حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد مكانه

باب لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد مكانه 911 - حدثنا محمد بن سلام ، ثنا مخلد ، أنا ابن جريج : سمعت نافعا يقول : سمعت ابن عمر يقول : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقيم الرجل الرجل من مقعده ، ثم يجلس فيه . قلت لنافع : الجمعة ؟ قال : الجمعة وغيرها . وقد خرجه البخاري في مواضع متعددة ، وفي بعضها زيادة : ولكن تفسحوا وتوسعوا .

وخرج مسلم من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه ، ولكن يقول : افسحوا . وخرج الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ، ولكن افسحوا يفسح الله لكم . وروى ابن أبي حاتم بإسناده ، عن مقاتل بن حيان ، قال : أنزلت هذه الآية - يعني : قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا - في يوم جمعة ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ في الصفة ، وفي المكان ضيق ، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فجاء أناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجالس ، فقاموا حيال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلموا عليه ، ثم سلموا على القوم ، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم ، فلم يفسح لهم ، فشق ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار - من غير أهل بدر - : قم أنت يا فلان ، وأنت يا فلان ، فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه ، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه ، وعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - الكراهة في وجوههم ، وتكلم في ذلك المنافقون ، فبلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : رحم الله رجلا فسح لأخيه ، فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعا ، فيفسح القوم لإخوانهم ، ونزلت الآية يوم الجمعة .

فظاهر هذا : يدل على أن إقامة الجالس نسخ بهذه الآية ، وانتهى الأمر إلى التفسح المذكور فيها . وقال قتادة : كان هذا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومن حوله خاصة . يشير إلى إقامة الجالسين ليجلس غيرهم ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك إكراما لأهل الفضائل والاستحقاق ، وغيره لا يؤمن عليه أن يفعله بالهوى .

ويستثنى من ذلك : الصبي ، إذا كان في الصف ، وجاء رجل ، فله أن يؤخره ويقوم مقامه ، كما فعله أبي بن كعب بقيس بن عباد ، وقد ذهب إليه الثوري وأحمد ، وقد تقدم ذلك . فإن كان الذي في الصف رجلا ، وكان أعرابيا أو جاهلا ، لم يجز تأخيره من موضعه . قال أحمد : لا أرى ذلك .

وفي سنن أبي داود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحق به . واستثنى بعض الشافعية - أيضا - ثلاث صور ، وهي : أن يقعد في موضع الإمام ، أو طريق الناس ، ويمنعهم الاجتياز ، أو بين يدي الصف مستقبل القبلة . ويستثنى من ذلك : أن يكون المتأخر قد أرسل من يأخذ له موضعا في الصف ، فإذا جاء قام الجالس وجلس الباعث فيه .

وقد ذكره الشافعي وأصحابنا وغيرهم . وروي عن ابن سيرين ، أنه كان يفعله . وأما إن قام أحد من الصف تبرعا وآثر الداخل بمكانه ، فهل يكره ذلك ، أم لا ؟ إن انتقل إلى مكان أفضل منه لم يكره ، وإن انتقل إلى ما دونه فكرهه الشافعية .

وقال أحمد فيمن تأخر عن الصف الأول ، وقدم أباه فيه : هو يقدر أن يبر أباه بغير هذا . وظاهره : الكراهة ، وأنه يكره الإيثار بالقرب . وأما الموثر ، فهل يكره له أن يجلس في المكان الذي أوثر به ؟ فيه قولان مشهوران .

أشهرهما : لا يكره ، وهو قول أصحابنا والشافعية وغيرهم . والثاني : يكره ، وكان ابن عمر لا يفعل ذلك ، وكذلك أبو بكرة . وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر ، قال : جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام له رجل من مجلسه ، فذهب ليجلس فيه ، فنهاه النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وخرج أحمد وأبو داود من حديث أبي بكر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - معناه - أيضا . ولو بادر رجل وسبق الموثر إلى المكان ، فهل هو أحق به من الموثر ، أم لا ؟ فيه وجهان لأصحابنا وغيرهم . وأما من فسح له في مجلس أو صف ، فلا يكره له الجلوس فيه .

وفي مراسيل خالد بن معدان ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا جاء أحدكم إلى المجلس ، فوسع له ، فليجلس ؛ فإنها كرامة . خرجه حميد بن زنجويه . فإن كان في جلوسه تضييق على الناس ، أو لم يصل إلى المكان إلا بالتخطي ، فلا يفعل .

وقد روي عن أبي سعيد الخدري ، أنه أوذن بجنازة في قومه ، فتخلف حتى جاء الناس وأخذوا المجالس ، ثم جاء بعد ، فلما رآه القوم توسعوا له ، فقال : لا ؛ إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن خير المجالس أوسعها ، ثم تنحى فجلس في مجلس واسع . وخرج أبو داود منه المرفوع فقط . وروى الخرائطي - بإسناد فيه جهالة - عن أبي هريرة - مرفوعا - : لا توسع المجالس إلا لثلاثة : لذي علم لعلمه ، وذي سن لسنه ، وذي سلطان لسلطانه .

ودخل خالد بن ثابت الفهمي المسجد يوم الجمعة ، وقد امتلأ من الشمس ، فرآه بعض من في الظل ، فأشار إليه ليوسع له ، فكره أن يتخطى الناس إلى ذلك الظل ، وتلا : وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ثم جلس في الشمس . خرجه حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث