بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 12 ) كِتَاب صَلَاةِ الْخَوْفِ 1- باب صلاة الخوف وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا 942- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : سَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَعْنِي صَلَاةَ الْخَوْفِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ نَجْدٍ ، فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ ، فَصَافَفْنَا لَهُمْ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي لَنَا ، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي ، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ ، وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ ، فَجَاءُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ . قَوْلُهُ : ( أَبْوَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ ) ثَبَتَ لَفْظُ أَبْوَابٍ لِلْمُسْتَمْلِي ، وَأَبِي الْوَقْتِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ بَابٌ بِالْإِفْرَادِ ، وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ثَبَتَ سِيَاقُ الْآيَتَيْنِ بِلَفْظِهِمَا إِلَى قَوْلِهِ : ( مَهِينًا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ ، وَاقْتَصَرَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ عَلَى مَا هُنَا وَقَالَ : إِلَى قَوْلِهِ : عَذَابًا مُهِينًا وَأَمَّا أَبُو ذَرٍّ فَسَاقَ الْأُولَى بِتَمَامِهَا وَمِنَ الثَّانِيَةِ إِلَى قَوْلِهِ : ( مَعَكَ ) ثُمَّ قَالَ إِلَى قَوْلِهِ عَذَابًا مُهِينًا قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : ذَكَرَ صَلَاةَ الْخَوْفِ إثْرَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْخَمْسِ ، لَكِنْ خَرَجَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ قِيَاسِ حُكْمِ بَاقِي الصَّلَوَاتِ ، وَلَمَّا كَانَ خُرُوجُ الْجُمُعَةِ أَخَفَّ قَدَّمَهُ تِلْوَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، وَعَقَّبَهُ بِصَلَاةِ الْخَوْفِ لِكَثْرَةِ الْمُخَالَفَةِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ شِدَّةِ الْخَوْفِ ، وَسَاقَ الْآيَتَيْنِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مُشِيرًا إِلَى أَنَّ خُرُوجَ صَلَاةِ الْخَوْفِ عَنْ هَيْئَةِ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ قَوْلًا وَبِالسُّنَّةِ فِعْلًا . انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَلَمَّا كَانَتِ الْآيَتَانِ قَدِ اشْتَمَلَتَا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقَصْرِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَعَلَى كَيْفِيَّتِهَا سَاقَهُمَا مَعًا وَآثَرَ تَخْرِيجَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِقُوَّةِ شَبَهِ الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِيهِ بِالْآيَةِ . وَمَعْنَى قولِهِ تَعَالَى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ أَيْ سَافَرْتُمْ ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْقَصْرَ مُخْتَصٌّ بِالسَّفَرِ وَهُوَ كَذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنْ خِفْتُمْ فَمَفْهُومُهُ اخْتِصَاصُ الْقَصْرِ بِالْخَوْفِ أَيْضًا ، وَقَدْ سَأَلَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ الصَّحَابِيُّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ ذَلِكَ فَذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، فَثَبَتَ الْقَصْرُ فِي الْأَمْنِ بِبَيَانِ السُّنَّةِ وَاخْتُلِفَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي الْحَضَرِ فَمَنَعَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَخْذًا بِالْمَفْهُومِ أَيْضًا وَأَجَازَهُ الْبَاقُونَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَقَدْ أَخَذَ بِمَفْهُومِهِ أَبُو يُوسُفَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ اللُّؤْلُؤِيُّ مِنْ أَصْحَابِهِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عُلَيَّةَ ، وَحُكِيَ عَنِ الْمُزَنِيِّ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَعُمُومُ مَنْطُوقِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى ذَلِكَ الْمَفْهُومِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ : شَرْطُ كَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمْ إِنَّمَا وَرَدَ لِبَيَانِ الْحُكْمِ لَا لِوُجُودِهِ ، وَالتَّقْدِيرُ : بَيَّنْ لَهُمْ بِفِعْلِكَ لِكَوْنِهِ أَوْضَحَ مِنَ الْقَوْلِ . ثُمَّ إِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ عُذْرٍ طَرَأَ عَلَى الْعِبَادَةِ فَهُوَ عَلَى التَّسَاوِي كَالْقَصْرِ ، وَالْكَيْفِيَّةُ وَرَدَتْ لِبَيَانِ الْحَذَرِ مِنَ الْعَدُوِّ ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ . وَقَالَ الزَّيْنُ الْمُنِيرُ : الشَّرْطُ إِذَا خَرَجَ مَخْرَجِ التَّعْلِيمِ لَا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ كَالْخَوْفِ فِي قولِهِ تعالى : أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : كَانَ أَبُو يُوسُفَ قَدْ قَالَ مَرَّةً : لَا تُصَلَّى صَلَاةُ الْخَوْفِ بَعْدَ رَسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَعَمَ أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا صَلَّوْهَا مَعَهُ لِفَضْلِ الصَّلَاةِ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدَنَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَدْ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ يَعِيبُهُ وَيَقُولُ : إِنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَتْ أَفْضَلَ مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ النَّاسِ جَمِيعًا إِلَّا أَنَّهُ يَقْطَعُهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ خَلْفَ غَيْرِهِ انْتَهَى . وَسَيَأْتِي سَبَبُ النُّزُولِ وَبَيَانُ أَوَّلِ صَلَاةٍ صُلِّيَتْ فِي الْخَوْفِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( عَنِ الزُّهْرِيِّ سَأَلْتُهُ ) الْقَائِلُ هُوَ شُعَيْبٌ وَالْمَسْئُولُ هُوَ الزُّهْرِيُّ وَهُوَ الْقَائِلُ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَوَقَعَ بِخَطِّ بَعْضِ مَنْ نَسَخَ الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : سَأَلْتُهُ فَأَثْبَتَ قَالَ ظَنًّا أَنَّهَا حُذِفَتْ خَطَأً عَلَى الْعَادَةِ ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ ، وَيَكُونُ حُذِفَ فَاعِلُ قَالَ ، لَا أَنَّ الزُّهْرِيَّ هُوَ الَّذِي قَالَ : وَالْمُتَّجَهُ حَذْفُهَا وَتَكُونُ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةً أَيْ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ حَالَ سُؤَالِي إِيَّاهُ . وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّةَ عَنْ شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ ، وَأَخْرَجَهُ السَّرَّاجُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَزَادَ فِيهِ وَلَفْظُهُ سَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْخَوْفِ أَمْ لَا ؟ وَكَيْفَ صَلَّاهَا إِنْ كَانَ صَلَّاهَا ؟ وَفِي أَيِّ مَغَازِيهِ كَانَ ذَلِكَ ؟ فَأَفَادَ بَيَانَ الْمَسْئُولِ عَنْهُ وَهُوَ صَلَاةُ الْخَوْفِ . قَوْلُهُ : ( غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِبَلَ نَجْدٍ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَةَ نَجْدٍ ، وَنَجْدٌ كُلُّ مَا ارْتَفَعَ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الْغَزْوَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنَ الْمَغَازِي . قَوْلُهُ : ( فَوَازَيْنَا ) بِالزَّايِ أَيْ قَابَلْنَا ، قَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ : يُقَالُ آزَيْتُ ، يَعْنِي بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ لَا بِالْوَاوِ . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَصْلَهُ الْهَمْزَةُ فَقُلِبَتْ وَاوًا . قَوْلُهُ : ( فَصَافَفْنَاهُمْ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالسَّرَخْسِيِّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ وَقَوْلِهِ فَصَلَّى لَنَا أَيْ لِأَجْلِنَا أَوْ بِنَا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ ) أَيْ فَقَامُوا فِي مَكَانِهِمْ ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ بَقِيَّةَ الْمَذْكُورَةِ ، وَلِمَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَّلُوا وَلَا يُسَلِّمُونَ وَسَيَأْتِي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّفْسِيرِ . قَوْلُهُ : ( رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ) زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَ نِصْفِ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَفِي قَوْلِهِ مِثْلَ نِصْفِ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ كَانَتْ غَيْرَ الصُّبْحِ ، فَعَلَى هَذَا فَهِيَ رُبَاعِيَّةٌ ، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتِ الْعَصْرَ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّكْعَةَ الْمَقْضِيَّةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْقِرَاءَةِ لِكُلٍّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ خِلَافًا لِمَنْ أَجَازَ لِلثَّانِيَةِ تَرْكَ الْقِرَاءَةِ . قَوْلُهُ : ( فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ ) لَمْ تَخْتَلِفِ الطُّرُقُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ أَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَتَمُّوا عَلَى التَّعَاقُبِ وَهُوَ الرَّاجِحُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَإِلَّا فَيَسْتَلْزِمُ تَضْيِيعَ الْحِرَاسَةِ الْمَطْلُوبَةِ ، وَإِفْرَادَ الْإِمَامِ وَحْدَهُ . وَيُرَجِّحُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَفْظُهُ ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ هَؤُلَاءِ أَيِ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَقَضَوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا ، ثُمَّ ذَهَبُوا وَرَجَعَ أُولَئِكَ إِلَى مَقَامِهِمْ فَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا اهـ . وَظَاهِرُهُ أَنَّ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ وَالَّتِ بَيْنَ رَكْعَتَيْهَا ثُمَّ أَتَمَّتِ الطَّائِفَةُ الْأُولَى بَعْدَهَا ، وَوَقَعَ فِي الرَّافِعِيِّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا أَنَّ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ تَأَخَّرَتْ وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَأَتَمُّوا رَكْعَةً ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا وَعَادَتِ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَأَتَمُّوا ، وَلَمْ نَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ ، وَبِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ أَخَذَ الْحَنَفِيَّةُ ، وَاخْتَارَ الْكَيْفِيَّةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَشْهَبُ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَهِيَ الْمُوَافِقَةُ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ طَائِفَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اسْتِوَاءُ الْفَرِيقَيْنِ فِي الْعَدَدِ ، لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الَّتِي تَحْرُسُ يَحْصُلُ الثِّقَةُ بِهَا فِي ذَلِكَ ، وَالطَّائِفَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ حَتَّى عَلَى الْوَاحِدِ ، فَلَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً وَوَقَعَ لَهُمْ الْخَوْفُ جَازَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يُصَلِّيَ بِوَاحِدٍ . وَيَحْرُسَ وَاحِدٌ ثُمَّ يُصَلِّيَ الْآخَرُ ، وَهُوَ أَقَلُّ مَا يُتَصَوَّرُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ جَمَاعَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَقَلِّ الْجَمَاعَةِ مُطْلَقًا ، لَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ طَائِفَةٍ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِأَنَّهُ أَعَادَ عَلَيْهِمْ ضَمِيرَ الْجَمْعِ بِقَوْلِهِ : ( أَسْلِحَتَهُمْ ) ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى عِظَمِ أَمْرِ الْجَمَاعَةِ ، بَلْ عَلَى تَرْجِيحِ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا لِارْتِكَابِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ لَا تُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا ، وَلَوْ صَلَّى كُلُّ امْرِئٍ مُنْفَرِدًا لَمْ يَقَعْ الِاحْتِيَاجُ إِلَى مُعْظَمِ ذَلِكَ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ صِفَاتٌ كَثِيرَةٌ ، وَرَجَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ الْوَارِدَةَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى غَيْرِهَا لِقُوَّةِ الْإِسْنَادِ لِمُوَافَقَةِ الْأُصُولِ فِي أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يُتِمُّ صِلَاتَهُ قَبْلَ سَلَامِ إِمَامِهِ ، وَعَنْ أَحْمَدَ قَالَ : ثَبَتَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ سِتَّةُ أَحَادِيثَ أَوْ سَبْعَةٌ أَيُّهَا فَعَلَ الْمَرْءُ جَازَ ، وَمَالَ إِلَى تَرْجِيحِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الْآتِي فِي الْمَغَازِي ، وَكَذَا رَجَّحَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَلَمْ يَخْتَرْ إِسْحَاقُ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ ، وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَسَرَدَ ثَمَانِيَةَ أَوْجُهٍ ، وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَزَادَ تَاسِعًا . وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : صَحَّ فِيهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَجْهًا ، وَبَيَّنَهَا فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْقَبَسِ : جَاءَ فِيهَا رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ أَصَحُّهَا سِتَّ عَشَرَة رِوَايَةً مُخْتَلِفَةً ، وَلَمْ يُبَيِّنْهَا . وَقَالَ النَّوَوِيُّ نَحْوَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُبَيِّنْهَا أَيْضًا ، وَقَدْ بَيَّنَهَا شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَزَادَ وَجْهًا آخَرَ فَصَارَتْ سَبْعَةَ عَشَرَ وَجْهًا ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ تَتَدَاخَلَ . قَالَ صَاحِبُ الْهُدَى : أُصُولُهَا سِتُّ صِفَاتٍ ، وَبَلَغَهَا بَعْضُهُمْ أَكْثَرُ ، وَهَؤُلَاءِ كُلَّمَا رَأَوُا اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِي قِصَّةٍ جَعَلُوا ذَلِكَ وَجْهًا مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنِ اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ اهـ . وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ شَيْخُنَا بِقَوْلِهِ : يُمْكِنُ تَدَاخُلُهَا . وَحَكَى ابْنُ الْقَصَّارِ الْمَالِكِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : صَلَّاهَا أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : صَلَّاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَيَّامٍ مُخْتَلِفَةٍ بِأَشْكَالٍ مُتَبَايِنَةٍ يَتَحَرَّى فِيهَا مَا هُوَ الْأَحْوَطُ لِلصَّلَاةِ وَالْأَبْلَغُ لِلْحِرَاسَةِ ، فَهِيَ عَلَى اخْتِلَافِ صُوَرِهَا مُتَّفِقَةُ الْمَعْنَى اهـ . وَفِي كُتُبِ الْفِقْهِ تَفَاصِيلُ لَهَا كَثِيرَةٌ وَفُرُوعٌ لَا يَتَحَمَّلُ هَذَا الشَّرْحُ بَسْطَهَا وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريص 496 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب صلاة الخوف · ص 5 12 كتاب صلاة الخوف بسم الله الرحمن الرحيم 12 صلاة الخوف وقول الله عز وجل : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ إلى قوله : إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا قوله تعالى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا قد ذكر طائفة من السلف أنها نزلت في صلاة في السفر ، لا في صلاة السفر بمجرده ؛ ولهذا ذكر عقيبها قوله تعالى : وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ثم ذكر صفة صلاة الخوف ، فكان ذلك تفسيرا للقصر المذكور في الآية الأولى . وهذا هو الذي يشير إليه البخاري ، وهو مروي عن مجاهد والسدي والضحاك وغيرهم ، واختاره ابن جرير وغيره . وتقدير ذلك من وجهين : أحدهما : أن المراد بقصر الصلاة قصر أركانها بالإيماء ونحوه ، وقصر عدد الصلاة إلى ركعة . فأما صلاة السفر ، فإنها ركعتان ، وهي تمام غير قصر ، كما قاله عمر -رضي الله عنه - . وروى سماك الحنفي ، قال : سمعت ابن عمر يقول : الركعتان في السفر تمام غير قصر ، إنما القصر صلاة المخافة . خرجه ابن جرير وغيره . وروى ابن المبارك عن المسعودي ، عن يزيد الفقير ، قال : سمعت جابر بن عبد الله يسأل عن الركعتين في السفر : أقصرٌ هما ؟ قالَ : إنما القصر ركعةٌ عندَ القتال ، وإن الركعتين في السفر ليستا بقصرٍ . وخرج الجوزجاني من طريق زائدة بن عمير الطائي ، أنه سأل ابن عباس عن تقصير الصلاة في السفر ؟ قال : إنها ليست بتقصير ، هما ركعتان من حين تخرج من أهلك إلى أن ترجع إليهم . وخرج الإمام أحمد بإسناد منقطع ، عن ابن عباس ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ركعتين ، وحين أقام أربعا أربعا . وقال ابن عباس : فمن صلى في السفر أربعا كمن صلى في الحضر ركعتين . وقال ابن عباس : لم تقصر الصلاة إلّا مرة واحدة حيث صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ، وصلى الناس ركعة واحدة . يعني : في الخوف . وروى وكيع ، عن سفيان ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ركعة ركعة . قال سعيد : كيف تكون مقصورة وهما ركعتان . والوجه الثاني : أن القصر المذكور في هذه الآية مطلق ، يدخل فيه قصر العدد ، وقصر الأركان ومجموع ذلك يختص بحالة الخوف في السفر ، فأما إذا انفرد أحد الأمرين - وهو السفر أو الخوف - فإنه يختص بأحد نوعي القصر ، فانفراد السفر يختص بقصر العدد ، وانفراد الخوف يختص بقصر الأركان . لكن هذا مما لم يفهم من ظاهر القرآن ، وإنما بين دلالةٌ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والآية لا تنافيه . وإن كان ظاهرها لا يدل عليه . والله سبحانه وتعالى أعلم . وقيل : إن قوله : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ نزلت بسبب القصر في السفر من غير خوف ، وأن بقية الآية مع الآيتين بعدها نزلت بسبب صلاة الخوف . روي ذلك عن عَلِيّ - رضي الله عنه - . خرجه ابن جرير ، عنه بإسناد ضعيف جدا ، لا يصح . والله سبحانه وتعالى أعلم . وقد روي ما يدل على أن الآية الأولى المذكور فيها قصر الصلاة إنما نزلت في صلاة الخوف . فروى منصور ، عن مجاهد ، عن أبي عياش الزرقي ، قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعُسفان - وعلى المشركين خالد بن الوليد - فصلينا الظهر ، فقال المشركونَ : لقد أصبنا غرةً ، لقد أصبنا غفلةً ، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة ، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر ، فلما حضرت العصر قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستقبل القبلة والمشركون أمامه ، فصف خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صف ، وصف بعد ذلك الصف صف آخر ، فركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وركعوا جميعا ، ثم سجدوا وسجد الصف الذين يلونه ، وقام الآخرون يحرسونهم ، فلما صلى هؤلاء سجدتين وقاموا ، سجد الآخرون الذين كانوا خلفه ، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين ، وتقدم الصف الآخر إلى مقام الصف الأول ، ثم ركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وركعوا جميعا ، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه ، وقام الآخرون يحرسونهم ، فلما جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصف الذي يليه سجد الآخرون ، ثم جلسوا جميعا فسلم عليهم جميعا ، فصلاها بعسفان ، وصلاها يوم بني سليم . خرجه الإمام أحمد وأبو داود - وهذا لفظه - والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم . وقال : على شرطهما . وفي رواية للنسائي وابن حبان ، عن مجاهد : نا أبو عياش الزرقي ، قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكره . ورد ابن حبان بذلك على من زعم : أن مجاهدا لم يسمعه من أبي عياش ، وأن أبا عياش لا صحبة له . كأنه يشير إلى ما نقله الترمذي في علله عن البخاري ، أنه قال : كل الروايات عندي صحيحٌ في صلاة الخوف ، إلا حديث مجاهد ، عن أبي عياش الزرقي ، فإني أراه مرسلًا . وابن حبان لم يفهم ما أراده البخاري ، فإن البخاري لم ينكر أن يكون أبو عياش له صحبةٌ ، وقد عدَة في تاريخه من الصحابة ، ولا أنكر سماع مجاهد من أبي عياش ، وإنما مراده : أن هذا الحديث الصواب : عن مجاهد إرساله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير ذكر أبي عياش ؛ كذلك رواه أصحاب مجاهد ، عنه بخلاف رواية منصور ، عنه ، فرواه عكرمة بن خالد وعمر بن ذر وأيوب بن موسى ثلاثتهم ، عن مجاهد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا من غير ذكر أبي عياش . وهذا أصح عند البخاري ، وكذلك صحح إرساله عبد العزيز النخشبي وغيره من الحفاظ . وأما أبو حاتم الرازي ، فإنه قال - في حديث منصور ، عن مجاهد ، عن أبي عياش - : إنه صحيح . قيل له : فهذه الزيادة فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر محفوظةٌ هي ؟ قال : نعم . وقال الإمام أحمد : كل حديث روي في صلاة الخوف فهو صحيح . وقد جاء في رواية : فنزلت وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ وهذا لا ينافي رواية : فنزلت آية القصر بل تبين أنه لم تنزل آية القصر بانفرادها في هذا اليوم ، بل نزل معها الآيتان بعدها في صلاة الخوف . وهذا كله مما يشهد لأن آية القصر أريد بها قصر الخوف في السفر ، وإن دلت على قصر السفر بغير خوف بوجه من الدلالة . والله - سبحانه وتعالى - أعلم .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب صلاة الخوف · ص 12 قال البخاري - رحمه الله - : 942 - نا أبو اليمان : ثنا شعيب ، عن الزهري ، قال : سألته : هل صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ؟ فقالَ : أخبرني سالم ، أن عبد الله بن عمر قالَ : غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل نجد ، فوازينا العدو ، فصاففنا لهم ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي لنا ، فقامت طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو ، وركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمن معه وسجد سجدتين ، ثُمَّ انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل ، فجاءوا فركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهم ركعة وسجد سجدتين ، ثُمَّ سلم ، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين . وخرجه في موضع آخر من رواية معمر . وخرجه مسلم من رواية معمر وفليح كلاهما ، عن الزهري ، به - بمعناه . وقد روي عن حذيفة نحو رواية ابن عمر - أيضا . خرجه الطبراني من رواية حكام بن سلم ، عن أبي جعفر الرازي ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، قال : صلى بنا أبو موسى الأشعري بأصبهان صلاة الخوف ، وما كان كبير خوفٍ ؛ ليرينا صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقام فكبر ، وكبر معه طائفة من القوم ، وطائفة بإزاء العدو ، فصلى بهم ركعة فانصرفوا ، وقاموا مقام إخوانهم ، فجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة أخرى ، ثُمَّ سلم ، فصلى كل واحد منهم الركعة الثانية وحدانا . ورواه سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، أن أبا موسى كان بالدار من أرض أصبهان ، وما بها كبير خوف ، ولكن أحب أن يعلمهم دينهم وسنة نبيهم ، فجعلهم صفين : طائفة معها السلاح مقبلة على عدوها ، وطائفة من ورائها ، فصلى بالذين بإزائه ركعة ، ثم نكصوا على أدبارهم حتى قاموا مقام الأخرى ، وجاءوا يتخللونهم حتى قاموا وراءه فصلى بهم ركعة أخرى ، ثم سلم ، فقام الذين يلونه والآخرون فصلوا ركعة ركعة ، ثم سلم بعضهم على بعض ، فتمت للإمام ركعتان في جماعة ، وللناس ركعة ركعة . يعني : في جماعة . خرجه ابن أبي شيبة ، وعنه بقي بن مخلد في مسنده . وهو إسناد جيد . وهو في حكم المرفوع ؛ لما ذكر فيه من تعليمهم بسنة نبيهم . ورواه أبو داود الطيالسي ، عن أبي حرة ، عن الحسن ، عن أبي موسى ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بأصحابه - فذكر نحوه ، وفيه زيادة على حديث ابن عمر : أن الطائفة الأولى لما صلت ركعة وذهبت لم تستدبر القبلة ، بل نكصت على أدبارها . وروي - أيضا - عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو ذلك ، من رواية خصيف ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ، فقاموا صفين ، فقام صف خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصف مستقبل العدو ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصف الذين يلونه ركعة ، ثم قاموا فذهبوا ، فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو ، وجاءوا أولئك فقاموا مقامهم ، فصلى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعة ، ثم سلم ، ثم قاموا فصلوا لأنفسهم ركعة ، ثم سلموا ثم ذهبوا ، فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو ، ورجع أولئك إلى مقامهم ، فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا . خرجه الإمام أحمد - وهذا لفظه - وأبو داود - بمعناه . وخصيف ، مختلف في أمره . وأبو عبيدة ، لم يسمع من أبيه ، لكن رواياته عنه أخذها عن أهل بيته ، فهي صحيحة عندهم . وهذه الصفة توافق حديث ابن عمر وحذيفة ، إلّا في تقدم الطائفة الثانية بقضاء ركعة ، وذهابهم إلى مقام أولئك مستقبلي العدو ، ثُمَّ مجيء الطائفة الأولى إلى مقامهم فقضوا ركعة . وحديث ابن عمر وحذيفة فيهما : قيام الطائفتين يقضون لأنفسهم ، وظاهره : أنهم قاموا جملة وقضوا ركعة ركعة وحدانا . وقد رواه جماعة ، عن خصيف ، عن أبي عبيدة ، عن ابن مسعود ، وزادوا فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر وكبر الصفان معه جميعًا . وقد خرجه كذلك الإمام أحمد وأبو داود . وزاد الإمام أحمد : وهم في صلاة كلهم . واختلف العلماء في صلاة الخوف على الصفة المذكورة في حديث ابن عمر ، وما وافقه : فذهب الأكثرون إلى أنها جائزة وحسنة ، وإن كان غيرها أفضل منها ، هذا قول الشافعي - في أصح قوليه - وأحمد وإسحاق وغيرهم . وقالت طائفة : هي غير جائزة على هذه الصفة ؛ لكثرة ما فيها من الأعمال المباينة للصلاة من استدبار القبلة والمشي الكثير ، والتخلف عن الإمام ، وادعوا أنها منسوخة ، وهو أحد القولين للشافعي . ودعوى النسخ هاهنا لا دليل عليها . وقالت طائفة : هي جائزة كغيرها من أنواع صلاة الخوف الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لا فضل لبعضها على بعض ، وهو قول إسحاق : نقله عن ابن منصور . ونقل حرب ، عن إسحاق ، أن حديث ابن عمر وابن مسعود يعمل به إذا كان العدو في غير جهة القبلة . وكذلك حكى بعض أصحاب سفيان كلام سفيان في العمل بحديث ابن عمر على ذلك . وقالت طائفة : هي أفضل أنواع صلاة الخوف ، هذا قول النخعي ، وأهل الكوفة وأبي حنيفة وأصحابه ، ورواية عن سفيان ، وحكي عن الأوزاعي وأشهب المالكي . وروى نافع ، أن ابن عمر كان يعلم الناس صلاة الخوف على هذا الوجه . وحكي عن الحسن بن صالح ، أنه ذهب إلى حديث ابن مسعود ، وفيه : أن الطائفة الثانية تصلي مع الإمام الركعة الثانية ، ثم إذا سلم قضت ركعة ، ثم ذهبت إلى مكان الطائفة الأولى ، ثم قضت الطائفة الأولى ركعة ، ثم تسلم . وقد قيل : إن هذا هو قول أشهب . وحكى ابن عبد البر ، عن أحمد ، أنه ذهب إلى هذا - أيضا . وقال بعض أصحابنا : هو أحسن من الصلاة على حديث ابن عمر ؛ لأن صلاة الطائفة الثانية خلت عن مفسد بالكلية . وحكي عن أبي يوسف ومحمد والحسن بن زياد والمزني : أن صلاة الخوف لا تجوز بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - لظاهر قول الله تعالى : وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ الآية . قالوا : وإنما يصلي الناس صلاة الخوف بعده بإمامين ، كل إمام يصلي بطائفة صلاة تامة ، ويسلم بهم . وهذا مردود بإجماع الصحابة على صلاتها في حروبهم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد صلاها بعده : علي بن أبي طالب ، وحذيفة بن اليمان ، وأبو موسى الأشعري ، مع حضور غيرهم من الصحابة ، ولم ينكره أحد منهم . وكان ابن عمر وغيره يعلمون الناس صلاة الخوف ، وجابر ، وابن عباس وغيرهما يروونها للناس تعليما لهم ، ولم يقل أحد منهم : أن ذلك من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - . وخطابه - صلى الله عليه وسلم - لا يمنع مشاركة أمته له في الأحكام ، كما في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وقوله : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ وحكي عن مالك ، أنها تجوز في السفر دون الحضر ، وهو قول عبد الملك بن الماجشون من أصحابه . ويحتج له بحمل آية القصر على صلاة الخوف ، وقد شرط لها شرطان : السفر والخوف ، كما سبق ؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كانَ يصلي صلاة الخوف في أسفاره ، ولم يصلها في الحضر مع أنه حوصر بالمدينة عام الخندق ، وطالت مدة الحصار ، واشتد الخوف ، ولم يصل فيها صلاة الخوف . وقد قيل : إن صلاة الخوف إنما شرعت بعد غزوة الأحزاب في السنة السابعة . وقد ذكر البخاري في المغازي من كتابه هذا - تعليقا - من حديث عمران القطان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن جابر ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه في الخوف في غزوة السابعة : غزوة ذات الرقاع . وخرجه الإمام أحمد من رواية ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ست مرار قبل صلاة الخوف ، وكانت صلاة الخوف في السابعة . وقد تقدم في حديث أبي عياش ، أن أول صلاة الخوف كانت بعسفان وعلى المشركين خالد . وقد روى الواقدي بإسناد له ، عن خالد بن الوليد ، أن ذلك كان في مخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عمرة الحديبية . وقد تقدم أن أبا موسى صلى بأصبهان هذه الصلاة ، ولم يكن هناك كبير خوف ، وإنما صلى بهم ليعلمهم سنة صلاة الخوف . وهذا قد يحمل على أنه كان ثم خوف يبيح هذه الصلاة ، ولم يكن وجد خوف شديد يبيح الصلاة بالإيماء . وقد قال أصحابنا وأصحاب الشافعي : لو صلى صلاة الخوف على ما في حديث ابن عمر في غير خوف لم تصح صلاة المأمومين كلهم ؛ لإتيانهم بما لا تصح معه الصلاة في غير حالة الخوف من المشي والتخلف عن الإمام . فأما الإمام ، فلأصحابنا في صلاته وجهان ، بناء على أن الإمام إذا بطلت صلاة من خلفه ، فهل تبطل صلاته لنيته الإمامة وهو منفرد ، أو يتمها منفردا وتصح ؟ وفيه وجهان للأصحاب .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب القائلة بعد الجمعة · ص 253 ( أبواب صلاة الخوف ، وقول الله تعالى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا . أي هذه أبواب في بيان حكم صلاة الخوف ، كذا وقع لفظة أبواب بصيغة الجمع في رواية المستملي ، وأبي الوقت ، وفي رواية الأصيلي وكريمة باب بالإفراد ، وسقط في رواية الباقين ، قوله : " وقول الله " بالجر عطف على ما قبله ، وثبتت الآيتان بتمامهما إلى قوله عَذَابًا مُهِينًا في رواية كريمة ، وفي رواية الأصيلي اقتصر على قوله وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ثم قال إلى قوله عَذَابًا مُهِينًا وأما في رواية أبي ذر فساق الآية الأولى بتمامها ، ومن الآية الثانية ساق إلى قوله مَعَكَ ثم قال إلى قوله عَذَابًا مُهِينًا وإنما ذكر هاتين الآيتين الكريمتين في هذه الترجمة إشارة إلى أن صلاة الخوف في هيئة خارجة عن هيئات بقية الصلوات ، إنما ثبتت بالكتاب . وأما بيان صورتها على اختلافها فبالسنة قوله وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ الضرب في الأرض السفر ، ويقال ضربت في الأرض إذا سافرت ، وتأتي هذه المادة لمعان كثيرة ، قوله جُنَاحَ أي : إثم ، قوله أَنْ تَقْصُرُوا ظاهره التخيير بين القصر والإتمام ، وأن الإتمام أفضل ، وإليه ذهب الشافعي ، وعند أبي حنيفة القصر في السفر عزيمة غير رخصة لا يجوز غيره ، وقرئ " أن تقصروا " بضم التاء من الإقصار ، وقرأ الزهري " أن تقصروا " بالتشديد ، والقصر ثابت بنص الكتاب في حال الخوف خاصة ، وهو قوله إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وأما في حال الأمن فبالسنة ، واحتج الشافعي أيضا بما رواه مسلم والأربعة عن يعلى بن أمية قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : قال الله تعالى : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ فقد أمن الناس قال : عجبت مما عجبت منه ، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : " صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم ، فاقبلوا صدقته " ، فقد علق القصر بالقبول ، وسماه صدقة ، والمتصدق عليه مخير في قبول الصدقة ، فلا يلزمه القبول حتما . ولنا أحاديث منها : حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، فأقرت صلاة السفر ، وزيد في صلاة الحضر ، رواه البخاري ومسلم ، ومنها : حديث ابن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع ركعات ، وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة ، رواه مسلم ، ومنها حديث عمر رضي الله تعالى عنه قال : صلاة السفر ركعتان ، وصلاة الضحى ركعتان ، وصلاة الفطر ركعتان ، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم محمد - صلى الله عليه وسلم - ، رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان في ( صحيحه ) ، والجواب عن حديث يعلى بن أمية أنه دليلنا ؛ لأنه أمر بالقبول ، والأمر للوجوب . قوله أَنْ يَفْتِنَكُمُ المراد من الفتنة هاهنا القتال ، والتعرض لما يكره ، قوله وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ تعلق به أبو يوسف ، وذهب إلى أن صلاة الخوف غير مشروعة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وبه قال الحسن بن زيادة ، والمزني ، وإبراهيم بن علية ، فعلل المزني بالنسخ في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث أخرها يوم الخندق ، وعلل أبو يوسف بأن الله شرط كون النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم لإقامتها ، ورد ما قاله المزني بما روي عن الصحابة في هذا الباب بعد الخندق ، والخندق مقدم على المشهور ، فكيف ينسخ المتأخر ؟ ذكره النووي وغيره ، ورد ما قاله أبو يوسف بأن الصحابة فعلوها بعده - صلى الله عليه وسلم - ، وأن سببها الخوف ، وهو متحقق بعده ، كما في حياته ، ثم اعلم أن الخوف لا يؤثر في نقصان عدد الركعات إلا عند ابن عباس ، والحسن البصري ، وطاوس ، حيث قالوا إنها ركعة ، وروى مسلم من حديث مجاهد " عن ابن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا ، وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة " ، وأخرجه الأربعة أيضا ، وإليه ذهب أيضا عطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، والحكم بن عتيبة ، وقتادة ، وإسحاق ، والضحاك . وقال ابن قدامة : والذي قال منهم ركعة إنما جعلها عند شدة القتال ، وروي مثله عن زيد بن ثابت ، وأبي هريرة ، وجابر ، قال جابر : إنما القصر ركعة عند القتال . وقال إسحاق : يجزيك عن الشدة ركعة ، تومئ إيماء ، فإن لم تقدر فسجدة واحدة ، فإن لم تقدر فتكبيرة ؛ لأنها ذكر الله تعالى ، وعن الضحاك أنه قال : ركعة فإن لم تقدر كبر تكبيرة حيث كان وجهك . وقال القاضي : لا تأثير للخوف في عدد الركعات ، وهذا قول أكثر أهل العلم منهم ابن عمر ، والنخعي والثوري ، ومالك والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، وسائر أهل العلم من علماء الأمصار لا يجيزون ركعة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب القائلة بعد الجمعة · ص 254 65 - حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : سألته هل صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني : صلاة الخوف ، قال : أخبرني سالم ، أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل نجد ، فوازينا العدو ، فصاففنا لهم ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي لنا ، فقامت طائفة معه تصلي ، وأقبلت طائفة على العدو ، وركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمن معه ، وسجد سجدتين ، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل ، فجاؤوا فركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهم ركعة ، وسجد سجدتين ، ثم سلم ، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة ، وسجد سجدتين . مطابقته للترجمة من حيث إن المذكور فيها مشروعية صلاة الخوف ، والحديث فيه كذلك مع بيان صفتها . ذكر رجاله : وهم خمسة : الأول : أبو اليمان الحكم بن نافع ، الثاني : شعيب بن أبي حمزة ، الثالث : محمد بن مسلم الزهري ، الرابع : سالم بن عبد الله بن عمر ، الخامس : أبوه عبد الله بن عمر . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإخبار كذلك في موضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه السؤال ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه أن الأولين من الرواة حمصيان ، والاثنين بعدهما مدنيان . ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن أبي اليمان ، وأخرجه مسلم أيضا عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ، وأخرجه أبو داود عن مسدد بن عبد الملك عن يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري ، وأخرجه الترمذي عن محمد بن عبد الملك عن يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري ، وأخرجه النسائي عن كثير بن عبيد عن بقية عن شعيب عن الزهري عن سالم عن أبيه ، وأخرجه النسائي أيضا عن عبد الأعلى بن واصل عن يحيى بن آدم عن سفيان عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر . ولما أخرج الترمذي حديث ابن عمر . قال : وفي الباب عن جابر ، وحذيفة ، وزيد بن ثابت ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، وابن مسعود سهل ابن أبي حثمة ، وأبي عياش الزرقي ، واسمه زيد بن صامت ، وأبي بكرة . قلت : وفيه أيضا عن علي، وعائشة ، وخوات بن جبير ، وأبي موسى الأشعري ، فحديث جابر عند مسلم موصولا ، وعند البخاري معلقا في المغازي ، وحديث حذيفة عند أبي داود والنسائي ، وحديث زيد بن ثابت عند النسائي ، وحديث ابن عباس عند البخاري والنسائي ، وحديث أبي هريرة عند البخاري في التفسير والنسائي في الصلاة ، وحديث ابن مسعود عند أبي داود ، وحديث سهل بن أبي حثمة عند الترمذي ، وحديث أبي عياش عند أبي داود والنسائي ، وحديث أبي بكرة عند أبي داود والنسائي ، وحديث علي عند البزار ، وحديث عائشة عند أبي داود ، وحديث خوات بن جبير عند ابن منده في ( معرفة الصحابة ) ، وحديث أبي موسى عند ابن عبد البر في ( التمهيد ) . ذكر معناه : قوله : سألته السائل هو شعيب ، أي : سألت الزهري ، قوله : هل صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي رواية السراج عن محمد بن يحيى عن أبي اليمان شيخ البخاري سألته هل صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ، وكيف صلاها إن كان صلاها ، قوله : قبل نجد بكسر القاف ، وفتح الباء ، أي : جهة نجد ، والنجد كل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد ، وهذه الغزوة هي غزوة ذات الرقاع . وقال ابن إسحاق : أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهري ربيع ، وبعض جمادى ، ثم غزا نجدا يريد بني محارب ، وبني ثعلبة من غطفان ، واستعمل على المدينة أبا ذر رضي الله تعالى عنه ، قال ابن هشام : ويقال عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، قال ابن إسحاق : فسار حتى نزل نجدا ، وهي غزوة ذات الرقاع . قلت : ذكرها في السنة الرابعة من الهجرة ، وكانت فيها غزوة بني النضير أيضا ، وهي التي أنزل الله تعالى فيها سورة الحشر ، وحكى البخاري عن الزهري عن عروة أنه قال : كانت غزوة بني النضير بعد بدر بستة أشهر قبل أحد ، وكانت غزوة أحد في شوال سنة ثلاث . واختلفوا في أي سنة نزل بيان صلاة الخوف ، فقال الجمهور : إن أول ما صليت في غزوة ذات الرقاع ، قاله محمد بن سعد وغيره ، واختلف أهل السير في أي سنة كانت ، فقيل سنة أربع ، وقيل : سنة خمس ، وقيل : سنة ست ، وقيل : سنة سبع ، فقال محمد بن إسحاق : كانت أول ما صليت قبل بدر الموعد ، وذكر ابن إسحاق وابن عبد البر أن بدر الموعد كانت في شعبان من سنة أربع . وقال إبن إسحاق : وكانت ذات الرقاع في جمادى الأولى ، وكذا قال أبو عمر بن عبد البر : إنها في جمادى الأولى سنة أربع ، فإن قلت : قال الغزالي في ( الوسيط ) ، وتبعه عليه الرافعي : إن غزوة ذات الرقاع آخر الغزوات . قلت : هذا غير صحيح ، وقد أنكر عليه ابن الصلاح في ( مشكل الوسيط ) ، وقال : ليست آخرها ، ولا من أواخرها ، وإنما آخر غزواته تبوك ، وهو كما ذكره أهل السير ، وإن أراد أنها آخر غزاة صلى فيها صلاة الخوف فليس بصحيح أيضا ، فقد صلى معه صلاة الخوف أبو بكرة ، وإنما نزل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الطائف تدلى ببكرة فكني بها ، وليس بعد غزوة الطائف إلا غزوة تبوك ، ولهذا قال ابن حزم : إن صفة صلاة الخوف في حديث أبي بكرة أفضل صلاة الخوف ؛ لأنها آخر فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها . قوله : فوازينا العدو أي : قابلنا ، من الموازاة ، وهي المقابلة والمحاذاة ، وأصله من الإزاء بالهمزة في أوله ، يقال : هو بإزائه ، أي : بحذائه ، وقد آزيته إذا حاذيته ، ولا تقل : وازيته ، قاله الجوهري : قلت . : فعلى هذا أصل قوله : فوازينا فآزينا ، قلبت الهمزة واوا ، كما أن الواو تقلب همزة في مواضع منها أواقي أصله : وواقي ، قوله : فصاففناهم وفي رواية المستملي والسرخسي فصاففنا لهم ، ويروى فصففناهم ، قوله : يصلي لنا أي : لأجلنا أو يصلي بنا ، قوله : ركعة وسجدتين وفي رواية عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري مثل نصف صلاة الصبح ، وهذه الزيادة تدل على أن الصلاة المذكورة كانت غير الصبح فتكون رباعية ، وسيأتي في المغازي ما يدل على أنها كانت صلاة العصر ، وصرح في رواية مسلم في حديث جابر بالعصر ، وفي حديث أبي بكرة بالظهر ، قوله : ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل أي : فقاموا في مكانهم ، وصرح به في رواية بقية عن شعيب عن الزهري عند النسائي . ذكر ما يستفاد منه : هذا الحديث حجة لأصحابنا الحنفية في صلاة الخوف ، وحديث ابن مسعود أيضا رواه أبو داود : حدثنا عمران بن ميسرة ، حدثنا ابن فضيل ، حدثنا خصيف ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ، فقاموا صفا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وصف مستقبل العدو فصلى بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعة ، ثم جاء الآخرون فقاموا مقامهم ، فاستقبل هؤلاء العدو ، فصلى بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعة ، ثم سلم ، فقام هؤلاء ، فصلوا لأنفسهم ركعة ، ثم سلموا ، ثم ذهبوا ، فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو ، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ، ثم سلموا ، ورواه البيهقي أيضا ، وقال : أبو عبيدة لم يسمع من أبيه ، وخصيف ليس بالقوي . قلت : أبو عبيدة أخرج له البخاري محتجا به في غير موضع ، وروى له مسلم . وقال أبو داود : كان أبو عبيدة يوم مات أبوه ابن سبع سنين مميزا ، وابن سبع سنين يحتمل السماع والحفظ ، ولهذا يؤمر الصبي ابن سبع سنين بالصلاة تخلقا وتأدبا ، وخصيف بضم الخاء المعجمة ، وثقه أبو زرعة ، والعجلي ، وأبو معين ، وابن سعد . وقال النسائي : صالح ، وجعل المازري حديث ابن عمر قول الشافعي ، وأشهب ، وحديث جابر قول أبي حنيفة ، وهو سهو فيهما ؛ بل أخذ أبو حنيفة وأصحابه وأشهب برواية ابن عمر ، والشافعي برواية سهل بن أبي حثمة . وقال النووي : ولو فعل مثل رواية ابن عمر ففي صحته قولان ، والصحيح المشهور صحته . قال : وقول الغزالي قاله بعض أصحابنا بعيد ، وغلط في شيئين أحدهما : نسبته إلى بعض الأصحاب ؛ بل نص عليه الشافعي في ( الجديد ) ، وفي ( الرسالة ) ، وفي الثاني : تضعيفه ، انتهى . قلت : هم يقولون : قال الشافعي : إذا صح الحديث فهو مذهبي ، وأي شيء يكون أصح من حديث ابن عمر ، وقد خرجته الجماعة . وقال القدوري في ( شرح مختصر الكرخي ) وأبو نصر البغدادي في ( شرح مختصر القدوري ) : الكل جائز ، وإنما الخلاف في الأولى . فائدة : قال الخطابي : صلاة الخوف أنواع صلاها النبي - صلى الله عليه وسلم - في أيام مختلفة وأشكال متباينة يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة ، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى . وقال ابن عبد البر في ( التمهيد ) : روي في صلاة الخوف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجوه كثيرة ، فذكر منها ستة أوجه ، الأول : ما دل عليه حديث ابن عمر ، قال به من الأئمة الأوزاعي وأشهب . قلت : قال به أبو حنيفة وأصحابه على ما ذكرنا ، الثاني : حديث صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة ، قال به مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور ، الثالث : حديث ابن مسعود ، قال به أبو حنيفة وأصحابه إلا أبا يوسف ، الرابع : حديث أبي عياش الزرقي ، قال به ابن أبي ليلى والثوري ، الخامس : حديث حذيفة ، قال به الثوري في ( مجيزه ) ، وهو المروي عن جماعة من الصحابة منهم حذيفة وابن عباس وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله ، السادس : حديث أبي بكرة أنه صلى بكل طائفة ركعتين ، وكان الحسن البصري يفتي به ، وقد حكى المزني عن الشافعي أنه لو صلى في الخوف بطائفة ركعتين ، ثم سلم ، فصلى بالطائفة الأخرى ركعتين ، ثم سلم ، كان جائزا . قال : وهكذا صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ببطن نخل ، قال ابن عبد البر : وروي أن صلاته هكذا كانت يوم ذات الرقاع ، وذكر أبو داود في ( سننه ) لصلاة الخوف ثمانية صور ، وذكرها ابن حبان في ( صحيحه ) تسعة أنواع ، وذكر القاضي عياض في ( الإكمال ) لصلاة الخوف ثلاثة عشر وجها ، وذكر الثوري أنها تبلغ ستة عشر وجها ، ولم يبين شيئا من ذلك . وقال شيخنا الحافظ زين الدين في ( شرح الترمذي ) : قد جمعت طرق الأحاديث الواردة في صلاة الخوف فبلغت سبعة عشر وجها ، وبينها ، لكن يمكن التداخل في بعضها ، وحكى ابن القصار المالكي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها عشر مرات ، وقال ابن العربي : صلاها أربعا وعشرين مرة ، وبين القاضي عياض تلك المواطن فقال : وفي حديث ابن أبي حثمة ، وأبي هريرة ، وجابر أنه صلاها في يوم ذات الرقاع سنة خمس من الهجرة ، وفي حديث أبي عياش الزرقي أنه صلاها بعسفان ، ويوم بني سليم ، وفي حديث جابر في غزاة جهينة ، وفي غزاة بني محارب بنخل ، وروي أنه صلاها في غزوة نجد يوم ذات الرقاع ، وهي غزوة نجد ، وغزوة غطفان ، وقال الحاكم في « الإكليل » حين ذكر غزوة ذات الرقاع ، وقد تسمى هذه الغزوة غزوة محارب ، ويقال : غزوة خصفة ، ويقال : غزوة ثعلبة ، ويقال : غطفان ، والذي صح أنه صلى بها صلاة الخوف من الغزوات ذات الرقاع ، وذو قرد ، وعسفان ، وغزوة الطائف ، وليس بعد غزوة الطائف إلا تبوك ، وليس فيها لقاء العدو ، والظاهر أن غزوة نجد مرتان ، والذي شهدها أبو موسى ، وأبو هريرة هي غزوة نجد الثانية لصحة حديثيهما في شهودها . ومما يستفاد من حديث الباب من قوله طائفة أنه لا فرق بين أن تكون إحدى الطائفتين أكثر من الأخرى عددا أو تساوى عددهما ، لأن الطائفة تطلق على القليل والكثير حتى على الواحد ، فلو كانوا ثلاثة ووقع عليهم الخوف جاز لأحدهم أن يصلي بواحد ويحرس واحد ثم يصلي الآخر ، وهو أقل ما يتصور في صلاة الخوف جماعة على القول بأن أقل الجماعة ثلاثة ، لكن الشافعي قال : أكره أن تكون كل طائفة أقل من ثلاثة ، لأنه أعاد عليهم ضمير الجمع بقوله : أسلحتهم ذكره النووي . ومن ذلك أنهم كانوا مسافرين ، فلو كانوا مقيمين فحكمهم حكم المسافرين عند الخوف ، وبه قال الشافعي ، وأحمد ، ومالك في المشهور عنه ، وعنه لا تجوز صلاة الخوف في الحضر ، وقال أصحابه : تجوز خلافا لابن الماجشون فإنه قال : لا تجوز ، ونقل النووي عن مالك عدم الجواز في الحضر على الإطلاق غير صحيح لأن المشهور عنه الجواز .