حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب الأذان يوم الجمعة

باب الأذان يوم الجمعة 912 - حدثنا آدم ، ثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد ، قال : كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر ، على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وَعُمَرَ ، فلما كان عثمان ، وكثر الناس ، زاد النداء الثالث على الزوراء . قال أبو عبد الله : الزوراء : موضع بالسوق بالمدينة . الأذان يوم الجمعة قد ذكره الله تعالى في كتابه ، في قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه ، وإن قيل : إن الأذان سنة ، وهو الذي ذكره ابن أبي موسى من أصحابنا ، وقاله طائفة من الشافعية - أيضا .

وقد دل الحديث على أن الأذان الذي كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر هو النداء الذي بين يدي الإمام عند جلوسه على المنبر ، وهذا لا اختلاف فيه بين العلماء . ولهذا قال أكثرهم : إنه هو الأذان الذي يمنع البيع ، ويوجب السعي إلى الجمعة ، حيث لم يكن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - سواه . وما ذكره ابن عبد البر عن طائفة من أصحابهم ، أن هذا الأذان الذي يمنع البيع لم يكن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما أحدثه هشام بن عبد الملك ، فقد بين ابن عبد البر أن هذا جهل من قائله ، لعدم معرفته بالسنة والآثار .

فإن قال هذا الجاهل : إنه لم يكن أذان بالكلية في الجمعة ، فقد باهت ، ويكذبه قول الله عز وجل : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا وإن زعم أن الأذان الذي كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر هو الأذان الأول الذي قبل خروج الإمام ، فقد أبطل ، ويكذبه هذا الحديث واجتماع العلماء على ذلك . وقوله في هذه الرواية : أوله إذا جلس الإمام على المنبر ، معناه : أن هذا الأذان كان هو الأول ، ثم تليه الإقامة ، وتسمى : أذانا ، كما في الحديث المشهور : بين كل أذانين صلاة . وخرجه النسائي من رواية المعتمر ، عن أبيه ، عن الزهري ، ولفظه : كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر يوم الجمعة ، فإذا نزل أقام ، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر ، فلما زاد عثمان النداء الثالث صار هذا الثالث هو الأول ، وصار الذي بين يدي الإمام هو الثاني .

وقد خرج أبو داود هذا الحديث من طريق ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن السائب ، قال : كان يؤذن بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد ، وأبي بكر وعمر . ففي هذه الرواية زيادة : أن هذا الأذان لم يكن في نفس المسجد ، بل على بابه ، بحيث يسمعه من كان في المسجد ومن كان خارج المسجد ، ليترك أهل الأسواق البيع ويسرعوا إلى السعي إلى المسجد . وقوله : فلما كان عثمان - يريد : لما ولي عثمان - وكثر الناس في زمنه زاد النداء الثالث على الزوراء ، وسماه : ثالثا ؛ لأن به صارت النداءات للجمعة ثلاثة ، وإن كان هو أولها وقوعا .

وخرجه ابن ماجه ، وعنده - بعد قوله : على دار في السوق ، يقال لها : الزوراء - : فإذا خرج أذن ، وإذا نزل أقام . وهو من رواية : ابن إسحاق ، عن الزهري . وروى الزهري ، عن ابن المسيب : معنى حديثه عن السائب بن يزيد ، غير أنه قال : فلما كان عثمان كثر الناس ، فزاد الأذان الأول ، وأراد أن يتهيأ الناس للجمعة .

خرجه عبد الرزاق في كتابه ، عن معمر ، عنه . وقد رواه إسماعيل بن يحيى التميمي - وهو ضعيف جدا - عن مسعر ، عن القاسم ، عن ابن المسيب ، عن أبي أيوب الأنصاري ، قال : ما كان الأذان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة إلا قدام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر ، فإذا نزل أقاموا الصلاة ، فلما ولي عثمان أمر أن يؤذن على المنارة ليسمع الناس . خرجه الإسماعيلي في مسند مسعر ، وقال في القاسم : هو مجهول .

قلت : والصحيح : المرسل . وقد أنكر عطاء الأذان الأول ، وقال : إنما زاده الحجاج ، قال : وإنما كان عثمان يدعو الناس دعاء . خرجه عبد الرزاق .

وقال عمرو بن دينار : إنما زاد عثمان الأذان بالمدينة ، وأما مكة فأول من زاده الحجاج ، قال : ورأيت ابن الزبير لا يؤذن له حتى يجلس على المنبر ، ولا يؤذن له إلا أذان واحد يوم الجمعة . خرجه عبد الرزاق - أيضا . وروى مصعب بن سلام ، عن هشام بن الغاز ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : إنما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد على المنبر أذن بلال ، فإذا فرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - من خطبته أقام الصلاة ، والأذان الأول بدعة .

وروى وكيع في كتابه ، عن هشام بن الغاز ، قال : سألت نافعا عن الأذان يوم الجمعة ؟ فقال : قال ابن عمر : بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وإن رآه الناس حسنا . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لم يكن في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أذانان : أذان حين يجلس على المنبر ، وأذان حين تقام الصلاة . قال : وهذا الأخير شيء أحدثه الناس بعد .

خرجه ابن أبي حاتم . وقال سفيان الثوري : لا يؤذن للجمعة حتى تزول الشمس ، وإذا أذن المؤذن قام الإمام على المنبر فخطب ، وإذا نزل أقام الصلاة ، قال : والأذان الذي كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر أذان وإقامة ، وهذا الأذان الذي زادوه محدث . وقال الشافعي - فيما حكاه ابن عبد البر - : أحب إلي أن يكون الأذان يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر بين يديه ، فإذا قعد أخذ المؤذن في الأذان ، فإذا فرغ قام فخطب ، قال : وكان عطاء ينكر أن يكون عثمان أحدث الأذان الثاني ، وقال : إنما أحدثه معاوية .

قال الشافعي : وأيهما كان ، فالأذان الذي كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي ينهى الناس عنده عن البيع . ولأصحابه في أذان الجمعة - على قولهم : الأذان سنة - وجهان : أحدهما : أنه سنة - أيضا . والثاني : أنه للجمعة خاصة فرض كفاية .

فعلى هذا : هل تسقط الكفاية بالأذان الأول ، أو لا تسقط إلا بالأذان بين يدي الإمام ؟ على وجهين - أيضا . ومن أصحابنا من قال : يسقط الفرض بالأذان الأول ، وفيه نظر . والله أعلم .

وقال القاضي أبو يعلى : المستحب أن لا يؤذن إلا أذان واحد ، وهو بعد جلوس الإمام على المنبر ، فإن أذن لها بعد الزوال وقبل جلوس الإمام جاز ، ولم يكره . ثم ذكر حديث السائب بن يزيد هذا . ونقل حرب ، عن إسحاق بن راهويه : أن الأذان الأول للجمعة محدث ، أحدثه عثمان ، رأى أنه لا يسمعه إلا أن يزيد في المؤذنين ، ليعلم الأبعدين ذلك ، فصار سنة ، لأن على الخلفاء النظر في مثل ذلك للناس .

وهذا يفهم منه أن ذلك راجع إلى رأي الإمام ، فإن احتاج إليه لكثرة الناس فعله ، وإلا فلا حاجة إليه .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث