باب المؤذن الواحد يوم الجمعة
باب المؤذن الواحد يوم الجمعة 913 - حدثنا أبو نعيم ، ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد ، أن الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان ، حين كثر أهل المدينة ، ولم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - غير مؤذن واحد ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام - يعني : على المنبر . قوله : ولم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - إلا مؤذن واحد - يعني : في الجمعة ؛ فإن في غير الجمعة كان له مؤذنان ، كما سبق في الأذان . وقد قيل : إنه يحتمل أن يكون مراد السائب : أنه لم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة إلا تأذين واحد ، فعبر بالمؤذن عن الأذان - : ذكره الإسماعيلي .
وهذا يرده قوله : فزاد عثمان النداء الثالث ، فإنه يدل على أنه كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - أذانان - يعني : الأذان والإقامة - والمؤذن الواحد في الجمعة . وقد تقدم في رواية النسائي لحديث السائب بن يزيد ، ويفهم من حديث ابن عمر - أيضا . وخرج ابن ماجه من رواية عبد الرحمن بن سعد بن عمار : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن جده - وهو : سعد القرظ - أنه كان يؤذن يوم الجمعة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الفيء مثل الشراك .
وهذا إسناد ضعيف ، ضعفه ابن معين وغيره . وإنما كان سعد يؤذن بقباء في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن بقباء جمعة . وقد حكى ابن عبد البر اختلافا بين العلماء في الأذان يوم الجمعة بين يدي الإمام : هل يكون من مؤذن واحد ، أو مؤذنين ؟ فذكر من رواية ابن عبد الحكم ، عن مالك ، أنه قال : إذا جلس الإمام على المنبر ، ونادى المنادي منع الناس من البيع .
قال : وهذا يدل على أن النداء عنده واحد بين يدي الإمام . وفي المدونة من قول ابن القاسم ، وروايته عن مالك : إذا جلس الإمام على المنبر ، وأخذ المؤذنون في الأذان حرم البيع . فذكر المؤذنين بلفظ الجماعة .
قال : ويشهد لهذا حديث مالك ، عن ابن شهاب ، عن ثعلبة بن أبي مالك ، أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر ، فإذا خرج وجلس على المنبر وأخذ المؤذنون . هكذا بلفظ الجماعة . قال : ومعلوم عند العلماء أنه جائز أن يكون المؤذنون واحدا وجماعة في كل صلاة ، إذا كان ذلك مترادفا ، لا يمنع من إقامة الصلاة في وقتها .
وذكر من كلام الشافعي ، أنه قال : إذا قعد الإمام أخذ المؤذنون في الأذان . ومن كلام الطحاوي في مختصره : حكاية قول أبي حنيفة وأصحابه : إذا جلس الإمام على المنبر ، وأذن المؤذنون بين يديه - بلفظ الجمع . ووقع في كلام الخرقي من أصحابنا : وأخذ المؤذنون في الأذان - بلفظ الجمع .
وقال مكحول : إن النداء كان في الجمعة مؤذن واحد حين يخرج الإمام ، ثم تقام الصلاة ، فأمر عثمان أن ينادى قبل خروج الإمام حتى يجتمع الناس . خرجه ابن أبي حاتم . قال حرب : قلت لأحمد : فالأذان يوم الجمعة إذا أذن على المنارة عدة ؟ قال : لا بأس بذلك ، قد كان يؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - بلال وابن أم مكتوم ، وجاء أبو محذورة وقد أذن رجل قبله ، فأذن أبو محذورة .
وظاهر هذا : أنه لو أذن على المنارة مؤذن بعد مؤذن جاز ، وهذا قبل خروج الإمام . وقال القاضي أبو يعلى : يستحب أن يكون المؤذن للجمعة واحدا ، فإن أذن أكثر من واحد جاز ، ولم يكره . ومراده : إذا أذنوا دفعة واحدة بين يدي الإمام ، أو أذنوا قبل خروجه تترى ، فأما إن أذنوا بعد جلوسه على المنبر ، مرة بعد مرة ، فلا شك في كراهته ، وأنه لم يعلم وقوعها في الإسلام قط .
وكذا قال كثير من أصحاب الشافعي : إنه يستحب أن يكون للجمعة أذان واحد عند المنبر ، ويستحب أن يكون المؤذن واحدا ؛ لأنه لم يكن يؤذن للجمعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بلال . ونقل المحاملي هذا الكلام عن الشافعي ، والذي نقله البويطي عن الشافعي يخالف ذلك ؛ فإنه نقل عنه ، أنه قال : النداء للجمعة هو الذي يكون والإمام على المنبر ، يكون المؤذنون يستفتحون الأذان فوق المنارة جملة حين يجلس الإمام على المنبر ، ليسمع الناس فيؤوبون إلى المسجد . وهذا تصريح بأنهم يكونون جماعة ، وأنهم يؤذنون على المنارة لإسماع الناس ، لا بين يدي المنبر في المسجد .
وقد خرج البخاري في صحيحه هذا في باب : رجم الحبلى ، من حديث ابن عباس ، قال : جلس عمر على المنبر يوم الجمعة ، فلما سكت المؤذنون قام ، فأثنى على الله - وذكر الحديث . وروي عن المغيرة بن شعبة ، أنه كان له في الجمعة مؤذن واحد . وخرج الإمام أحمد من رواية ابن إسحاق ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد ، يكتبون من جاء ، فإذا أذن وجلس الإمام على المنبر طووا الصحف ، ودخلوا المسجد يستمعون الذكر .
وهذا لفظ غريب . وروى عبد الرزاق بإسناده ، عن موسى بن طلحة ، قال : رأيت عثمان بن عفان جالسا على المنبر في يوم الجمعة ، والمؤذنون يؤذنون يوم الجمعة ، وهو يسأل الناس عن أسعارهم وأخبارهم . ويحتمل أن يكون مراد من قال : المؤذن - بلفظ الإفراد - : الجنس ، لا الواحد ، فلا يبقى فيه دلالة على كونه واحدا .