حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء أو قائما

باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء أو قائما وقال الوليد : ذكرت للأوزاعي صلاة شرحبيل بن السمط وأصحابه على ظهر الدابة ، فقال : ذلك الأمر عندنا ، إذا تخوفت الفوت . واحتج الوليد بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة . 946 - حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء : نا جويرية ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من الأحزاب : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، وقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلي ، لم يرد منا ذَلِكَ .

فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعنف واحدا منهم . وقد تقدم أن الأوزاعي وأصحابه - ومنهم : الوليد بن مسلم - يرون جواز صلاة شدة الخوف للطالب ، كما يجوز للمطلوب ، وهو رواية عن أحمد ، وأنهم يرون تأخير الصلاة عن وقتها إذا لم يقدروا على فعلها في وقتها على وجه تام ، كما تقدم - أيضا . وقد استدل الوليد بن مسلم لذلك بحديث ابن عمر في البعث إلى قريظة .

وأما صلاة شرحبيل بن السمط التي استدل بها الأوزاعي . ومما يتفرع على جواز صلاة الطالب صلاة شدة الخوف : أن من كان ليلة النحر قاصدا لعرفة ، وخشي أن تفوته عرفة قبل طلوع الفجر ، فإنه يصلي صلاة شدة الخوف وهو ذاهب إلى عرفة ، وهو أحد الوجهين لأصحابنا ، ولأصحاب الشافعي - أيضا . وضعفه بعض أصحابهم ، بأنه ليس بخائف بل طالب .

والصحيح : أنا إن قلنا : تجوز صلاة الطالب جازت صلاته ، وإلا فلا تجوز ، أو يكون فيه وجهان . وهل يجوز تأخير العشاء إلى بعد طلوع الفجر ؟ فيهِ - أيضا - وجهان للشافعية ولأصحابنا . وأما استدلال الوليد بحديث ابن عمر في ذكر بني قريظة ، فإنما يتم ذلك إذا كان الذين لم يصلوا العصر حتى بلغوا بني قريظة لم يصلوها إلاّ بعد غروب الشمس ، وليس ذلك في هذا الحديث ، فإن حديث ابن عمر إنما يدل على أن بعضهم أخر العصر إلى بني قريظة ، فقد يكونون صلوها في آخر وقتها ، وهذا لا إشكال في جوازه .

وممن ذهب إلى ذلك : الخطابي ، ورد به على من استدل بالحديث على أن كل مجتهد مصيب . وذهب آخرون إلى أن الذين صلوا في بني قريظة صلوا بعد غروب الشمس . واستدلوا بأن مسلما خرج الحديث ، ولفظه : عن ابن عمر ، قالَ : نادى فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم انصرف من الأحزاب : أن لا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة ، وقال آخرون : لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن فاتنا الوقت .

قال : فما عنف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدا من الفريقين . وخرج البيهقي ، بإسناد فيه نظر ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ، أن عمه عبد الله أخبره ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عزم على الناس لما رجع من الأحزاب أن لا يصلوا صلاة العصر إلا في بني قريظة . قالَ : فلبس الناس السلاح ، فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس ، فاختصم الناس عند غروب الشمس ، فقال بعضهم : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عزم علينا ألا نصلي حتى نأتي بني قريظة ، فإنما نحن في عزيمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليس علينا إثم ، وصلى طائفة من الناس احتسابا ، وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس ، فصلوها حين جازوا بني قريظة احتسابا ، فلم يعنف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدا من الفريقين .

وهذا مرسل . وقد ذكره موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري - مرسلا - بغير إسناد للزهري بالكلية ، وهو أشبه . وخرج البيهقي نحوه - أيضا - من طريق عبد الله بن عمر العمري ، عن أخيه عبيد الله ، عن القاسم ، عن عائشة ، وفي حديثها : فغربت الشمس قبل أن يأتوهم ، فصلت طائفة إيمانا واحتسابا ، وتركت طائفة إيمانا واحتسابا ، ولم يعنف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدا من الفريقين .

والاستدلال بهذا الحديث على تأخير الصلاة للاشتغال بالحرب ، استدلال ضعيف ، وكذلك الاستدلال به على تأخير الصلاة لطالب العدو ؛ فإن يوم ذهابهم إلى بني قريظة لم تكن هناك حرب تشغل عن صلاة ، ولا كانوا يخافون فوات العصر ببني قريظة بالاشتغال بالصلاة بالكلية ، وإنما وقع التنازع بين الصحابة في صلاة العصر في الطريق ، التفاتا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإلى معنى كلامه ومراده ومقصوده : فمنهم من تمسك بظاهر اللفظ ، ورأى أنه لا ينبغي أن يصلي العصر إلا في بني قريظة ، وإن فات وقتها ، وتكون هذه الصلاة مخصوصة من عموم أحاديث المواقيت بخصوص هذا النص ، وهو النهي عن الصلاة إلا في بني قريظة . ومنهم من نظر إلى المعنى ، وقال : لم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، وإنما أراد منا تعجيل الذهاب إلى بني قريظة في بقية النهار ، ولم يرد تأخير الصلاة عن وقتها ، ولا غير وقت صلاة العصر في هذا اليوم ، بل هو باق على ما كان عليه في سائر الأيام . وهذا هو الأظهر .

والله أعلم . ولا دلالة في ذلك على أن كل مجتهد مصيب ، بل فيه دلالة على أن المجتهد سواء أصاب أو أخطأ فإنه غير ملوم على اجتهاده ، بل إن أصاب كان له أجران ، وإن أخطأ فخطؤه موضوع عنه ، وله أجر على اجتهاده . ومن استدل بالحديث على أن تارك الصلاة عمدًا يقضي بعد الوقت فقد وهم ؛ فإن من أخر الصَّلاة في ذَلِكَ كانَ باجتهاد سائغ ، فهوَ في معنى النائم والناسي ، وأولى ؛ فإن التأخير بالتأويل السائغ أولى بأن يكون صاحبه معذورًا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ3 أحاديث
موقع حَـدِيث