36- بَاب الْإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَإِذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَا . وَقَالَ سَلْمَانُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ 934- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ جَعَلَ وُجُوبَ الْإِنْصَاتِ مِنْ خُرُوجِ الْإِمَامِ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ يُخْرِجُ مَا قَبْلَ خُطْبَتِهِ مِنْ حِينِ خُرُوجِهِ وَمَا بَعْدَهُ إِلَى أَنْ يَشْرَعَ فِي الْخُطْبَةِ : نَعَمِ الْأَوْلَى أَنْ يُنْصِتَ كَمَا تَقَدَّمَ التَّرْغِيبُ فِيهِ فِي بَابِ فَضْلِ الْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ وَأَمَّا حَالُ الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ فَحَكَى صَاحِبُ الْمُغْنِي عَنِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ قَوْلَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ خَاطِبٍ ، أَوْ أَنَّ زَمَنَ سُكُوتِهِ قَلِيلٌ فَأَشْبَهَ السُّكُوتَ لِلتَّنَفُّسِ . قَوْلُهُ : ( وَإِذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَا ) هُوَ كَلَفْظِ حَدِيثِ الْبَابِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ، وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنِ اللَّيْثِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ وَلَفْظُهُ مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَا وَالْمُرَادُ بِالصَّاحِبِ مَنْ يُخَاطِبُهُ بِذَلِكَ مُطْلَقًا ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الصَّاحِبَ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سَلْمَانُ ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ الدَّهْنِ لِلْجُمُعَةِ وَقَوْلُهُ يُنْصِتُ بِضَمِّ الْأُولَى عَلَى الْأَفْصَحِ وَيَجُوزُ الْفَتْحُ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : يُقَالُ أَنْصَتَ وَنَصَتَ وَانْتَصَتْ ، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : الْمُرَادُ بِالْإِنْصَاتِ السُّكُوتُ عَنْ مُكَالَمَةِ النَّاسِ دُونَ ذِكْرِ اللَّهِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ حَالَ الْخُطْبَةِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ السُّكُوتُ مُطْلَقًا وَمَنْ فَرَّقَ احْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَجْوِيزِ التَّحِيَّةِ لِدَلِيلِهَا الْخَاصِّ جَوَازُ الذِّكْرِ مُطْلَقًا . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ ) هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، وَرَوَاهُ شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ عَنْ أَبِيهِ فَقَالَ عَنْ عَقِيلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالطَّرِيقَانِ مَعًا صَحِيحَانِ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ ، عَنِ اللَّيْثِ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهِمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ . قَوْلُهُ : ( يَوْمَ الْجُمُعَةِ ) مَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَفِيهِ بَحْثٌ . قَوْلُهُ : ( فَقَدْ لَغَوْتَ ) قَالَ الْأَخْفَشُ : اللَّغْوُ الْكَلَامُ الَّذِي لَا أَصْلَ لَهُ مِنَ الْبَاطِلِ وَشَبَهِهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ : اللَّغْوُ السَّقْطُ مِنَ الْقَوْلِ ، وَقِيلَ : الْمَيْلُ عَنِ الصَّوَابِ ، وَقِيلَ : اللَّغْوُ الْإِثْمُ كَقولِهِ تعالى : وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ اتَّفَقَتْ أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ اللَّغْوَ مَا لَا يَحْسُنُ مِنَ الْكَلَامِ . وَأَغْرَبَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبِ فَقَالَ : مَعْنَى لَغَا تَكَلَّمَ ، كَذَا أَطْلَقَ . وَالصَّوَابُ التَّقْيِيدُ . وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ : مَعْنَى لَغَوْتُ خِبْتُ مِنَ الْأَجْرِ ، وَقِيلَ بَطَلَتْ فَضِيلَةُ جُمُعَتِكَ ، وَقِيلَ صَارَتْ جُمُعَتُكَ ظُهْرًا . قُلْتُ : أَقْوَالُ أَهْلِ اللُّغَةِ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى ، وَيَشْهَدُ لِلْقَوْلِ الْأَخِيرِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَمَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَحَدُ رُوَاتِهِ : مَعْنَاهُ أَجْزَأَتْ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَحُرِمَ فَضِيلَةَ الْجُمُعَةِ . وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا مَنْ قَالَ صَهٍ فَقَدْ تَكَلَّمَ ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا جُمُعَةَ لَهُ وَلِأَبِي دَاوُدَ نَحْوُهُ ، وَلِأَحْمَدَ ، وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَالْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ أَنْصِتْ لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ وَلَهُ شَاهِدٌ قَوِيٌّ فِي جَامِعِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَاهُ لَا جُمُعَةَ لَهُ كَامِلَةً لِلْإِجْمَاعِ عَلَى إِسْقَاطِ فَرْضِ الْوَقْتِ عَنْهُ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِ مَنْ جَوَّزَ الْكَلَامَ فِي الْخُطْبَةِ أَنَّهُ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ فَقَدْ لَغَوْتَ أَيْ أَمَرْتَ بِالْإِنْصَاتِ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ جُمُودٌ شَدِيدٌ ، لِأَنَّ الْإِنْصَاتَ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي مَطْلُوبِيَّتِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ أَمَرَ بِمَا طَلَبَهُ الشَّرْعُ لَاغِيًا ، بَلِ النَّهْيُ عَنِ الْكَلَامِ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِدَلَالَةِ الْمُوَافَقَةِ ، لِأَنَّهُ إِذَا جَعَلَ قَوْلَهُ أَنْصِتْ مَعَ كَوْنِهِ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ لَغْوًا فَغَيْرُهُ مِنَ الْكَلَامِ أَوْلَى أَنْ يُسَمَّى لَغْوًا . وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَقَدْ لَغَوْتَ : عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَنْعِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ حَالَ الْخُطْبَةِ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ فِي حَقِّ مَنْ سَمِعَهَا ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَسْمَعُهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ . قَالُوا : وَإِذَا أَرَادَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ فَلْيَجْعَلْهُ بِالْإِشَارَةِ . وَأَغْرَبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا إِلَّا عَنْ قَلِيلٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَلَفْظُهُ : لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا فِي الْجُمُعَةِ . وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ سَمِعَهُ مِنَ الْجُهَّالِ يَتَكَلَّمُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ : أَنْصِتْ ، وَنَحْوَهَا ، أَخْذًا بِهَذَا الْحَدِيثِ . وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَنَاسٍ قَلِيلٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا فِي حِينِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ فِي الْخُطْبَةِ خَاصَّةً ، قَالَ : وَفِعْلُهُمْ فِي ذَلِكَ مَرْدُودٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَحْسَنُ أَحْوَالِهِمْ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمُ الْحَدِيثَ . قُلْتُ : لِلشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَبَنَاهُمَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ بَدَلٌ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ أَمْ لَا ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَحْرُمُ لَا عَلَى الثَّانِي ، وَالثَّانِي هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ ، فَمِنْ ثَمَّ أَطْلَقَ مَنْ أَطْلَقَ مِنْهُمْ إِبَاحَةَ الْكَلَامِ حَتَّى شَنَّعَ عَلَيْهِمْ مَنْ شَنَّعَ مِنَ الْمُخَالِفِينَ . وَعَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا رِوَايَتَانِ ، وَعَنْهُمَا أَيْضًا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَنْ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ وَمَنْ لَا يَسْمَعُهَا ، وَلِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمُ الْجُمُعَةُ فَيَجِبُ عَلَيْهِمُ الْإِنْصَاتُ دُونَ مَنْ زَادَ فَجَعَلَهُ شَبِيهًا بِفُرُوضِ الْكِفَايَةِ . وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ إِذَا خَطَبَ بِمَا لَا يَنْبَغِي مِنَ الْقَوْلِ ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ مِنَ الْكَلَامِ حَالَ الْخُطْبَةِ . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَنْ نَفَى وُجُوبَهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ . وَيَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ فِي حَقِّ السَّامِعِ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الْمُشَارِ إِلَيْهِ آنِفًا وَمَنْ دَنَا فَلَمْ يُنْصِتْ كَانَ عَلَيْهِ كِفْلَانِ مِنَ الْوِزْرِ لِأَنَّ الْوِزْرَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَنْ فَعَلَ مُبَاحًا . وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ ، وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ أَجَازَ مُطْلَقًا مِنْ قِصَّةِ السَّائِلِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ فَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِالْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُخَصَّ عُمُومُ الْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَأَمْرٍ عَارِضٍ فِي مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ ، كَمَا خَصَّ بَعْضُهُمْ مِنْهُ رَدَّ السَّلَامِ لِوُجُوبِهِ . وَنَقَلَ صَاحِبُ الْمُغْنِي الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ يَجُوزُ فِي الْخُطْبَةِ كَتَحْذِيرِ الضَّرِيرِ مِنَ الْبِئْرِ ، وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ : وَإِذَا خَافَ عَلَى أَحَدٍ لَمْ أَرَ بَأْسًا إِذَا لَمْ يُفْهَمْ عَنْهُ بِالْإِيمَاءِ أَنْ يَتَكَلَّمَ . وَقَدِ اسْتَثْنَى مِنَ الْإِنْصَاتِ فِي الْخُطْبَةِ مَا إِذَا انْتَهَى الْخَطِيبُ إِلَى كُلِّ مَا لَمْ يُشْرَعْ مِثْلِ الدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ مَثَلًا ، بَلْ جَزَمَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ بِأَنَّ الدُّعَاءَ لِلسُّلْطَانِ مَكْرُوهٌ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَحَلُّهُ مَا إِذَا جَازَفَ وَإِلَّا فَالدُّعَاءُ لِوُلَاةِ الْأُمُورِ مَطْلُوبٌ اهـ . وَمَحَلُّ التَّرْكِ إِذَا لَمْ يَخَفِ الضَّرَرَ ، وَإِلَّا فَيُبَاحُ لِلْخَطِيبِ إِذَا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَإِذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَا · ص 480 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب وإذا قال لصاحبه أنصت فقد لغا · ص 495 36 - باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب وإذا قال لصاحبه : أنصت فقد لغا وقال سلمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : وينصت إذا تكلم الإمام . حديث سلمان ، خرجه البخاري فيما تقدم في موضعين .