30- بَاب الْقَعْدَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ 928- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْقَعْدَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : لَمْ يُصَرِّحْ بِحُكْمِ التَّرْجَمَةِ لِأَنَّ مُسْتَنَدَ ذَلِكَ الْفِعْلُ وَلَا عُمُومَ لَهُ اهـ . وَلَا اخْتِصَاصَ بِذَلِكَ لِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِحُكْمِ غَيْرِهَا مِنْ أَحْكَامِ الْجُمُعَةِ ، وَظَاهِرُ صَنِيعِهِ أَنَّهُ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا كَمَا يَقُولُ بِهِ فِي أَصْلِ الْخُطْبَةِ . قَوْلُهُ : ( يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُهُمَا قَائِمًا ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَبْلُ بِبَابَيْنِ وَلَفْظُهُ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ وَلِلنَّسَائِيِّ ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ قَائِمًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ وَغَفَلَ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ فَعَزَا هَذَا اللَّفْظَ لِلصَّحِيحَيْنِ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ : كَانَ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَلَا يَتَكَلَّمُ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا أَنَّ حَالَ الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ لَا كَلَامَ فِيهِ ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ أَوْ يَدْعُوَهُ سِرًّا . وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي إِيجَابِ الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ لِمُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى ثُبُوتِ أَنَّ إِقَامَةَ الْخُطْبَتَيْنِ دَاخِلٌ تَحْتَ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ ، وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ . وَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مَحْكِيٌّ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا فِي رِوَايَةٍ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ نَقَلَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ عَارَضَ الشَّافِعِيَّ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاظَبَ عَلَى الْجُلُوسِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ الْأُولَى ، فَإِنْ كَانَتْ مُوَاظَبَتُهُ دَلِيلًا عَلَى شَرْطِيَّةِ الْجِلْسَةِ الْوُسْطَى فَلْتَكُنْ دَلِيلًا عَلَى شَرْطِيَّةِ الْجِلْسَةِ الْأُولَى ، وَهَذَا مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ جُلَّ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَيْسَتْ فِيهَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ الْأُولَى وَهِيَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ الْمُضَعَّفِ فَلَمْ تَثْبُتِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا ، بِخِلَافِ الَّتِي بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ . وَقَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي : لَمْ يُوجِبْهَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِأَنَّهَا جِلْسَةٌ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فَلَمْ تَجِبْ ، وَقَدَّرَهَا مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهَا بِقَدْرِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ وَبِقَدْرِ مَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ . وَاخْتُلِفَ فِي حِكْمَتِهَا فَقِيلَ : لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ ، وَقِيلَ : لِلرَّاحَةِ وَعَلَى الْأَوَّلِ - وَهُوَ الْأَظْهَرُ - يَكْفِي السُّكُوتُ بِقَدْرِهَا ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ أَيْضًا فِيمَنْ خَطَبَ قَاعِدًا لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ . وَقَدْ أَلْزَمَ الطَّحَاوِيُّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ أَنْ يُوجِبَ الْقِيَامَ فِي الْخُطْبَتَيْنِ ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اقْتَصَرَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ وَاحِدٍ . وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْقَعْدَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ · ص 471 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب القعدة بين الخطبتين يوم الجمعة · ص 228 باب القعدة بين الخطبتين يوم الجمعة أي هذا باب في بيان القعدة الكائنة بين الخطبتين يوم الجمعة ، إنما لم يبين حكم هذه القعدة هل هي واجبة أم سنة ؛ لأن الحديث حكاية حال ولا عموم له . 51 - حدثنا مسدد قال : حدثنا بشر بن المفضل قال : حدثنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب خطبتين يقعد بينهما . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأنه يدل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقعد بين الخطبتين . ورجاله قد تكرر ذكرهم ، ورواه مسلم عن عبيد الله بن عمر القواريري ، والنسائي عن إسماعيل بن مسعود ، وابن ماجه عن يحيى بن خلف ، ورواه النسائي أيضا من رواية عبد الرزاق بلفظ كان يخطب خطبتين بينهما جلسة ، وفي لفظ مرتين مكان خطبتين ، ورواه أبو داود من رواية عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب خطبتين ، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ أراه المؤذن ، ثم يقوم فيخطب ، ثم يجلس ولا يتكلم ، ثم يقوم فيخطب ، واستدل به على مشروعية الجلوس بين الخطبتين ، ولكن هل هو على سبيل الوجوب أو على سبيل الندب ؟ فذهب الشافعي إلى أن ذلك على سبيل الوجوب ، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنها سنة ، وليست بواجبة كجلسة الاستراحة في الصلاة عند من يقول باستحبابها . وقال ابن عبد البر : ذهب مالك والعراقيون وسائر فقهاء الأمصار إلا الشافعي إلى أن الجلوس بين الخطبتين سنة لا شيء على من تركها ، وذهب بعض الشافعية إلى أن المقصود الفصل ، ولو بغير الجلوس حكاه صاحب ( الفروع ) ، وقيل : الجلسة بعينها ليست معتبرة ، وإنما المعتبر حصول الفصل سواء حصل بجلسة أو بسكتة أو بكلام من غير ما هو فيه . وقال القاضي ابن كج : إن هذا الوجه غلط . وقال ابن قدامة : هي مستحبة للاتباع ، وليست بواجبة في قول أكثر أهل العلم ؛ لأنها جلسة ليس فيها ذكر مشروع فلم تكن واجبة ، وفي ( التوضيح ) : وصرح إمام الحرمين بأن الطمأنينة بينهما واجبة ، وهو خفيف جدا قدر قراءة سورة الإخلاص تقريبا ، وفي وجه شاذ : يكفي السكوت في حق القائم ؛ لأنه فصل ، وذكر ابن التين أن مقدارها كالجلسة بين السجدتين ، وعزاه لابن القاسم ، وجزم الرافعي وغيره أن يكون بقدر سورة الإخلاص ، وحكي وجه بوجوب هذا المقدار ، حكاه الرافعي عن رواية الروياني ، ولفظ الروياني : ولا يجوز أقل من ذلك نص عليه . وقال ابن بطال : حديث الباب دال على السنية ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله ، ولم يقل لا يجزيه غيره ؛ لأن البياض فرض عليه . وقال الطحاوي : لم يقل بوجوب الجلوس بين الخطبتين غير الشافعي ، قيل : حكى القاضي عياض عن مالك رواية كمذهب الشافعي . قلت : ليست هذه الرواية عنه صحيحة . وقال الكرماني : وفي الحديث أن خطبة الجمعة خطبتان ، وفيه الجلوس بينهما لاستراحة الخطيب ، ونحوها ، وهما واجبتان لقوله - صلى الله عليه وسلم - : صلوا كما رأيتموني أصلي . قلت : هذا أصل لا يتناول الخطبة ؛ لأنها ليست بصلاة حقيقة . وقال أحمد : روي عن أبي إسحاق أنه قال : رأيت عليا يخطب على المنبر فلم يجلس حتى فرغ ، وفي ( شرح الترمذي ) : وفيه اشتراط خطبتين لصحة الجمعة ، وهو قول الشافعي وأحمد في روايته المشهورة عنه ، وعند الجمهور : يكتفى بخطبة واحدة ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وابن المنذر ، وهو رواية عن أحمد .