21- بَاب الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ 912- حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ) أَيْ مَتَى يُشْرَعُ . قَوْلُهُ : ( عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ) فِي رِوَايَةِ عَقِيلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ سَمِعْتُ السَّائِبَ ، وَسَيَأْتِيَانِ بَعْدَ هَذَا . قَوْلُهُ : ( كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَامِرٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ كَانَ ابْتِدَاءُ النِّدَاءِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَلَهُ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ أَذَانَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : قَوْلُهُ أَذَانَيْنِ يُرِيدُ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ ، يَعْنِي تَغْلِيبًا أَوْ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِعْلَامِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْأَذَانِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَامِرٍ الْمَذْكُورَةِ إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ وَإِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَكَذَا لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْمَاجِشُونِ الْآتِيَةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَفْظُهُ وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ ، يَعْنِي عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْمَاجِشُونِ بِدُونِ قَوْلِهِ يَعْنِي وَلِلنَّسَائِيِّ رِوَايَةُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ إِذَا جَلَسَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ . فَإِذَا نَزَلَ أَقَامَ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُهُ فِي مُرْسَلِ مَكْحُولٍ قَرِيبًا ، قَالَ الْمُهَلَّبُ : الْحِكْمَةُ فِي جَعْلِ الْأَذَانِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ لِيَعْرِفَ النَّاسُ بِجُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَيُنْصِتُونَ لَهُ إِذَا خَطَبَ ، كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ فِي سِيَاقِ ابْنِ إِسْحَاقَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ لِمُطْلَقِ الْإِعْلَامِ لَا لِخُصُوصِ الْإِنْصَاتِ ، نَعَمْ لَمَّا زِيدَ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ كَانَ لِلْإِعْلَامِ ، وَكَانَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ لِلْإِنْصَاتِ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ ) أَيْ خَلِيفَةً . قَوْلُهُ : ( وَكَثُرَ النَّاسُ ) أَيْ بِالْمَدِينَةِ ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْمَاجِشُونِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ عُثْمَانَ أَمَرَ بِذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ خِلَافَتِهِ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ أَبِي ضَمْرَةَ ، عَنْ يُونُسَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ مِنْ خِلَافَتِهِ . قَوْلُهُ : ( زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ ) فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فَأَمَرَ عُثْمَانُ بِالْأَذَانِ الْأَوَّلِ ، وَنَحْوُهُ لِلشَّافِعِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَزِيدًا يُسَمَّى ثَالِثًا ، وَبِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ جُعِلَ مُقَدَّمًا عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ يُسَمَّى أَوَّلًا ، وَلَفْظُ رِوَايَةِ عَقِيلٍ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابَيْنِ أَنَّ التَّأْذِينَ بِالثَّانِي أَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ وَتَسْمِيَتُهُ ثَانِيًا أَيْضًا مُتَوَجِّهٌ بِالنَّظَرِ إِلَى الْأَذَانِ الْحَقِيقِيِّ لَا الْإِقَامَةِ . قَوْلُهُ : ( عَلَى الزَّوْرَاءِ ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَبَعْدَهَا رَاءٌ مَمْدُودَةٌ ، وَقَوْلُهُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْمُصَنِّفُ ، وَهَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ ، وَمَا فَسَّرَ بِهِ الزَّوْرَاءُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَجَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّهُ حَجَرٌ كَبِيرٌ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى دَارٍ فِي السُّوقِ يُقَالُ لَهَا الزَّوْرَاءُ وَفِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَأَمَرَ بِالنِّدَاءِ الْأَوَّلِ عَلَى دَارٍ لَهُ يُقَالُ لَهَا الزَّوْرَاءُ ، فَكَانَ يُؤَذَّنُ لَهُ عَلَيْهَا ، فَإِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ الْأَوَّلُ ، فَإِذَا نَزَلَ أَقَامَ الصَّلَاةَ . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَأَذَّنَ بِالزَّوْرَاءِ قَبْلَ خُرُوجِهِ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ الْجُمُعَةَ قَدْ حَضَرَتْ وَنَحْوُهُ فِي مُرْسَلِ مَكْحُولٍ الْمُتَقَدِّمِ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا بِالزَّوْرَاءِ ، وَالزَّوْرَاءُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ الْحَدِيثَ ، زَادَ أَبُو عَامِرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فَثَبَتَ ذَلِكَ حَتَّى السَّاعَةِ وَسَيَأْتِي نَحْوُهُ قَرِيبًا مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بِلَفْظِ فَثَبَتَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا بِفِعْلِ عُثْمَانَ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ إِذْ ذَاكَ لِكَوْنِهِ خَلِيفَةً مُطَاعَ الْأَمْرِ ، لَكِنْ ذَكَرَ الْفَاكِهَانِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ بِمَكَّةَ الْحَجَّاجُ وَبِالْبَصْرَةِ زِيَادٌ ، وَبَلَغَنِي أَنَّ أَهْلَ الْمَغْرِبِ الْأَدْنَى الْآنَ لَا تَأْذِينَ عِنْدَهُمْ سِوَى مَرَّةٍ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : الْأَذَانُ الْأَوَّلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِدْعَةٌ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ يُسَمَّى بِدْعَةً ، لَكِنَّ مِنْهَا مَا يَكُونُ حَسَنًا وَمِنْهَا مَا يَكُونُ بِخِلَافِ ذَلِكَ . وَتَبَيَّنَ بِمَا مَضَى أَنَّ عُثْمَانَ أَحْدَثَهُ لِإِعْلَامِ النَّاسِ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ قِيَاسًا عَلَى بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ فَأَلْحَقَ الْجُمُعَةَ بِهَا وَأَبْقَى خُصُوصِيَّتَهَا بِالْأَذَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ ، وَفِيهِ اسْتِنْبَاطُ مَعْنًى مِنَ الْأَصْلِ لَا يُبْطِلُهُ ، وَأَمَّا مَا أَحْدَثَ النَّاسُ قَبْلَ وَقْتِ الْجُمُعَةِ مِنَ الدُّعَاءِ إِلَيْهَا بِالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ دُونَ بَعْضٍ ، وَاتِّبَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَوْلَى . ( تَنْبِيهَانِ ) الْأَوَّلُ : وَرَدَ مَا يُخَالِفُ هَذَا الْخَبَرَ أَنَّ عُمَرَ الَّذِي زَادَ الْأَذَانَ ، فَفِي تَفْسِيرِ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ مِنْ زِيَادَةِ الرَّاوِي عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ ، عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ مُؤَذِّنَيْنِ أَنْ يُؤَذِّنَا لِلنَّاسِ الْجُمُعَةَ خَارِجًا مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ النَّاسُ ، وَأَمَرَ أَنْ يُؤَذَّنَ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : نَحْنُ ابْتَدَعْنَاهُ لِكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ مَكْحُولٍ ، وَمُعَاذٍ ، وَلَا يَثْبُتُ لِأَنَّ مُعَاذًا