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب وإذا قال لصاحبه أنصت فقد لغا · ص 495 934 – حدثنا يحيى بن بكير ، نا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب : أخبرني سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة أخبره ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة : أنصت - والإمام يخطب - فقد لغوت . حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قلت لصاحبك : أنصت ، فقد لغوت . هذا الحديث الثاني ، يوجد في بعض روايات هذا الكتاب ، ولا يوجد في أكثرها . الفضل في الجمعة ، وحصول التكفير بها مشروط بشروط ، منها : أن يدنو من الإمام ، ويستمع وينصت ، ولا يلغو . وقد ورد ذلك في أحاديث متعددة ، قد ذكرنا بعضها فيما تقدم . و اللغو : هو الكلام الباطل المهدر ، الذي لا فائدة فيه . ومنه : لغو اليمين ، وهو ما لا يعبأ به ولا ينعقد . ومنه : قوله تعالى : وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا وقوله : لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث الأمر بالإنصات في حال الخطبة لغوا ، وإن كان أمر بمعروف ونهيا عن منكر ، فدل على أن كل كلام يشغل عن الاستماع والإنصات فهو في حكم اللغو ، وإنما يسكت المتكلم بالإشارة . وكان ابن عمر يشير إليه ، وتارة يحصبه بالحصى . وكره علقمة رميه بالحصى . ولا خلاف في جواز الإشارة إليه بين العلماء ، إلا ما حكي عن طاوس وحده ، ولا يصح ؛ لأن الإشارة في الصلاة جائزة ، ففي حال الخطبة أولى . وروى أنس ، أن رجلا دخل المسجد والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة ، فقال : يا رسول الله ، متى الساعة ؟ فأشار الناس إليه أن اسكت ، فسأله ثلاث مرات ، كل ذلك يشيرون إليه أن اسكت ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ويحك ، ما أعددت لها - وذكر الحديث . خرجه البيهقي وغيره . ولا يستثنى من ذلك إلا ما لا بد منه ، مما يجوز قطع الصلاة لأجله ، كتحذير الأعمى من الوقوع في بئر ونحوه . فأما رد السلام وتشميت العاطس ، ففيه اختلاف سبقت الإشارة إليه ، وكذلك حكم كلام الإمام ومن يكلمه لمصلحة . وأجمع العلماء على أن الأفضل لمن سمع خطبة الإمام أن ينصت ويستمع ، وأنه أفضل ممن يشتغل عن ذلك بذكر الله في نفسه ، أو تلاوة قرآن أو دعاء . قال عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قلت لعطاء : أسبح في يوم الجمعة وأهلل ، وأنا أعقل الخطيب ؟ قال : لا ، إلا الشيء اليسير ، واجعله بينك وبين نفسك . وروى بإسناده ، عن طاوس ، قال : إذا كان الإمام على المنبر فلا يدع أحد بشيء ، ولا يذكر الله ، إلا أن يذكر الإمام . وقول مالك كقول عطاء - : ذكره في تهذيب المدونة . وروى حرب بإسناده ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، قال : سألت علقمة : متى يكره الكلام يوم الجمعة ؟ قال : إذا خرج الإمام ، وإذا خطب الإمام . قلت : فكيف ترى في رجل يقرأ في نفسه ؟ قال : لعل ذلك لا يضره ، إن شاء الله . قال سفيان : ذاك إذا لم يسمع الخطبة . وروي عن سعيد بن جبير والنخعي : الرخصة في القراءة والإمام يخطب . ولعله إذا لم يسمع الخطبة أو إذا تكلم الإمام بما لا يجوز استماعه . وكره الأوزاعي لمن سمع الخطبة أن يتشهد ، وقال : قد جهل ، ولم تذهب جمعته . واختلفوا : في الإمام إذا صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة : هل يوافقه المأموم ؟ فقالت طائفة : يصلي المأموم على النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفسه ، وهو قول مالك وأبي يوسف وأحمد وإسحاق . واستدلوا : بأن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - خصوصا يوم الجمعة متأكدة الاستحباب ، ومختلف في وجوبها كلما ذكر ، فيشرع الإتيان بها في حال الخطبة عند ذكره ، لأن سببها موجود ، فهو كالتأمين على دعاء الإمام ، وأولى . وقال بعض الشافعية : إذا قرأ الإمام : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ الآية ، جاز للمأموم أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويرفع بها صوته . وقالت طائفة : بل ينصت ، وهو قول سفيان وأبي حنيفة ومحمد والليث بن سعد ومالك - في رواية - والشافعي . وقال الأوزاعي : ينبغي للإمام إذا صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة أن يسكت حتى يصلي الناس ، فإن لم يسكت فأنصت ، وأمن على دعائه . واختلفوا فيمن لم يسمع الخطبة لبعده : هل يذكر الله ويقرأ القرآن في نفسه ، أو ينصت ؟ على قولين : أحدهما : يذكر الله في نفسه ويقرأ ، وهو قول علقمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق . وقولهم هذا شبه قول الأكثرين في قراءة المأموم إذا لم يسمع قراءته . والثاني : أنه ينصت ولا يتكلم بشيء ، وهو قول الزهري والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة . واستدلوا بقول عثمان : إن للمنصت الذي لا يسمع مثل ما للسامع المنصت . خرجه مالك في الموطأ . وقالت طائفة : من لا يسمع لا إنصات عليه ، بل يباح له الكلام ، وهو قول عروة بن الزبير ، وطائفة من أصحاب الشافعي . وأومأ إليه أحمد ، فإنه قال : يشرب الماء إذا لم يسمع الخطبة . واختاره القاضي أبو يعلى من أصحابنا . وقال ابن عقيل منهم : له أن يقرئ القرآن ، ويذاكر بالعلم . وهو بعيد ؛ فإن رفع الصوت ربما منع من أقرب منه إلى الإمام ممن يسمع من السماع ، بخلاف الذكر في نفسه والقراءة . واختلفوا : هل إنصات من سمع الخطبة واجب ، وكلامه في تلك الحال محرم ، أو هو مكروه فقط ، فلا يأثم به ؟ على قولين : أحدهما : أنه محرم ، وهو قول الأكثرين ، منهم : الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي - في القديم - وأحمد - في المشهور عنه . والمنقول عن أكثر السلف يشهد له . وقال عطاء ومجاهد : الإنصات يوم الجمعة واجب . وقد أمر ابن مسعود بقرع رأس المتكلم بالعصى ، وكان ابن عمر يحصبه بالحصباء . وروي عنه أنه قال : المتكلم لا جمعة له ، ولمن أجابه : أنت حمار . وقال ابن مسعود وغيره لمن تكلم في جمعة : هذا حظك من صلاتك . ويدل على تحريمه : قول الله تعالى : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا وقد تقدم قول الإمام أحمد : أجمعوا أنها نزلت في الصلاة والخطبة . ولأن الخطبة وجبت في الجمعة تذكيرا للناس وموعظة لهم ، فإذا لم يجب استماعها لم تبق فائدة في وجوبها في نفسها ؛ فإن إيجاب المتكلم بما لا يجب استماعه يصير لغوا لا فائدة له . وفي مسند الإمام أحمد من حديث مجالد ، عن الشعبي ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا ، والذي يقول له : أنصت ، لا جمعة له . وإنما شبهه بالحمار يحمل أسفارا ، لأن الحمار لا ينتفع من حمله الأسفار بشيء ، فكذلك من لم يستمع الإمام يوم الجمعة . وهذا المثل ضربه الله لليهود الذين لم ينتفعوا بشيء من علمهم ، وليس لنا مثل السوء ، ولا التشبه بمن ذمه الله من أهل الكتاب قبلنا ، فيما ذموا عليه . وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من دنا من الإمام فلغا ، ولم يستمع ولم ينصت ، كان له كفل من الوزر ، ومن قال له : مه ، فقد لغا ، ومن لغا فلا جمعة له . والقول الثاني : أنه مكروه غير محرم ، وهو قول الشافعي - الجديد - وحكي رواية عن أحمد . واختلف من قال بتحريمه : هل تبطل به الجمعة ؟ فحكي عن طائفة أنه تبطل به الجمعة . قال عطاء الخراساني وعكرمة : من لغا فلا جمعة له . وقال الأوزاعي : من تكلم عمدا صارت جمعته ظهرا ، ومن تكلم ساهيا لم يتره الله فضلها ، إن شاء الله تعالى . وزعم بعضهم أن قول الأوزاعي هذا يخالف الإجماع ، وليس كذلك ، ولم يرد الأوزاعي أنه يصلي ظهرا ، إنما أراد أن ثواب جمعته يفوته ، ويبقى له فضل صلاة الظهر ، وتبرأ ذمته منها . وكذلك قال فيمن قال كتابا والإمام يخطب ، قال : ذاك حظه من جمعته ، ولم يأمره بإعادة الصلاة . وكذلك قال فيمن شرب الماء والإمام يخطب . وقد روي في أحاديث متعددة مرسلة ، وبعضها متصلة الأسانيد ، وفيها ضعف ، أن من لغا لا جمعة له ، وأن ذلك حظه منها . والمراد : أنه يفوته ثواب الجمعة ، وبذلك فسره عطاء وابن وهب - صاحب مالك . وقال إسحاق : يخشى عليه فوات الأجر . قال عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء : يقال : من تكلم فكلامه حظه من الجمعة - يقول : من أجر الجمعة ، فأما أن يوفي أربعا ، فلا . وقال - أيضا - : قلت لعطاء : هل تعلم شيئا يقطع جمعة الإنسان ، حتى يجب أن يصلي أربعا ، من كلام أو تخطي رقاب الناس ، أو شيء غير ذلك ؟ قال : لا . وكذا قال الحسن والزهري ، فيمن تكلم والإمام يخطب : يصلي ركعتين . وقال الثوري : يستغفر الله ، ويصلي . ولا يصح عن أحد خلاف ذلك . والله أعلم . واختلفوا : متى يجب الإنصات يوم الجمعة ؟ فقال الجمهور : بشروع الإمام في الخطبة ، وهو المروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وكانوا يفعلونه في زمانه ، وروي عن سعد بن أبي وقاص وابن عباس . وقالت طائفة : ينقطع بخروج الإمام ، وإن لم يتكلم ، كما تنقطع الصلاة بخروجه ، وهو قول طائفة من الكوفيين ، منهم : الحكم ، وحكي عن أبي حنيفة ، وروي عن ابن عمر وابن عباس . وقد خرج البخاري حديث سلمان الفارسي في الإنصات بلفظين : في أحدهما : ذكر خروج الإمام ، وفي الآخر : ذكر كلامه . فمن الناس من قال : رواية الخروج مطلقة ، تحتمل حالة الكلام وغيرها ، ورواية الكلام مقيدة فتقضي على المطلقة . ومنهم من قال : إن الرواية المطلقة إنما دلت على إثبات فضل ترك الكلام بالخروج ، لا على منعه وتحريمه . واستحب عطاء : أن يتكلم من حضر الجمعة قبل أن يخطب الإمام . وذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء : قال : إذا خرج الإمام يوم الجمعة فافصل بكلام قبل أن يخطب . قلت : سلم الإمام ، فرددت عليه أيكون ذلك فصلا ؟ قال : إني أحب أن تزيد - أيضا - بكلام ، السلام في القرآن . يعني : أن السلام لا يكفي في الفصل ؛ لأنه مما في القرآن ، والمقصود : الفصل بكلام من كلام الآدميين . وهذا قول غريب . واختلفوا : إلى أي وقت ينتهي النهي عن الكلام ؟ فقال الجمهور : ينتهي بفراغ الإمام من الخطبتين ، ويجوز الكلام مع نزوله ، وبين الصلاة والخطبة . وقالت طائفة : ينتهي النهي إلى الدخول في الصلاة . وقد سبق ذكر ذلك عند ذكر الكلام بين الإقامة والصلاة بما يغني عن إعادته هاهنا . واتفقوا على أن النهي عن الكلام يستمر ما دام يتكلم بما يشرع التكلم به في الخطبة ، من حمد الله والثناء ، والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقراءة القرآن ، والموعظة وغير ذلك . وحكى ابن عبد البر عن طائفة ، منهم : الشعبي وأبو بردة ، أنه لا ينهى عن الكلام إلا في حال قراءة القرآن خاصة ، ويجوز في غيرها . وهذا لا يصح عنهم ، وسنذكر وجه ما روي عنهم فيما بعد - إن شاء الله تعالى . ولو شرع الإمام في خطبته في كلام مباح أو مستحب كالدعاء ، فإنه يستمع له وينصت ، وهذا قول جمهور العلماء ، منهم : عطاء وغيره . ولأصحابنا ثلاثة أوجه : أحدها : تحريم الكلام في الحالين . والثاني : لا يحرم . والثالث : إن كان مستحبا كالدعاء حرم الكلام معه ، وإن كان مباحا لم يحرم . فأما إن تكلم بكلام محرم ، كبدعة أو كسب السلف ، كما كان يفعله بنو أمية ، سوى عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليه - فقالت طائفة : يلحق بالخطب وينصت له ، روي عن عمرو بن مرة وقتادة . والأكثرون على خلاف ذلك ، منهم : الشعبي وسعيد بن جبير وأبو بردة وعطاء والنخعي والزهري وعروة والليث بن سعد . وهو الصحيح ؛ فإن الله تعالى يقول : وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ الآية ، وما كان محرما حرم استماعه والإنصات إليه ، ووجب التشاغل عنه كسماع الغناء وآلات اللهو ، ونحو ذلك . ولعل قول عمرو بن مرة وقتادة في كلام مباح لا في محرم . وفي بطلان الخطبة بالكلام المحرم قبل فراغ أركان الخطبة وجهان لأصحابنا ، كالوجهين لهم في بطلان الأذان بالكلام المحرم في أثنائه . وفي جواز الكلام في جلوس الإمام بين الخطبتين وجهان لأصحابنا والشافعية ، ومنعه أصحاب مالك . وهذا كله في حق الجالس في المسجد من حين خروج الإمام ، فأما من دخل المسجد في حال الخطبة ، فقال طائفة : إنما يمتنع عليه الكلام إذا جلس وأخذ مجلسه ، وما دام يمشي فله أن يتكلم ويكلم من معه ، وهذا قول الزهري وقتادة والثوري والشافعي . وعموم قوله : إذا قلت لصاحبك : أنصت - والإمام يخطب - فقد لغوت ، يشمل القائم والقاعد والماشي .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب وإذا قال لصاحبه أنصت فقد لغا · ص 239 باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب ، وإذا قال لصاحبه أنصت فقد لغا أي هذا باب في بيان حكم الإنصات يوم الجمعة في حالة خطبة الإمام ، قوله : والإمام يخطب جملة حالية ذكرها للإشعار بأن الإنصات قبل شروع الإمام فيها لا يجب خلافا لقوم في ذلك ، ولكن الأولى الإنصات من وقت خروج الإمام ، قوله : وإذا قال لصاحبه أنصت فقد لغا من جملة الترجمة ، وهو لفظ حديث الباب في بعض طرقه ، وهي رواية النسائي عن قتيبة ، عن الليث ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قال الرجل لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغا ، وبهذا السند روى الترمذي عن قتيبة عن الليث إلى آخره ، ولفظه من قال يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغا ، قوله : لصاحبه المراد به جليسه ، وقيل : الذي يخاطبه بذلك مطلقا ، وإنما أطلق عليه الصاحب باعتبار أنه صاحبه في الخطاب أو الجلوس . قوله : أنصت أمر من أنصت ينصت إنصاتا ، وقال أبو المعاني في ( المنتهى ) : نصت ينصت إذا سكت ، وأنصت لغتان ، أي : استمع ، يقال : أنصته ، وأنصت له ، وينشد . إذا قالت حذام فأنصتوها ويروى : فصدقوها ، وفي ( المحكم ) : أنصت : أعلى ، والنصتة الاسم من الإنصات ، وفي ( الجامع ) والرجل ناصت ، ومنصت ، وفي ( المجمل ) ، و( المغرب ) الإنصات السكوت للاستماع ، وأنشد الراغب في المجالسات . السمع للإنصات والإنصات للأذن وقد مر عن قريب باب الاستماع إلى الخطبة ، وقد ذكرنا هناك أن الاستماع هو الإصغاء ، ويعلم الفرق بين الاستماع والإنصات مما ذكرنا الآن ، فلذلك ذكر البخاري ترجمة للاستماع وترجمة للإنصات ، قوله : فقد لغا اللغو واللغاء : السقط وما لا يعتد به من كلام وغيره ، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع ، واللغو في الأيمان لا والله ، وبلى والله ، وقيل : معناه الإثم ، ولغا في القول يلغو ، ويلغى لغوا ، ولغا لغا وملغاة : أخطا ، ولغا يلغو لغوا : تكلم ، ذكره ابن سيده ، وفي ( الجامع ) : اللغو الباطل تقول لغيت ألغى لغيا ولغى بمعنى ، ولغا الطائر يلغو لغوا إذا صوت ، وفي ( التهذيب ) لغوت اللغو وألغى ولغى ثلاث لغات ، واللغو كل ما لا يجوز . وقال الأخفش : اللغو الساقط من القول ، وقيل : الميل عن الصواب . وقال النضر بن شميل : معنى لغوت : خبت من الأجر ، وقيل : بطلت فضيلة جمعتك ، وقيل : صارت جمعتك ظهرا ، وقيل : تكلمت بما لا ينبغي . ( وقال سلمان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ينصت إذا تكلم الإمام ) . هذا التعليق قطعة من حديث سلمان الذي أخرجه في باب الدهن للجمعة ، وفي باب لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب وإذا قال لصاحبه أنصت فقد لغا · ص 239 57 - حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد تكرر ذكرهم ، وعقيل بضم العين هو ابن خالد الأيلي ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري . وأخرجه مسلم في الصلاة عن قتيبة ، ومحمد بن رمح كلاهما عن الليث عنه به ، وعن عبد الملك بن شعيب عن الليث بن سعد عن أبيه عن جده عن عقيل عن الزهري ، ورواه أبو داود عن القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت ، وأخرجه الترمذي عن قتيبة عن الليث عن عقيل عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من قال يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغا ، وأخرجه النسائي أيضا عن قتيبة عن الليث إلى آخره ، وقد ذكرناه في أول الباب ، وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن شبابة بن سوار عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت . ولما روى الترمذي حديثه قال : وفي الباب عن ابن أبي أوفى ، وجابر بن عبد الله ، أما حديث ابن أبي أوفى فرواه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) من رواية إبراهيم بن السكسكي قال : سمعت ابن أبي أوفى قال : ثلاث من سلم منهن غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ؛ من أن يحدث حدثا يعني أذى ، أو أن يتكلم ، أو أن يقول صه ، ورجاله ثقات ، وهذا وإن كان موقوفا فمثله لا يقال من قبل الرأي ، فحكمه الرفع . وأما حديث جابر رضي الله تعالى عنه فرواه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) ، والبزار وأبو يعلى في ( مسنديهما ) من رواية مجالد بن سعيد عن عامر عن جابر قال : قال سعد لرجل يوم الجمعة : لا صلاة لك . قال : فذكر ذلك الرجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله إن سعدا قال : لا صلاة لك ، فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - لم يا سعد ؟ قال : إنه كان يتكلم وأنت تخطب ، قال : صدق سعد اللفظ لابن أبي شيبة . وقال أبو يعلى والبزار : سمعت سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه ، ومجالد ضعفه الجمهور . قلت : وفي الباب عن ابن عباس ، وأبي ذر ، وأبي الدرداء ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عمرو ، وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم . أما حديث ابن عباس فرواه أحمد ، والبزار في ( مسنديهما ) ، والطبراني في ( الكبير ) من رواية مجالد عن عامر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارا ، والذي يقول له أنصت ليس له جمعة . وأما حديث أبي ذر وأبي الدرداء فرواهما الطبراني من رواية أنس بن عياض عن شريك عن عطاء بن يسار عن أبي الدرداء وأبي ذر ، قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة على المنبر سورة ، فغمز أبو الدرداء أبي بن كعب ، فقال : متى أنزلت هذه السورة فإني لم أسمعها إلا الآن ؟ فأشار إليه أن اسكت ، فلما انصرفوا قال أبي : ليس لك من صلاتك إلا ما لغوت ، فأخبر أبو الدرداء النبي - صلى الله عليه وسلم - بما قال أبي ، فقال : صدق أبي . وأما حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فرواه ابن أبي شيبة في ( المصنف ) ، والطبراني في ( الكبير ) من رواية الركين بن الربيع عن أبيه عن عبد الله قال : كفى لغوا إذا صعد الإمام المنبر أن تقول لصاحبك أنصت ، ورجاله ثقات فهو في حكم المرفوع ؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي . وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود ، حدثنا مسدد وأبو كامل قالا : حدثنا يزيد عن حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يحضر الجمعة ثلاثة نفر ؛ رجل حضرها يلغو فهو حظه منها ، ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله عز وجل إن شاء أعطاه ، وإن شاء منعه ، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ، ولم يتخط رقبة مسلم ، ولم يؤذ أحدا فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها ، وزيادة ثلاثة أيام ، وذلك بأن الله تعالى يقول : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا . وأما حديث علي فأخرجه أحمد مرفوعا : ومن قال صه فقد تكلم ، ومن تكلم فلا جمعة له . قوله : لصاحبك المراد منه الجليس ، كما ذكرنا ، قوله : والإمام يخطب جملة حالية ، قوله : فقد لغوت قد مر تفسيره ، قال الكرماني : وفي بعض الروايات لغيت ، وظاهر القرآن يقتضي هذه اللغة ، قال الله تعالى : وَالْغَوْا فِيهِ وهذا من لغى يلغي ؛ إذ لو كان من لغى يلغو لقال والغُوا بضم الغين . ومما يستفاد منه : أن فيه النهي عن جميع الكلام حال الخطبة ، ونبه بهذا على ما سواه ؛ لأنه إذا قال أنصت ، وهو في الأصل أمر بمعروف ، وسماه لغوا ، فغيره أولى ، قيل : ذلك لأن الخطبة أقيمت مقام الركعتين ، فكما لا يجوز التكلم في المنوب لا يجوز في النائب ، وقد استقصينا الكلام فيه في باب الاستماع إلى الخطبة . وقال النووي : وقوله : والإمام يخطب دليل على أن وجوب الإنصات والنهي عن الكلام إنما هو في حال الخطبة ، وهذا مذهبنا ، ومذهب مالك ، والجمهور . وقال أبو حنيفة يجب الإنصات بخروج الإمام ، قلت : أخرجه ابن شيبة في ( مصنفه ) عن علي ، وابن عباس ، وابن عمر رضي الله عنهم أنهم كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الإمام .