باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب وإذا قال لصاحبه أنصت فقد لغا
حدثنا يحيى بن بكير ، نا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب : أخبرني سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة أخبره ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة : أنصت - والإمام يخطب - فقد لغوت . حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قلت لصاحبك : أنصت ، فقد لغوت . هذا الحديث الثاني ، يوجد في بعض روايات هذا الكتاب ، ولا يوجد في أكثرها .
الفضل في الجمعة ، وحصول التكفير بها مشروط بشروط ، منها : أن يدنو من الإمام ، ويستمع وينصت ، ولا يلغو . وقد ورد ذلك في أحاديث متعددة ، قد ذكرنا بعضها فيما تقدم . و اللغو : هو الكلام الباطل المهدر ، الذي لا فائدة فيه .
ومنه : لغو اليمين ، وهو ما لا يعبأ به ولا ينعقد . ومنه : قوله تعالى : وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا وقوله : لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث الأمر بالإنصات في حال الخطبة لغوا ، وإن كان أمر بمعروف ونهيا عن منكر ، فدل على أن كل كلام يشغل عن الاستماع والإنصات فهو في حكم اللغو ، وإنما يسكت المتكلم بالإشارة . وكان ابن عمر يشير إليه ، وتارة يحصبه بالحصى .
وكره علقمة رميه بالحصى . ولا خلاف في جواز الإشارة إليه بين العلماء ، إلا ما حكي عن طاوس وحده ، ولا يصح ؛ لأن الإشارة في الصلاة جائزة ، ففي حال الخطبة أولى . وروى أنس ، أن رجلا دخل المسجد والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة ، فقال : يا رسول الله ، متى الساعة ؟ فأشار الناس إليه أن اسكت ، فسأله ثلاث مرات ، كل ذلك يشيرون إليه أن اسكت ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ويحك ، ما أعددت لها - وذكر الحديث .
خرجه البيهقي وغيره . ولا يستثنى من ذلك إلا ما لا بد منه ، مما يجوز قطع الصلاة لأجله ، كتحذير الأعمى من الوقوع في بئر ونحوه . فأما رد السلام وتشميت العاطس ، ففيه اختلاف سبقت الإشارة إليه ، وكذلك حكم كلام الإمام ومن يكلمه لمصلحة .
وأجمع العلماء على أن الأفضل لمن سمع خطبة الإمام أن ينصت ويستمع ، وأنه أفضل ممن يشتغل عن ذلك بذكر الله في نفسه ، أو تلاوة قرآن أو دعاء . قال عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قلت لعطاء : أسبح في يوم الجمعة وأهلل ، وأنا أعقل الخطيب ؟ قال : لا ، إلا الشيء اليسير ، واجعله بينك وبين نفسك . وروى بإسناده ، عن طاوس ، قال : إذا كان الإمام على المنبر فلا يدع أحد بشيء ، ولا يذكر الله ، إلا أن يذكر الإمام .
وقول مالك كقول عطاء - : ذكره في تهذيب المدونة . وروى حرب بإسناده ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، قال : سألت علقمة : متى يكره الكلام يوم الجمعة ؟ قال : إذا خرج الإمام ، وإذا خطب الإمام . قلت : فكيف ترى في رجل يقرأ في نفسه ؟ قال : لعل ذلك لا يضره ، إن شاء الله .
قال سفيان : ذاك إذا لم يسمع الخطبة . وروي عن سعيد بن جبير والنخعي : الرخصة في القراءة والإمام يخطب . ولعله إذا لم يسمع الخطبة أو إذا تكلم الإمام بما لا يجوز استماعه .
وكره الأوزاعي لمن سمع الخطبة أن يتشهد ، وقال : قد جهل ، ولم تذهب جمعته . واختلفوا : في الإمام إذا صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة : هل يوافقه المأموم ؟ فقالت طائفة : يصلي المأموم على النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفسه ، وهو قول مالك وأبي يوسف وأحمد وإسحاق . واستدلوا : بأن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - خصوصا يوم الجمعة متأكدة الاستحباب ، ومختلف في وجوبها كلما ذكر ، فيشرع الإتيان بها في حال الخطبة عند ذكره ، لأن سببها موجود ، فهو كالتأمين على دعاء الإمام ، وأولى .
وقال بعض الشافعية : إذا قرأ الإمام : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ الآية ، جاز للمأموم أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويرفع بها صوته . وقالت طائفة : بل ينصت ، وهو قول سفيان وأبي حنيفة ومحمد والليث بن سعد ومالك - في رواية - والشافعي . وقال الأوزاعي : ينبغي للإمام إذا صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة أن يسكت حتى يصلي الناس ، فإن لم يسكت فأنصت ، وأمن على دعائه .
واختلفوا فيمن لم يسمع الخطبة لبعده : هل يذكر الله ويقرأ القرآن في نفسه ، أو ينصت ؟ على قولين : أحدهما : يذكر الله في نفسه ويقرأ ، وهو قول علقمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق . وقولهم هذا شبه قول الأكثرين في قراءة المأموم إذا لم يسمع قراءته . والثاني : أنه ينصت ولا يتكلم بشيء ، وهو قول الزهري والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة .
واستدلوا بقول عثمان : إن للمنصت الذي لا يسمع مثل ما للسامع المنصت . خرجه مالك في الموطأ . وقالت طائفة : من لا يسمع لا إنصات عليه ، بل يباح له الكلام ، وهو قول عروة بن الزبير ، وطائفة من أصحاب الشافعي .
وأومأ إليه أحمد ، فإنه قال : يشرب الماء إذا لم يسمع الخطبة . واختاره القاضي أبو يعلى من أصحابنا . وقال ابن عقيل منهم : له أن يقرئ القرآن ، ويذاكر بالعلم .
وهو بعيد ؛ فإن رفع الصوت ربما منع من أقرب منه إلى الإمام ممن يسمع من السماع ، بخلاف الذكر في نفسه والقراءة . واختلفوا : هل إنصات من سمع الخطبة واجب ، وكلامه في تلك الحال محرم ، أو هو مكروه فقط ، فلا يأثم به ؟ على قولين : أحدهما : أنه محرم ، وهو قول الأكثرين ، منهم : الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي - في القديم - وأحمد - في المشهور عنه . والمنقول عن أكثر السلف يشهد له .
وقال عطاء ومجاهد : الإنصات يوم الجمعة واجب . وقد أمر ابن مسعود بقرع رأس المتكلم بالعصى ، وكان ابن عمر يحصبه بالحصباء . وروي عنه أنه قال : المتكلم لا جمعة له ، ولمن أجابه : أنت حمار .
وقال ابن مسعود وغيره لمن تكلم في جمعة : هذا حظك من صلاتك . ويدل على تحريمه : قول الله تعالى : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا وقد تقدم قول الإمام أحمد : أجمعوا أنها نزلت في الصلاة والخطبة . ولأن الخطبة وجبت في الجمعة تذكيرا للناس وموعظة لهم ، فإذا لم يجب استماعها لم تبق فائدة في وجوبها في نفسها ؛ فإن إيجاب المتكلم بما لا يجب استماعه يصير لغوا لا فائدة له .
وفي مسند الإمام أحمد من حديث مجالد ، عن الشعبي ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا ، والذي يقول له : أنصت ، لا جمعة له . وإنما شبهه بالحمار يحمل أسفارا ، لأن الحمار لا ينتفع من حمله الأسفار بشيء ، فكذلك من لم يستمع الإمام يوم الجمعة . وهذا المثل ضربه الله لليهود الذين لم ينتفعوا بشيء من علمهم ، وليس لنا مثل السوء ، ولا التشبه بمن ذمه الله من أهل الكتاب قبلنا ، فيما ذموا عليه .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من دنا من الإمام فلغا ، ولم يستمع ولم ينصت ، كان له كفل من الوزر ، ومن قال له : مه ، فقد لغا ، ومن لغا فلا جمعة له . والقول الثاني : أنه مكروه غير محرم ، وهو قول الشافعي - الجديد - وحكي رواية عن أحمد . واختلف من قال بتحريمه : هل تبطل به الجمعة ؟ فحكي عن طائفة أنه تبطل به الجمعة .
قال عطاء الخراساني وعكرمة : من لغا فلا جمعة له . وقال الأوزاعي : من تكلم عمدا صارت جمعته ظهرا ، ومن تكلم ساهيا لم يتره الله فضلها ، إن شاء الله تعالى . وزعم بعضهم أن قول الأوزاعي هذا يخالف الإجماع ، وليس كذلك ، ولم يرد الأوزاعي أنه يصلي ظهرا ، إنما أراد أن ثواب جمعته يفوته ، ويبقى له فضل صلاة الظهر ، وتبرأ ذمته منها .
وكذلك قال فيمن قال كتابا والإمام يخطب ، قال : ذاك حظه من جمعته ، ولم يأمره بإعادة الصلاة . وكذلك قال فيمن شرب الماء والإمام يخطب . وقد روي في أحاديث متعددة مرسلة ، وبعضها متصلة الأسانيد ، وفيها ضعف ، أن من لغا لا جمعة له ، وأن ذلك حظه منها .
والمراد : أنه يفوته ثواب الجمعة ، وبذلك فسره عطاء وابن وهب - صاحب مالك . وقال إسحاق : يخشى عليه فوات الأجر . قال عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء : يقال : من تكلم فكلامه حظه من الجمعة - يقول : من أجر الجمعة ، فأما أن يوفي أربعا ، فلا .
وقال - أيضا - : قلت لعطاء : هل تعلم شيئا يقطع جمعة الإنسان ، حتى يجب أن يصلي أربعا ، من كلام أو تخطي رقاب الناس ، أو شيء غير ذلك ؟ قال : لا . وكذا قال الحسن والزهري ، فيمن تكلم والإمام يخطب : يصلي ركعتين . وقال الثوري : يستغفر الله ، ويصلي .