كَانَ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ فِي أَوَّلِ مَا غَزَوُا الشَّامَ وَاسْتَمَرَّ إِلَى أَنْ مَاتَ بِالشَّامِ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ ، وَقَدْ تَوَارَدَتِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ عُثْمَانَ هُوَ الَّذِي زَادَهُ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ، ثُمَّ وَجَدْتُ لِهَذَا الْأَثَرِ مَا يُقَوِّيهِ ، فَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَوَّلُ مَنْ زَادَ الْأَذَانَ بِالْمَدِينَةِ عُثْمَانُ ، فَقَالَ عَطَاءٌ : كَلَّا ، إِنَّمَا كَانَ يَدْعُو النَّاسَ دُعَاءً وَلَا يُؤَذِّنُ غَيْرَ أَذَانٍ وَاحِدٍ انْتَهَى . وَعَطَاءٌ لَمْ يُدْرِكْ عُثْمَانَ فَرِوَايَةُ مَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى إِنْكَارِهِ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ عَطَاءٌ هُوَ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ ثُمَّ رَأَى أَنْ يَجْعَلَهُ أَذَانًا ، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى مَكَانٍ عَالٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ فَنُسِبَ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ بِأَلْفَاظِ الْأَذَانِ ، وَتَرَكَ مَا كَانَ فَعَلَهُ عُمَرُ لِكَوْنِهِ مُجَرَّدَ إِعْلَامٍ . الثَّانِي : تَوَارَدَتِ الشُّرَّاحُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : الْأَذَانَ الثَّالِثَ أَنَّ الْأَوَّلَيْنِ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ لَكِنْ نَقَلَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الْأَذَانَ أَوَّلًا كَانَ فِي سُفْلِ الْمَسْجِدِ ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ جَعَلَ مَنْ يُؤَذِّنُ عَلَى الزَّوْرَاءِ ، فَلَمَّا كَانَ هِشَامٌ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ - جَعَلَ مَنْ يُؤَذِّنُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَصَارُوا ثَلَاثَةً ، فَسُمِّيَ فِعْلُ عُثْمَانَ ثَالِثًا لِذَلِكَ ، انْتَهَى . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ يُغْنِي ذِكْرُهُ عَنْ تَكَلُّفِ رَدِّهِ ، فَلَيْسَ لَهُ فِيمَا قَالَهُ سَلَفٌ ، ثُمَّ هُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَتَسْمِيَةُ مَا أَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ ثَالِثًا يَسْتَدْعِي سَبْقَ اثْنَيْنِ قَبْلَهُ ، وَهِشَامٌ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ عُثْمَانَ بِثَمَانِينَ سَنَةً . وَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عَلَى الْجُلُوسِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَاخْتَلَفَ مَنْ أَثْبَتَهُ هَلْ هُوَ لِلْأَذَانِ أَوْ لِرَاحَةِ الْخَطِيبِ ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُسَنُّ فِي الْعِيدِ إِذْ لَا أَذَانَ هُنَاكَ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ التَّأْذِينَ قُبَيْلَ الْخُطْبَةِ ، وَعَلَى تَرْكِ تَأْذِينِ اثْنَيْنِ مَعًا ، وَعَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَابِقَةٌ عَلَى الصَّلَاةِ ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْأَذَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَإِذَا كَانَ يَقَعُ حِينَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ دَلَّ عَلَى سَبْقِ الْخُطْبَةِ عَلَى الصَّلَاةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ · ص 457 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الأذان يوم الجمعة · ص 449 21 - باب الأذان يوم الجمعة 912 - حدثنا آدم ، ثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد ، قال : كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر ، على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وَعُمَرَ ، فلما كان عثمان ، وكثر الناس ، زاد النداء