5- بَاب صَلَاةِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً . وَقَالَ الْوَلِيدُ ذَكَرْتُ : لِلْأَوْزَاعِيِّ صَلَاةَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وَأَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ فَقَالَ : كَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا إِذَا تُخُوِّفَ الْفَوْتُ . وَاحْتَجَّ الْوَلِيدُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ . 946- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ : حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْأَحْزَابِ : لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمْ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ نُصَلِّي ، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ . فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ صَلَاةِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ ، إِلَيْهِ وَقَائِمًا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ : إِنَّ الْمَطْلُوبَ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ يُومِئُ إِيمَاءً ، وَإِنْ كَانَ طَالِبًا نَزَلَ فَصَلَّى عَلَى الْأَرْضِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِلَّا أَنْ يَنْقَطِعَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَيَخَافُ عَوْدَ الْمَطْلُوبِ عَلَيْهِ فَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ ، وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الطَّالِبَ فِيهِ التَّفْصِيلُ بِخِلَافِ الْمَطْلُوبِ ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ شِدَّةَ الْخَوْفِ فِي الْمَطْلُوبِ ظَاهِرَةٌ لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لَهَا ، وَأَمَّا الطَّالِبُ فَلَا يَخَافُ اسْتِيلَاءَ الْعَدُوِّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَخَافُ أَنْ يَفُوتَهُ الْعَدُوُّ . وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مُتَعَقَّبٌ بِكَلَامِ الْأَوْزَاعِيِّ ، فَإِنَّهُ قَيَّدَهُ بِخَوْفِ الْفَوْتِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ طَالِبًا مِنْ مَطْلُوبٍ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ فِي كِتَابِ السِّيَرِ لَهُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : إِذَا خَافَ الطَّالِبُونَ إِنْ نَزَلُوا بِالْأَرْضِ فَوْتَ الْعَدُوِّ صَلَّوْا حَيْثُ وَجَّهُوا عَلَى كُلِّ حَالٍ ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ جَاءَ إِنَّ النَّصْرَ لَا يُرْفَعُ مَا دَامَ الطَّلَبُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْوَلِيدُ ) كَذَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ السِّيَرِ وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ قَالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ لِأَصْحَابِهِ : لَا تُصَلُّوا الصُّبْحَ إِلَّا عَلَى ظَهْرٍ ، فَنَزَلَ الْأَشْتَرُ - يَعْنِي النَّخَعِيَّ - فَصَلَّى عَلَى الْأَرْضِ ، فَقَالَ شُرَحْبِيلُ : مُخَالِفٌ خَالَفَ اللَّهَ بِهِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ . مِنْ طَرِيقِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ قَالَ كَانَ ثَابِتُ بْنُ السِّمْطِ فِي خَوْفٍ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا رُكْبَانًا ، فَنَزَلَ الْأَشْتَرُ - يَعْنِي النَّخَعِيَّ - فَقَالَ : مُخَالِفٌ خُولِفَ بِهِ فَلَعَلَّ ثَابِتًا كَانَ مَعَ أَخِيهِ شُرَحْبِيلَ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ ، وَشُرَحْبِيلُ الْمَذْكُورُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ يَاءٌ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ كِنْدِيٌّ هُوَ الَّذِي افْتَتَحَ حِمْصَ ثُمَّ وَلِيَ إِمْرَتَهَا ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْمَوْضِعِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا تَخَوَّفَ الْفَوْتَ ) زَادَ الْمُسْتَمْلِي فِي الْوَقْتِ . قَوْلُهُ : ( وَاحْتَجَّ الْوَلِيدُ ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْوَلِيدَ قَوَّى مَذْهَبَ الْأَوْزَاعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الطَّالِبِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَوْ وَجَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِينَ صَلَّوْا فِي الطَّرِيقِ صَلَّوْا رُكْبَانًا لَكَانَ بَيِّنًا فِي الِاسْتِدْلَالِ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَذِكْرُ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ يَكُونُ بِالْقِيَاسِ فَكَمَا سَاغَ لِأُولَئِكَ أَنْ يُؤَخِّرُوا الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا الْمُفْتَرَضِ كَذَلِكَ يَسُوغُ لِلطَّالِبِ تَرْكُ إِتْمَامِ الْأَرْكَانِ وَالِانْتِقَالُ إِلَى الْإِيمَاءِ . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَالْأَبْيَنُ عِنْدِي أَنَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الِاسْتِعْجَالَ الْمَأْمُورَ بِهِ يَقْتَضِي تَرْكَ الصَّلَاةِ أَصْلًا كَمَا جَرَى لِبَعْضِهِمْ ، أَوِ الصَّلَاةُ عَلَى الدَّوَابِّ كَمَا وَقَعَ لِلْآخَرِينَ ، لِأَنَّ النُّزُولَ يُنَافِي مَقْصُودَ الْجَدِّ فِي الْوُصُولِ ، فَالْأَوَّلُونَ بَنَوْا عَلَى أَنَّ النُّزُولَ مَعْصِيَةٌ لِمُعَارَضَتِهِ لِلْأَمْرِ الْخَاصِّ بِالْإِسْرَاعِ ، وَكَأَنَّ تَأْخِيرَهُمْ لَهَا لِوُجُودِ الْمُعَارِضِ ، وَالْآخَرُونَ جَمَعُوا بَيْنَ دَلِيلَيْ وُجُوبِ الْإِسْرَاعِ وَوُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا فَصَلَّوْا رُكْبَانًا ، فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُمْ نَزَلُوا لَكَانَ ذَلِكَ مُضَادًّا لِلْأَمْرِ بِالْإِسْرَاعِ ، وَهُوَ لَا يُظَنُّ بِهِمْ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ . انْتَهَى . وَهَذَا الَّذِي حَاوَلَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ قَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ بِقَوْلِهِ : لَوْ وُجِدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ إِلَخْ ، فَلَمْ يَسْتَحْسِنِ الْجَزْمَ فِي النَّقْلِ بِالِاحْتِمَالِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَا يُظَنُّ بِهِمُ الْمُخَالَفَةُ ، فَمُعْتَرَضٌ بِمِثْلِهِ بِأَنْ يُقَالَ لَا يُظَنُّ بِهِمُ الْمُخَالَفَةُ بِتَغْيِيرِ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ وَالْأَوْلَى فِي هَذَا مَا قَالَهُ ابْنُ الْمُرَابِطِ وَوَافَقَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ أَنَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَوِيَّةِ ، لِأَنَّ الَّذِينَ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لَمْ يُعَنَّفُوا مَعَ كَوْنِهِمْ فَوَّتُوا الْوَقْتَ فَصَلَاةُ مَنْ لَا يُفَوِّتُ الْوَقْتَ بِالْإِيمَاءِ - أَوْ كَيْفَ مَا يُمْكِنُ - أَوْلَى مِنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ ) هُوَ بِالْجِيمِ تَصْغِيرُ جَارِيَةٍ ، وَهُوَ عَمُّ عَبْدِ اللَّهِ الرَّاوِي عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الظُّهْرَ وَسَيَأْتِي بَيَانُ الصَّوَابِ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي مَعَ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( فَائِدَةٌ ) : أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي صَلَاةِ الطَّالِبِ حَدِيثَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ قَالَ فَرَأَيْتُهُ وَحَضَرَتِ الْعَصْرُ فَخَشِيتُ فَوْتُهَا فَانْطَلَقْتُ أَمْشِي وَأَنَا أُصَلِّي أُومِئُ إِيمَاءً وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب صَلَاةِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً · ص 506 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء أو قائما · ص 59 5 – باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء أو قائما وقال الوليد : ذكرت للأوزاعي صلاة شرحبيل بن السمط وأصحابه على ظهر الدابة ، فقال : ذلك الأمر عندنا ، إذا تخوفت الفوت . واحتج الوليد بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة . 946 - حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء : نا جويرية ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من الأحزاب : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، وقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلي ، لم يرد منا ذَلِكَ . فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعنف واحدا منهم . وقد تقدم أن الأوزاعي وأصحابه - ومنهم : الوليد بن مسلم - يرون جواز صلاة شدة الخوف للطالب ، كما يجوز للمطلوب ، وهو رواية عن أحمد ، وأنهم يرون تأخير الصلاة عن وقتها إذا لم يقدروا على فعلها في وقتها على وجه تام ، كما تقدم - أيضا . وقد استدل الوليد بن مسلم لذلك بحديث ابن عمر في البعث إلى قريظة . وأما صلاة شرحبيل بن السمط التي استدل بها الأوزاعي . . . . ومما يتفرع على جواز صلاة الطالب صلاة شدة الخوف : أن من كان ليلة النحر قاصدا لعرفة ، وخشي أن تفوته عرفة قبل طلوع الفجر ، فإنه يصلي صلاة شدة الخوف وهو ذاهب إلى عرفة ، وهو أحد الوجهين لأصحابنا ، ولأصحاب الشافعي - أيضا . وضعفه بعض أصحابهم ، بأنه ليس بخائف بل طالب . والصحيح : أنا إن قلنا : تجوز صلاة الطالب جازت صلاته ، وإلا فلا تجوز ، أو يكون فيه وجهان . وهل يجوز تأخير العشاء إلى بعد طلوع الفجر ؟ فيهِ - أيضا - وجهان للشافعية ولأصحابنا . وأما استدلال الوليد بحديث ابن عمر في ذكر بني قريظة ، فإنما يتم ذلك إذا كان الذين لم يصلوا العصر حتى بلغوا بني قريظة لم يصلوها إلاّ بعد غروب الشمس ، وليس ذلك في هذا الحديث ، فإن حديث ابن عمر إنما يدل على أن بعضهم أخر العصر إلى بني قريظة ، فقد يكونون صلوها في آخر وقتها ، وهذا لا إشكال في جوازه . وممن ذهب إلى ذلك : الخطابي ، ورد به على من استدل بالحديث على أن كل مجتهد مصيب . وذهب آخرون إلى أن الذين صلوا في بني قريظة صلوا بعد غروب الشمس . واستدلوا بأن مسلما خرج الحديث ، ولفظه : عن ابن عمر ، قالَ : نادى فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم انصرف من الأحزاب : أن لا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة ، وقال آخرون : لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن فاتنا الوقت . قال : فما عنف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدا من الفريقين . وخرج البيهقي ، بإسناد فيه نظر ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ، أن عمه عبد الله أخبره ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عزم على الناس لما رجع من الأحزاب أن لا يصلوا صلاة العصر إلا في بني قريظة . قالَ : فلبس الناس السلاح ، فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس ، فاختصم الناس عند غروب الشمس ، فقال بعضهم : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عزم علينا ألا نصلي حتى نأتي بني قريظة ، فإنما نحن في عزيمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليس علينا إثم ، وصلى طائفة من الناس احتسابا ، وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس ، فصلوها حين جازوا بني قريظة احتسابا ، فلم يعنف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدا من الفريقين . وهذا مرسل . وقد ذكره موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري - مرسلا - بغير إسناد للزهري بالكلية ، وهو أشبه . وخرج البيهقي نحوه - أيضا - من طريق عبد الله بن عمر العمري ، عن أخيه عبيد الله ، عن القاسم ، عن عائشة ، وفي حديثها : فغربت الشمس قبل أن يأتوهم ، فصلت طائفة إيمانا واحتسابا ، وتركت طائفة إيمانا واحتسابا ، ولم يعنف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدا من الفريقين . والاستدلال بهذا الحديث على تأخير الصلاة للاشتغال بالحرب ، استدلال ضعيف ، وكذلك الاستدلال به على تأخير الصلاة لطالب العدو ؛ فإن يوم ذهابهم إلى بني قريظة لم تكن هناك حرب تشغل عن صلاة ، ولا كانوا يخافون فوات العصر ببني قريظة بالاشتغال بالصلاة بالكلية ، وإنما وقع التنازع بين الصحابة في صلاة العصر في الطريق ، التفاتا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإلى معنى كلامه ومراده ومقصوده : فمنهم من تمسك بظاهر اللفظ ، ورأى أنه لا ينبغي أن يصلي العصر إلا في بني قريظة ، وإن فات وقتها ، وتكون هذه الصلاة مخصوصة من عموم أحاديث المواقيت بخصوص هذا النص ، وهو النهي عن الصلاة إلا في بني قريظة . ومنهم من نظر إلى المعنى ، وقال : لم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، وإنما أراد منا تعجيل الذهاب إلى بني قريظة في بقية النهار ، ولم يرد تأخير الصلاة عن وقتها ، ولا غير وقت صلاة العصر في هذا اليوم ، بل هو باق على ما كان عليه في سائر الأيام . وهذا هو الأظهر . والله أعلم . ولا دلالة في ذلك على أن كل مجتهد مصيب ، بل فيه دلالة على أن المجتهد سواء أصاب أو أخطأ فإنه غير ملوم على اجتهاده ، بل إن أصاب كان له أجران ، وإن أخطأ فخطؤه موضوع عنه ، وله أجر على اجتهاده . ومن استدل بالحديث على أن تارك الصلاة عمدًا يقضي بعد الوقت فقد وهم ؛ فإن من أخر الصَّلاة في ذَلِكَ كانَ باجتهاد سائغ ، فهوَ في معنى النائم والناسي ، وأولى ؛ فإن التأخير بالتأويل السائغ أولى بأن يكون صاحبه معذورًا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء · ص 262 ( باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء ) أي هذا باب في بيان صلاة الطالب ، وصلاة المطلوب ، قوله : "راكبا" حال ، قوله : "وقائما" عطف عليه ، وفي بعض النسخ ، "أو قائما" من القيام بالقاف في رواية الحموي ، وفي رواية الأكثرين "راكبا وإيماء" أي حال كونه موميا . ( وقال الوليد : ذكرت للأوزاعي صلاة شرحبيل بن السمط ، وأصحابه على ظهر الدابة ، فقال : كذلك الأمر عندنا إذا تخوف الفوت ، واحتج الوليد بقول النبي صلى الله عليه وسلم : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ) . مطابقته للترجمة : من حيث إن شرحبيل ومن معه كانوا ركبانا ، والإجماع على أن المطلوب لا يصلي إلا راكبا ، فكانوا مطلوبين راكبين ، ولو كانوا طالبين أيضا فالمطابقة حاصلة ، والوليد بفتح الواو ، وهو ابن مسلم القرشي الأموي الدمشقي ، يكنى أبا العباس ، وقال كاتب الواقدي : حج سنة أربع وتسعين ومائة ، ثم انصرف ، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى دمشق ، والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو ، وشرحبيل بضم الشين المعجمة ، وفتح الراء ، وسكون الحاء المهملة ، وكسر الباء الموحدة ، ابن السمط ، بفتح السين المهملة ، وكسر الميم على وزن الكتف ، قاله الغساني ، وقال ابن الأثير : بكسر السين ، وسكون الميم ابن الأسود بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن كندة الكندي أبو يزيد ، ويقال : أبو السمط الشامي مختلف في صحبته ذكره في « الكمال » من التابعين ، وقال : ويقال له صحبة للنبي صلى الله عليه وسلم ، ويقال : لا صحبة له ، وذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة ، وقال : جاهلي إسلامي وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم ، وقد شهد القادسية ، وولي حمص ، وهو الذي افتتحها ، وقسمها منازل ، وقال النسائي : ثقة ، وقال أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي صاحب « تاريخ الحمصيين » توفي بسلمية ، سنة ست وثلاثين ، ويقال : سنة أربعين ، ويقال : مات بصفين ، وليس له في البخاري في غير هذا الموضع ، وهو تعليق رواه الطبراني ، وابن عبد البر من وجه آخر "عن الأوزاعي ، قال : قال شرحبيل بن السمط لأصحابه : لا تصلوا الصبح إلا على ظهر ، فنزل الأشتر يعني النخعي ، فصلى على الأرض ، فقال شرحبيل : مخالف خالف الله به" ، وروى ابن أبي شيبة ، عن وكيع ، حدثنا ابن عون "عن رجاء ابن حيوة الكندي قال : كان ثابت بن السمط أو السمط بن ثابت في مسير في خوف ، فحضرت الصلاة ، فصلوا ركبانا ، فنزل الأشتر ، فقال : ما له ؟ فقالوا : نزل يصلي ، قال : ما له خالف خولف به" انتهى ، وذكر ابن حبان أن ثابت بن السمط أخو شرحبيل بن السمط ، فإذا كان كذلك فيشبه أن يكونا كانا في ذلك الجيش ، فنسب إلى كل منهما ، وقد ذكر شرحبيل جماعة في الصحابة ، وثابتا في التابعين ، وقال ابن بطال : طلبت قصة شرحبيل بن السمط بتمامها لأتبين هل كانوا طالبين أم لا ؟ فذكر الفزاري في « السنن » عن ابن عون ، "عن رجاء ، عن ثابت بن السمط ، أو السمط بن ثابت قال : كانوا في السفر في خوف ، فصلوا ركبانا ، فالتفت ، فرأى الأشتر قد نزل للصلاة ، فقال : خالف خولف به ، فجرح الأشتر في الفتنة" ، قال : فبان بهذا الخبر أنهم كانوا حين صلوا ركبانا لأن الإجماع حاصل على أن المطلوب لا يصلي إلا راكبا ، وإنما اختلفوا في الطالب ، فقال ابن التين : صلاة ابن السمط ظاهرها أنها كانت في الوقت ، وهو من قوله تعالى : فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا قوله : "كذلك الأمر" أي أداء الصلاة على ظهر الدابة بالإيماء ، وهو الشأن ، والحكم عند خوف فوات الوقت ، أو فوات العدو ، أو فوات النفس ، قوله : "واحتج الوليد" أي الوليد المذكور ، وقال بعضهم : معناه أن الوليد قوى مذهب الأوزاعي في مسألة الطالب بهذه القصة ، قلت : لا يفهم من احتجاج الوليد بالحديث تقوية ما ذهب إليه الأوزاعي صريحا ، وإنما وجه الاستدلال به بطريق الأولوية لأن الذين أخروا الصلاة حتى وصلوا إلى بني قريظة لم يعنفهم النبي صلى الله عليه وسلم مع كونهم فوتوا الوقت ، فصلاة من لا يفوت الوقت بالإيماء ، أو كيف ما تمكن أولى من تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها ، وقال الداودي : احتجاج الوليد بحديث بني قريظة ليس فيه حجة ، لأنه قبل نزول صلاة الخوف قال : وقيل : إنما صلى شرحبيل على ظهر الدابة لأنه طمع في فتح الحصن ، فصلى إيماء ، ثم فتحه ، وقال ابن بطال : وأما استدلال الوليد بقصة بني قريظة على صلاة الطالب راكبا ، فلو وجد في بعض طرق الحديث أن الذين صلوا في الطريق صلوا ركبانا ، لكان بينا ، ولما لم يوجد ذلك احتمل أن يقال : إنه يستدل بأنه كما ساغ للذين صلوا في بني قريظة مع ترك الوقت ، وهو فرض كذلك ساغ للطالب أن يصلي في الوقت راكبا بالإيماء ، ويكون تركه للركوع ، والسجود كترك الوقت ، ويقال : لا حجة في حديث بني قريظة لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد سرعة سيرهم ، ولم يجعل لهم بني قريظة موضعا للصلاة ، ومذاهب الفقهاء في هذا الباب ، فعند أبي حنيفة إذا كان الرجل مطلوبا فلا بأس بصلاته سائرا ، وإن كان طالبا فلا ، وقال مالك وجماعة من أصحابه : هما سواء ، كل واحد منهما يصلي على دابته ، وقال الأوزاعي ، والشافعي في آخرين كقول أبي حنيفة ، وهو قول عطاء ، والحسن ، والثوري ، وأحمد ، وأبي ثور ، وعن الشافعي : إن خاف الطالب فوت المطلوب أومأ وإلا فلا . 