ولا يصح عن أحد خلاف ذلك . والله أعلم . واختلفوا : متى يجب الإنصات يوم الجمعة ؟ فقال الجمهور : بشروع الإمام في الخطبة ، وهو المروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وكانوا يفعلونه في زمانه ، وروي عن سعد بن أبي وقاص وابن عباس .
وقالت طائفة : ينقطع بخروج الإمام ، وإن لم يتكلم ، كما تنقطع الصلاة بخروجه ، وهو قول طائفة من الكوفيين ، منهم : الحكم ، وحكي عن أبي حنيفة ، وروي عن ابن عمر وابن عباس . وقد خرج البخاري حديث سلمان الفارسي في الإنصات بلفظين : في أحدهما : ذكر خروج الإمام ، وفي الآخر : ذكر كلامه . فمن الناس من قال : رواية الخروج مطلقة ، تحتمل حالة الكلام وغيرها ، ورواية الكلام مقيدة فتقضي على المطلقة .
ومنهم من قال : إن الرواية المطلقة إنما دلت على إثبات فضل ترك الكلام بالخروج ، لا على منعه وتحريمه . واستحب عطاء : أن يتكلم من حضر الجمعة قبل أن يخطب الإمام . وذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء : قال : إذا خرج الإمام يوم الجمعة فافصل بكلام قبل أن يخطب .
قلت : سلم الإمام ، فرددت عليه أيكون ذلك فصلا ؟ قال : إني أحب أن تزيد - أيضا - بكلام ، السلام في القرآن . يعني : أن السلام لا يكفي في الفصل ؛ لأنه مما في القرآن ، والمقصود : الفصل بكلام من كلام الآدميين . وهذا قول غريب .
واختلفوا : إلى أي وقت ينتهي النهي عن الكلام ؟ فقال الجمهور : ينتهي بفراغ الإمام من الخطبتين ، ويجوز الكلام مع نزوله ، وبين الصلاة والخطبة . وقالت طائفة : ينتهي النهي إلى الدخول في الصلاة . وقد سبق ذكر ذلك عند ذكر الكلام بين الإقامة والصلاة بما يغني عن إعادته هاهنا .
واتفقوا على أن النهي عن الكلام يستمر ما دام يتكلم بما يشرع التكلم به في الخطبة ، من حمد الله والثناء ، والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقراءة القرآن ، والموعظة وغير ذلك . وحكى ابن عبد البر عن طائفة ، منهم : الشعبي وأبو بردة ، أنه لا ينهى عن الكلام إلا في حال قراءة القرآن خاصة ، ويجوز في غيرها . وهذا لا يصح عنهم ، وسنذكر وجه ما روي عنهم فيما بعد - إن شاء الله تعالى .
ولو شرع الإمام في خطبته في كلام مباح أو مستحب كالدعاء ، فإنه يستمع له وينصت ، وهذا قول جمهور العلماء ، منهم : عطاء وغيره . ولأصحابنا ثلاثة أوجه : أحدها : تحريم الكلام في الحالين . والثاني : لا يحرم .
والثالث : إن كان مستحبا كالدعاء حرم الكلام معه ، وإن كان مباحا لم يحرم . فأما إن تكلم بكلام محرم ، كبدعة أو كسب السلف ، كما كان يفعله بنو أمية ، سوى عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليه - فقالت طائفة : يلحق بالخطب وينصت له ، روي عن عمرو بن مرة وقتادة . والأكثرون على خلاف ذلك ، منهم : الشعبي وسعيد بن جبير وأبو بردة وعطاء والنخعي والزهري وعروة والليث بن سعد .
وهو الصحيح ؛ فإن الله تعالى يقول : وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ الآية ، وما كان محرما حرم استماعه والإنصات إليه ، ووجب التشاغل عنه كسماع الغناء وآلات اللهو ، ونحو ذلك . ولعل قول عمرو بن مرة وقتادة في كلام مباح لا في محرم . وفي بطلان الخطبة بالكلام المحرم قبل فراغ أركان الخطبة وجهان لأصحابنا ، كالوجهين لهم في بطلان الأذان بالكلام المحرم في أثنائه .
وفي جواز الكلام في جلوس الإمام بين الخطبتين وجهان لأصحابنا والشافعية ، ومنعه أصحاب مالك . وهذا كله في حق الجالس في المسجد من حين خروج الإمام ، فأما من دخل المسجد في حال الخطبة ، فقال طائفة : إنما يمتنع عليه الكلام إذا جلس وأخذ مجلسه ، وما دام يمشي فله أن يتكلم ويكلم من معه ، وهذا قول الزهري وقتادة والثوري والشافعي . وعموم قوله : إذا قلت لصاحبك : أنصت - والإمام يخطب - فقد لغوت ، يشمل القائم والقاعد والماشي .