الثالث على الزوراء . قال أبو عبد الله : الزوراء : موضع بالسوق بالمدينة . الأذان يوم الجمعة قد ذكره الله تعالى في كتابه ، في قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه ، وإن قيل : إن الأذان سنة ، وهو الذي ذكره ابن أبي موسى من أصحابنا ، وقاله طائفة من الشافعية - أيضا . وقد دل الحديث على أن الأذان الذي كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر هو النداء الذي بين يدي الإمام عند جلوسه على المنبر ، وهذا لا اختلاف فيه بين العلماء . ولهذا قال أكثرهم : إنه هو الأذان الذي يمنع البيع ، ويوجب السعي إلى الجمعة ، حيث لم يكن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - سواه . وما ذكره ابن عبد البر عن طائفة من أصحابهم ، أن هذا الأذان الذي يمنع البيع لم يكن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما أحدثه هشام بن عبد الملك ، فقد بين ابن عبد البر أن هذا جهل من قائله ، لعدم معرفته بالسنة والآثار . فإن قال هذا الجاهل : إنه لم يكن أذان بالكلية في الجمعة ، فقد باهت ، ويكذبه قول الله عز وجل : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا وإن زعم أن الأذان الذي كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر هو الأذان الأول الذي قبل خروج الإمام ، فقد أبطل ، ويكذبه هذا الحديث واجتماع العلماء على ذلك . وقوله في هذه الرواية : أوله إذا جلس الإمام على المنبر ، معناه : أن هذا الأذان كان هو الأول ، ثم تليه الإقامة ، وتسمى : أذانا ، كما في الحديث المشهور : بين كل أذانين صلاة . وخرجه النسائي من رواية المعتمر ، عن أبيه ، عن الزهري ، ولفظه : كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر يوم الجمعة ، فإذا نزل أقام ، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر ، فلما زاد عثمان النداء الثالث صار هذا الثالث هو الأول ، وصار الذي بين يدي الإمام هو الثاني . وقد خرج أبو داود هذا الحديث من طريق ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن السائب ، قال : كان يؤذن بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد ، وأبي بكر وعمر . ففي هذه الرواية زيادة : أن هذا الأذان لم يكن في نفس المسجد ، بل على بابه ، بحيث يسمعه من كان في المسجد ومن كان خارج المسجد ، ليترك أهل الأسواق البيع ويسرعوا إلى السعي إلى المسجد . وقوله : فلما كان عثمان - يريد : لما ولي عثمان - وكثر الناس في زمنه زاد النداء الثالث على الزوراء ، وسماه : ثالثا ؛ لأن به صارت النداءات للجمعة ثلاثة ، وإن كان هو أولها وقوعا . وخرجه ابن ماجه ، وعنده - بعد قوله : على دار في السوق ، يقال لها : الزوراء - : فإذا خرج أذن ، وإذا نزل أقام . وهو من رواية : ابن إسحاق ، عن الزهري . وروى الزهري ، عن ابن المسيب : معنى حديثه عن السائب بن يزيد ، غير أنه قال : فلما كان عثمان كثر الناس ، فزاد الأذان الأول ، وأراد أن يتهيأ الناس للجمعة . خرجه عبد الرزاق في كتابه ، عن معمر ، عنه . وقد رواه إسماعيل بن يحيى التميمي - وهو ضعيف جدا - عن مسعر ، عن القاسم ، عن ابن المسيب ، عن أبي أيوب الأنصاري ، قال : ما كان الأذان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة إلا قدام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر ، فإذا نزل أقاموا الصلاة ، فلما ولي عثمان أمر أن يؤذن على المنارة ليسمع الناس . خرجه الإسماعيلي في مسند مسعر ، وقال في القاسم : هو مجهول . قلت : والصحيح : المرسل . وقد أنكر عطاء الأذان الأول ، وقال : إنما زاده الحجاج ، قال : وإنما كان عثمان يدعو الناس دعاء . خرجه عبد الرزاق . وقال عمرو بن دينار : إنما زاد عثمان الأذان بالمدينة ، وأما مكة فأول من زاده الحجاج ، قال : ورأيت ابن الزبير لا يؤذن له حتى يجلس على المنبر ، ولا يؤذن له إلا أذان واحد يوم الجمعة . خرجه عبد الرزاق - أيضا . وروى مصعب بن سلام ، عن هشام بن الغاز ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : إنما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد على المنبر أذن بلال ، فإذا فرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - من خطبته أقام الصلاة ، والأذان الأول بدعة . وروى وكيع في كتابه ، عن هشام بن الغاز ، قال : سألت نافعا عن الأذان يوم الجمعة ؟ فقال : قال ابن عمر : بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وإن رآه الناس حسنا . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لم يكن في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أذانان : أذان حين يجلس على المنبر ، وأذان حين تقام الصلاة . قال : وهذا الأخير شيء أحدثه الناس بعد . خرجه ابن أبي حاتم . وقال سفيان الثوري : لا يؤذن للجمعة حتى تزول الشمس ، وإذا أذن المؤذن قام الإمام على المنبر فخطب ، وإذا نزل أقام الصلاة ، قال : والأذان الذي كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر أذان وإقامة ، وهذا الأذان الذي زادوه محدث . وقال الشافعي - فيما حكاه ابن عبد البر - : أحب إلي أن يكون الأذان يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر بين يديه ، فإذا قعد أخذ المؤذن في الأذان ، فإذا فرغ قام فخطب ، قال : وكان عطاء ينكر أن يكون عثمان أحدث الأذان الثاني ، وقال : إنما أحدثه معاوية . قال الشافعي : وأيهما كان ، فالأذان الذي كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي ينهى الناس عنده عن البيع . ولأصحابه في أذان الجمعة - على قولهم : الأذان سنة - وجهان : أحدهما : أنه سنة - أيضا . والثاني : أنه للجمعة خاصة فرض كفاية . فعلى هذا : هل تسقط الكفاية بالأذان الأول ، أو لا تسقط إلا بالأذان بين يدي الإمام ؟ على وجهين - أيضا . ومن أصحابنا من قال : يسقط الفرض بالأذان الأول ، وفيه نظر . والله أعلم . وقال القاضي أبو يعلى : المستحب أن لا يؤذن إلا أذان واحد ، وهو بعد جلوس الإمام على المنبر ، فإن أذن لها بعد الزوال وقبل جلوس الإمام جاز ، ولم يكره . ثم ذكر حديث السائب بن يزيد هذا . ونقل حرب ، عن إسحاق بن راهويه : أن الأذان الأول للجمعة محدث ، أحدثه عثمان ، رأى أنه لا يسمعه إلا أن يزيد في المؤذنين ، ليعلم الأبعدين ذلك ، فصار سنة ، لأن على الخلفاء النظر في مثل ذلك للناس . وهذا يفهم منه أن ذلك راجع إلى رأي الإمام ، فإن احتاج إليه لكثرة الناس فعله ، وإلا فلا حاجة إليه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الأذان يوم الجمعة · ص 210 باب الأذان يوم الجمعة . أي هذا باب في بيان حكم الأذان يوم الجمعة متى يشرع . 35 - حدثنا آدم قال : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد قال : كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ، فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء . مطابقته للترجمة ظاهرة . ذكر رجاله ، وهم أربعة : آدم بن أبي إياس ، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، والسائب بن يزيد الكندي ابن اخت النمر . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضعين ، وفيه عن السائب ، وفي رواية عقيل عن ابن شهاب أن السائب ابن يزيد أخبره ، وفي رواية يونس : وفيه عن الزهري ، سمعت السائب ، وستأتي هاتان الروايتان عن قريب إن شاء الله تعالى . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الجمعة عن أبي نعيم ، وعن يحيى بن بكير ، وعن محمد بن مقاتل ، وأخرجه أبو داود في الصلاة عن محمد بن سلمة المرادي ، وعن عبد الله بن محمد النفيلي ، وعن هناد بن السري ، وعن محمد بن يحيى بن فارس ، وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع ، وقال : حسن صحيح ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة المرادي به ، وعن محمد بن يحيى ، وعن محمد بن عبد الأعلى ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن يوسف بن موسى القطان ، وعن عبد الله بن سعيد . ذكر معناه : قوله : كان النداء أي : الأذان ، وكذا وقع في رواية ابن خزيمة عن وكيع عن ابن أبي ذئب : كان الأذان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة ، يريد بالأذانين الأذان والإقامة تغليبا أو لاشتراكهما في الإعلام ، وفي رواية لابن خزيمة عن أبي عامر عن ابن أبي ذئب : كان ابتداء النداء الذي ذكره الله تعالى في القرآن يوم الجمعة ، قوله : أوله بالرفع بدل من النداء ، قوله : إذا جلس الإمام على المنبر جملة في محل النصب ؛ لأنها خبر كان ، وفي رواية أبي عامر المذكورة إذا خرج الإمام ، وإذا أقيمت الصلاة ، وكذا في رواية البيهقي من طريق ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب ، وفي رواية النسائي عن سليمان التيمي عن الزهري كان بلال يؤذن إذا جلس النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر ، فإذا نزل أقام ، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر ، وفي رواية أبي داود : كان يؤذن بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على باب المسجد وأبي بكر وعمر ، وكذا في رواية الطبراني ، وفي رواية عبد بن حميد في تفسيره في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعامة خلافة عثمان ، فلما تباعدت المنازل وكثر الناس أمر بالنداء الثالث ، فلم يعب ذلك عليه ، وعيب عليه إتمام الصلاة بمنى . وقال الشافعي رحمه الله : حدثنا بعض أصحابنا عن ابن أبي ذئب ، وفيه : ثم أحدث عثمان الأذان الأول على الزوراء ، وفي ( مصنف عبد الرزاق ) عن ابن جريج قال سليمان بن موسى : أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان رضي الله تعالى عنه ، فقال عطاء : كلا ، إنما كان يدعو الناس دعاء ، ولا يؤذن غير أذان واحد ، وفيه أيضا عن الحسن : النداء الأول يوم الجمعة الذي يكون عند خروج الإمام والذي يكون قبل ذلك محدث ، وكذا قال ابن عمر في رواية عنه : الأذان الأول يوم الجمعة بدعة ، وعن الزهري : أول من أحدث الأذان الأول عثمان ، يؤذن لأهل الأسواق ، وفي لفظ : فأحدث عثمان التأذينة الثالثة على الزوراء ليجتمع الناس ، ووقع في ( تفسير جويبر ) عن الضحاك عن برد بن سنان عن مكحول عن معاذ بن عمر : هو الذي زاد ، فلما كانت خلافة عمر رضي الله تعالى عنه ، وكثر السلمون أمر مؤذنين أن يؤذنا للناس بالجمعة خارجا في المسجد حتى يسمع الناس الأذان ، وأمر أن يؤذن بين يديه كما كان يفعل المؤذن بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين يدي أبي بكر ، ثم قال عمر : أما الأذان الأول فنحن ابتدعناه لكثرة المسلمين ، فهو سنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماضية ، وقيل : إن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج ، وبالبصرة زياد ، قوله : فلما كان عثمان أراد أنه لما صار خليفة ، قوله : وكثر الناس أي : بمدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وصرح به في رواية الماجشون ، وظاهر هذا أن عثمان أمر بذلك في ابتداء خلافته ؛ لكن في رواية أبي حمزة عن يونس عند أبي نعيم في ( المستخرج ) أن ذلك كان بعد مضي مدة خلافته ، قوله : زاد النداء الثالث إنما سمي ثالثا باعتبار كونه مزيدا ؛ لأن الأول هو الأذان عند جلوس الإمام على المنبر ، والثاني هو الإقامة للصلاة عند نزوله ، والثالث عند دخول وقت الظهر ، فإن قلت : هو الأول ؛ لأنه مقدم عليهما . قلت : نعم هو أول في الوجود ، ولكنه ثالث باعتبار شرعيته باجتهاد عثمان ، وموافقة سائر الصحابة له بالسكوت ، وعدم الإنكار فصار إجماعا سكوتيا ، وإنما أطلق الأذان على الإقامة ؛ لأنها إعلام كالأذان ، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - بين كل أذانين صلاة لمن شاء ، ويعني به بين الأذان والإقامة ، وإنما أولناه هكذا حتى لا يلزم أن يكون الأذان ثلاثا ، ولم يكن كذلك ، ولا يلزم أيضا أن يكون في الزمن الأول أذانان ، ولم يكن إلا أذان واحد ، فالأذان الثالث الذي زاده عثمان هو الأول اليوم ، فيكون الأول هو الأذان الذي كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وزمن أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما عند الجلوس على المنبر ، والثاني هو الإقامة ، والثالث الأذان الذي