69 - ( حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء ، قال : حدثنا جويرية ، عن نافع ، عن ابن عمر قال ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ، فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، فقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلي لم يرد منا ذلك ، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم ) . مطابقته للترجمة من حيث إنه يدل على أن المطلوب إذا صلى في الوقت بالإيماء جاز كما أن الذين صلوا في بني قريظة مع ترك الوقت جاز لهم ذلك ، ولهذا لم يعنفهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فعلى هذا فالجواز في المطلوب أقوى ، ( فإن قلت ) : فيه ترك الركوع والسجود ، وهما فرضان ، ( قلت ) : كذلك في صلاتهم في بني قريظة ترك الوقت ، والوقت فرض ، ولما ذكر البخاري احتجاج الوليد بحديث قصة بني قريظة ذكره مسندا عقيبه ليعلم صحة الحديث عنده ، وصحة الاستدلال به فافهم . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة : الأول عبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد بن مخراق الضبعي البصري ابن أخي جويرية المذكور ، وهو مصغر جارية بالجيم ابن أسماء ، روى عنه مسلم أيضا مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين ، الثاني جويرية بن أسماء يكنى أبا مخراق البصري ، الثالث نافع مولى ابن عمر ، الرابع عبد الله بن عمر . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن النصف الأول من الرواة بصريان ، والنصف الثاني مدنيان ، وفيه رواية الرجل عن عمه ، وفيه اسم أحد الرواة بالتصغير ، والحال أن أصل وضعه للأنثى ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في «المغازي» ، وأخرجه مسلم أيضا في «المغازي» عن شيخ البخاري عن جويرية به . ( ذكر معناه ) قوله : "من الأحزاب" هي غزوة الخندق ، وقد أنزل الله فيها سورة الأحزاب ، وكانت في شوال سنة خمس من الهجرة ، نص على ذلك ابن إسحاق ، وعروة بن الزبير ، وقتادة ، وقال موسى بن عقبة ، عن الزهري أنه قال : ثم كانت الأحزاب في شوال سنة أربع ، وكذلك قال مالك بن أنس فيما رواه أحمد عن موسى بن داود عنه ، والجمهور على قول ابن إسحاق ، وسميت بالأحزاب لأن الكفار تألفوا من قبائل العرب وهم عشرة آلاف نفس ، وكانوا ثلاثة عساكر ، وجناح الأمر إلى أبي سفيان ، وسميت أيضا بغزوة الخندق لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع بهم وما جمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة ، قال ابن هشام : يقال : إن الذي أشار به سلمان رضي الله تعالى عنه ، قال الطبري ، والسهيلي : أول من حفر الخنادق منوجهر بن أيرج ، وكان في زمن موسى عليه الصلاة والسلام ، وذكر ابن إسحاق لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخندق راجعا إلى المدينة ، والمسلمون قد وضعوا السلاح ، فلما كان الظهر أتى جبريل عليه الصلاة والسلام ، قال له : ما وضعت الملائكة السلاح بعد ، وإن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة ، فإني عائد إليهم ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن في الناس : من كان سامعا مطيعا ، فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة ، قال ابن سعد : ثم سار إليهم وهم ثلاثة آلاف ، وذلك يوم الأربعاء لتسع بقين من ذي القعدة عقيب الخندق ، قوله : "لا يصلين" بالنون الثقيلة المؤكدة ، قوله : "في بني قريظة" بضم القاف وفتح الراء ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفتح الظاء المعجمة ، وفي آخره هاء وهم فرقة من اليهود ، وقريظة ، والنضير ، والنحام ، وعمرو وهو هدل بني الخزرج بن الصريح بن نومان بن السمط ينتهي إلى إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ، وقال ابن دريد : القرظ ضرب من الشجر يدبغ به ، يقال : أديم مقروظ ، وتصغيره قريظة ، وبه سمي البطن من اليهود ، وفي رواية البخاري التنصيص على العصر ، وكذا في رواية الإسماعيلي العصر ، وفي صحيح مسلم التنصيص على الظهر ، وكذا في رواية ابن حبان ، ومستخرج أبي نعيم قبل التوفيق بين الروايتين ، إن هذا الأمر كان بعد دخول وقت الظهر ، وقد صلى الظهر بعضهم دون بعض ، فقيل للذين لم يصلوا الظهر : لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة ، وللذين صلوها بالمدينة : لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة ، وقيل : يحتمل أنه قال للجميع : لا تصلوا العصر ولا الظهر إلا في بني قريظة ، وقيل : يحتمل أنه قيل للذين ذهبوا أولا : لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة ، وللذين ذهبوا بعدهم : لا تصلوا العصر إلا بها ، قوله : "فأدرك بعضهم" الضمير فيه يرجع إلى لفظ أحد ، وفي بعضهم الثاني ، والثالث إلى البعض ، قوله : "لم يرد منا" على صيغة المجهول من المضارع أي المراد من قوله : "لا يصلين أحد" لازمه وهو الاستعجال في الذهاب إلى بني قريظة لا حقيقة ترك الصلاة أصلا ، ولم يعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على مخالفة النهي لأنهم فهموا منه الكناية عن العجلة ، ولا التاركين للصلاة المؤخرين عن أول وقتها لحملهم النهي على ظاهره . ( ذكر ما يستفاد منه ) من ذلك ما استنبط منه ابن حبان معنى حسنا حيث قال : لو كان تأخير المرء للصلاة عن وقتها إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى يلزمه بذلك اسم الكفر لما أمر المصطفى بذلك ، ومنه ما قاله السهيلي : فيه دليل على أن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب إذ لا يستحيل أن يكون الشيء صوابا في حق إنسان خطأ في حق غيره ، فيكون من اجتهد في مسألة فأداه اجتهاده إلى الحل مصيبا في حلها ، وكذا الحرمة ، وإنما المحال أن يحكم في النازلة بحكمين متضادين في حق شخص واحد ، وإنما عسر فهم هذا الأصل على طائفتين الظاهرية والمعتزلة ، أما الظاهرية فإنهم علقوا الأحكام بالنصوص ، فاستحال عندهم أن يكون النص يأتي بحظر وإباحة معا إلا على وجه النسخ ، وأما المعتزلة فإنهم علقوا الأحكام بتقبيح العقل ، وتحسينه ، فصار حسن الفعل عندهم أو قبحه صفة عين فاستحال عندهم أن يتصف فعل بالحسن في حق زيد ، والقبح في حق عمرو كما يستحيل ذلك في الألوان وغيرها من الصفات القائمة بالذوات ، وأما ما عدا هاتين الطائفتين ، فليس الحظر عندهم والإباحة بصفات أعيان ، وإنما هي صفات أحكام ، وزعم الخطابي أن قول القائل في هذا : "كل مجتهد مصيب" ليس كذلك ، وإنما هو ظاهر خطاب خص بنوع من الدليل ألا تراه قال : بل نصلي لم يرد منا ذلك ، يريد أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمره به من إقامة الصلاة في بني قريظة لا يوجب تأخيرها عن وقتها على عموم الأحوال ، وإنما هو كأنه قال : صلوا في بني قريظة إلا أن يدرككم وقتها قبل أن تصلوا إليها ، وكذا الطائفة الأخرى في تأخيرهم الصلاة كأنه قيل لهم : صلوا الصلاة في أول وقتها إلا أن يكون لكم عذر ، فأخروها إلى آخر وقتها ، وقال النووي رحمه الله تعالى : لا احتجاج فيه على إصابة كل مجتهد ، لأنه لم يصرح بإصابة الطائفتين ، بل بإصابة ترك تعنيفهما ، ولا خلاف في ترك تعنيف المجتهد ، وإن أخطأ إذا بذل وسعه ، وأما اختلافهم فسببه أن الأدلة تعارضت ، فإن الصلاة مأمور بها في الوقت والمفهوم من "لا يصلين" المبادرة بالذهاب إليهم ، فأخذ بعضهم بذلك فصلوا حين خافوا فوت الوقت ، والآخرون بالآخر فأخروها ، ويقال : اختلاف الصحابة في المبادرة بالصلاة عند ضيق وقتها وتأخيرها سببه أن أدلة الشرع تعارضت عندهم ، فإن الصلاة مأمور بها في الوقت مع أن المفهوم من قوله : "لا يصلين أحد إلا في بني قريظة" المبادرة بالذهاب إليه ، وأن لا يشتغل عنه بشيء ، لا أن تأخير الصلاة مقصود في نفسه من حيث إنه تأخير ، فأخذ بعض الصحابة بهذا المفهوم نظرا إلى المعنى لا إلى اللفظ ، فصلوا حين خافوا فوات الوقت ، وأخذ آخرون بظاهر اللفظ وحقيقته ، ولم يعنف الشارع واحدا منهما ، لأنهم مجتهدون ، ففيه دليل لمن يقول بالمفهوم والقياس ومراعاة المعنى ، ولمن يقول بالظاهر أيضا ، ( قلت ) : هذا القول مثل ما قال النووي مع بعض زيادة فيه ، وقال الداودي فيه أن المتأول إذا لم يبعد في التأويل ليس بمخطئ وأن السكوت على فعل أمر كالقول بإجازته .