، وأما قوله : متفق على ضعفه ، فزيادة من عنده ولا يُدرى من سلفه في ذلك ، على أن أبا زيد زعم في الأسرار أن محمد بن الحسن قال : رواه مرفوعا معاذ وسراقة بن مالك رضي الله تعالى عنهما . ( فإن قلت ) : في سنن سعيد بن منصور عن أبي هريرة أنهم كتبوا إلى عمر بن الخطاب رضي الله تبارك وتعالى عنه من البحرين يسألونه عن الجمعة ، فيكتب إليهم : أجمعوا حيث ما كنتم . وذكره ابن أبي شيبة بسند صحيح بلفظ : جمعوا ، وفي المعرفة أن أبا هريرة هو السائل ، وحسن سنده . وروى الدارقطني عن الزهري عن أم عبد الله الدوسية قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الجمعة واجبة على أهل كل قرية فيها إمام ، وإن لم يكونوا إلا أربعة . وزاد أبو أحمد الجرجاني حتى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة ، وفي المصنف عن مالك : كان أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في هذه المياه بين مكة والمدينة يجمعون . وروى أبو داود : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا ابن إدريس ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك - وكان قائد أبيه بعدما ذهب بصره - عن أبيه ، عن كعب بن مالك ، أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة ، فقلت له : إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة ؟ قال : لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له نقيع الخضمات . ( قلت ) : كم أنتم يومئذ ؟ قال : أربعون . وأخرجه أيضا ابن ماجه وابن خزيمة والبيهقي وزاد قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم . وفي المعرفة قال الزهري : لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى المدينة ليقرئهم القرآن جمع بهم ، وهم اثنا عشر رجلا ، فكان مصعب أول من جمع الجمعة بالمدينة بالمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال البيهقي : يريد الاثنا عشر النقباء الذين خرجوا به إلى المدينة وكانوا له ظهيرا . وفي حديث كعب : جمع بهم أسعد وهم أربعون وهو يريد جميع من صلى معه ممن أسلم من أهل المدينة مع النقباء . وعن جعفر بن برقان قال : كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه إلى عدي بن عدي : أما أهل قرية ليسوا بأهل عمود فأمر عليهم أميرا يجمع بهم ، رواه البيهقي . قلت : الجواب عن الأول معناه : جمعوا حيث ما كنتم من الأمصار ، ألا ترى أنها لا تجوز في البراري . وعن الثاني أن رواته كلهم عن الزهري متروكون ، ولا يصح سماع الزهري من الدوسية . وعن الثالث : أنه ليس فيه دليل على وجوب الجمعة على أهل القرى . وعن الرابع : أن فيه محمد بن إسحاق ، فقال البيهقي : الحفاظ يتوقون ما ينفرد به ابن إسحاق وهنا قد تفرد به ، والعجب منه تصحيحه هذا الحديث والحال أنه كان يتكلم في ابن إسحاق بأنواع الكلام . ( فإن قلت ) : قال الحاكم : إنه على شرط مسلم . ( قلت ) : ليس كما قال ، لأن مداره على ابن إسحاق ، ولم يخرج له مسلم إلا متابعة . وعن الخامس : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بذلك ولا أقرهم عليه . وعن السادس : أنه رأي عمر بن عبد العزيز ليس بحجة ، ولئن سلمنا فليس فيه ذكر عدد ، وقال عبد الحق في أحكامه : لا يصح في عدد الجمعة شيء . ( فإن قلت ) : قال ابن حزم في معرض الاستدلال لمذهبه : ومن أعظم البرهان أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المدينة وإنما هي قرى صغار متفرقة فبنى مسجده في بني مالك بن النجار وجمع فيه في قرية ليست بالكبيرة ولا مصر هناك . ( قلت ) : هذا ليس بشيء من وجوه ؛ الأول : قد صحح قول علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه الذي هو أعلم الناس بأمر المدينة : لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع . الثاني أن الإمام أي موضع حل جمع . الثالث التمصير للإمام فأي موضع مصّره مصر . وأما معنى حديث أبي داود فقوله : في هزم النبيت الهزم بفتح الهاء وسكون الزاي بعدها ميم موضع بالمدينة ، والنبيت بفتح النون وكسر الباء الموحدة بعدها ياء آخر الحروف وفي آخره تاء مثناة من فوق وهي حي من اليمن . قوله : من حرة بني بياضة الحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء قرية على ميل من المدينة ، وبنو بياضة بطن من الأنصار منهم سلمة بن صخر البياضي له صحبة ، قوله : في نقيع بفتح النون وكسر القاف وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره عين مهملة ، بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مدة فإذا نضب الماء أنبت الكلأ ، ومنه حديث عمر رضي الله عنه أنه حمى النقيع لخيل المسلمين ، وقد يصحفه بعض الناس فيرويه بالباء الموحدة ، والبقيع بالباء موضع القبور وهو بقيع الغرقد . قوله : يقال له نقيع الخضمات بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين ، قال ابن الأثير : نقيع الخضمات موضع بنواحي المدينة .