زاده عثمان فأذن به على الزوراء . ذكر ما يستفاد منه : قيل : استدل البخاري بهذا الحديث على الجلوس على المنبر قبل الخطبة ، قال بعضهم : خلافا لبعض الحنفية . وقال صاحب التوضيح : قوله : إذا جلس الإمام على المنبر هذا سنة ، وعليه عامة العلماء خلافا لأبي حنيفة ، كذا قاله ابن بطال ، وتبعه ابن التين وقالا : خالف الحديث . قلت : هما خالفا الحديث حيث نسبا إليه ما لم يقل ؛ لأن مذهبه ما ذكره صاحب الهداية ، وإذا صعد الإمام على المنبر جلس وأذن المؤذنون بين يدي المنبر ، بذلك جرى التوارث ، انتهى . واختلف : إن جلوس الإمام على المنبر قبل الخطبة هل هو للأذان أو لراحة الخطيب ؟ فعلى الأول : لا يسن في العيد ؛ لأنه لا أذان له ، ومما يستفاد منه أن الأذان قبل الخطبة ، وأن الخطبة قبل الصلاة ، ومنه أن التأذين كان بواحد . وقال أبو عمر : اختلف الفقهاء هل يؤذن بين يدي الإمام واحد أو مؤذنون ، فذكر ابن عبد الحكم عن مالك إذا جلس على المنبر ونادى المنادي منع الناس من البيع تلك الساعة ، هذا يدل على أن النداء عنده واحد بين يدي الإمام ، ونص عليه الشافعي ، ويشهد له حديث السائب لم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير مؤذن واحد ، وهذا يحتمل أن يكون أراد بلالا لمواظبته على الأذان دون ابن أم مكتوم وغيره ، وعن ابن القاسم عن مالك : إذا جلس الإمام على المنبر وأخذ المؤذنون في الأذان حرم البيع ، فذكر المؤذنون بلفظ الجماعة ، ويشهد لهذا حديث الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر رضي الله تعالى عنه وجلس على المنبر وأذن المؤذنون الحديث . وهكذا حكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه ، قال ابن عمر : ومعلوم عند الناس أنه جائز أن يكون المؤذنون واحدا وجماعة في كل صلاة إذا كان ذلك مترادفا لا يمنع من إقامة الصلاة في وقتها ، وعن الداودي : كانوا يؤذنون في أسفل المسجد ليسوا بين يدي الإمام ، فلما كان عثمان رضي الله تعالى عنه جعل من يؤذن على الزوراء ، وهي كالصومعة ، فلما كان هشام جعل المؤذنين أو بعضهم يؤذنون بين يديه فصاروا ثلاثة فسمي فعل عثمان ثالثا لذلك . فإن قلت : قد مر عن السائب لم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير مؤذن واحد ، فقد ثبت في الصحيح أن ابن أم مكتوم كان يؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلذلك قال : فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم ، وكان من مؤذنيه أيضا سعد القرظ ، وأبو محذورة ، والحارث الصدائي ، فما التوفيق بين هذه الروايات ؟ قلت : أراد السائب بقوله : لم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير مؤذن واحد يعني في الجمعة ، فلم ينقل أن غيره كان يؤذن للجمعة ، فالذي ورد عنه التأذين يوم الجمعة بلال رضي الله تعالى عنه ، ولم ينقل أن ابن أم مكتوم كان يؤذن للجمعة . وأما سعد القرظ فكان جعله مؤذنا بقباء . وأما أبو محذورة فكان جعله مؤذنا بمكة شرفها الله تعالى . وأما الحارث فإنه تعلم الأذان حتى يؤذن لقومه . ( قال أبو عبد الله : الزوراء موضع بالسوق بالمدينة ) أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، والزوراء بفتح الزاي وسكون الواو بعدها راء ممدودة ، وقد فسرها البخاري بقوله : موضع بالسوق بالمدينة . وقال ابن بطال : هو حجر كبير عند باب المسجد ، قال أبو عبيد : هي ممدودة ، ومتصلة بالمدينة ، وبها كان مال أحيحة بن الجلاح ، وهي التي عنيت بقوله : إني مقيم على الزوراء أعمرها إن الكريم على الإخوان ذو المال وقال أبو عبد الله الحموي : هي قرب الجامع مرتفعة كالمنارة ، ويفرق بينها ، وبين أرض أحيحة ، وفي فتاوى أبي يعقوب الخاصي هي المأذنة ، وفيه نظر ، ولم يكن في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - مأذنة التي يقال لها المنارة ، نعم ، كل موضع مرتفع عال يشبه بالمنارة ، وعند ابن ماجه وابن خزيمة بلفظ : زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها الزوراء ، وعند الطبراني : فأمر بالنداء الأول على دار له يقال لها الزورا .