4- بَاب الْأَكْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْخُرُوجِ 953 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسِ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ . وَقَالَ مُرَجَّأُ بْنُ رَجَاءٍ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَنَسٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْأَكْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْخُرُوجِ ) أَيْ إِلَى صَلَاةِ الْعِيدِ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ) هُوَ بِالتَّصْغِيرِ ، وَفِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَنَسٍ بِحَذْفِ أَبِي بَكْرٍ ، هَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، وَتَابَعَهُ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَجُبَارَةُ بْنُ الْمُغَلِّسِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، وَرَوَاهُ عَنْ هُشَيْمٍ ، قُتَيْبَةُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَعَمْرُو بْنُ عَوْنٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، فَقَالُوا كُلُّهُمْ : عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : صَحِيحٌ غَرِيبٌ ، وَأَعَلَّهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ هُشَيْمًا مُدَلِّسٌ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْبُخَارِيِّ . قُلْتُ : وَهِيَ عِلَّةٌ غَيْرُ قَادِحَةٍ ؛ لِأَنَّ هُشَيْمًا قَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِالْإِخْبَارِ فَأُمِنَ تَدْلِيسُهُ ، وَلِهَذَا نَزَّلَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ دَرَجَةً ؛ لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ سُلَيْمَانَ مِنْ شُيُوخِهِ ، وَقَدْ أُخْرِجَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ لِكَوْنِهِ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ وَلَمْ يَلْقَ مِنْ أَصْحَابِ هُشَيْمٍ مَعَ كَثْرَةِ مَنْ لَقِيَهُ مِنْهُمْ مَنْ يُحَدِّثُ بِهِ مُصَرِّحًا عَنْهُ فِيهِ بِالْإِخْبَارِ ، وَقَدْ جَزَمَ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ بِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ هُشَيْمٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، وَأَنَّ أَصْحَابَ هُشَيْمٍ الْقُدَمَاءَ كَانُوا يَرْوُونَهُ عَنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَلَا تَضُرُّ طَرِيقُ ابْنِ إِسْحَاقَ الْمَذْكُورَةُ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ سُلَيْمَانَ قَدْ رَوَاهُ عَنْ هُشَيْمٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْهُ عَنْ هُشَيْمٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ، فَرَجَحَ صَنِيعُ الْبُخَارِيِّ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مُتَابَعَةُ مُرَجَّى بْنِ رَجَاءٍ ، لِهُشَيْمٍ عَلَى رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَدْ عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ هُنَا ، وَأَفَادَتْ ثَلَاثَ فَوَائِدَ : الْأُولَى هَذِهِ ، وَالثَّانِيَةُ تَصْرِيحُ عُبَيْدِ اللَّهِ فِيهِ بِالْإِخْبَارِ عَنْ أَنَسٍ ، وَالثَّالِثَةُ تَقْيِيدُ الْأَكْلِ بِكَوْنِهِ وِتْرًا . وَقَدْ وَصَلَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ مُرَجَّى بِلَفْظِ يَخْرُجُ بَدَلَ يَغْدُو ، وَالْبَاقِي مِثْلُ لَفْظِ هُشَيْمٍ وَفِيهِ الزِّيَادَةُ ، وَكَذَا وَصَلَهُ أَبُو ذَرٍّ فِي زِيَادَاتِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي حَامِدِ بْنِ نُعَيْمٍ ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّنْجِيِّ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ حَرَمِيِّ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ مُرَجَّى بِلَفْظِ : وَيَأْكُلُهُنَّ أَفْرَادًا وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ ، وَلَهُ رَاوٍ ثَالِثٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ بِلَفْظِ : مَا خَرَجَ يَوْمَ فِطْرٍ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ وِتْرًا ، وَهِيَ أَصْرَحُ فِي الْمُدَاوَمَةِ عَلَى ذَلِكَ ، قَالَ الْمُهَلَّبُ : الْحِكْمَةُ فِي الْأَكْلِ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنْ لَا يَظُنَّ ظَانٌّ لُزُومَ الصَّوْمِ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعِيدَ ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ سَدَّ هَذِهِ الذَّرِيعَةِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : لَمَّا وَقَعَ وُجُوبُ الْفِطْرِ عَقِبَ وُجُوبِ الصَّوْمِ اسْتُحِبَّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ مُبَادَرَةً إِلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيُشْعِرُ بِذَلِكَ اقْتِصَارُهُ عَلَى الْقَلِيلِ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَ لِغَيْرِ الِامْتِثَالِ لَأَكَلَ قَدْرَ الشِّبَعِ ، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ . وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ : لَمَّا كَانَ الْمُعْتَكِفُ لَا يَتِمُّ اعْتِكَافُهُ حَتَّى يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى قَبْلَ انْصِرَافِهِ إِلَى بَيْتِهِ خُشِيَ أَنْ يُعْتَمَدَ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنَ النَّهَارِ بِاعْتِبَارِ اسْتِصْحَابِ الصَّائِمِ مَا يُعْتَمَدُ مِنِ اسْتِصْحَابِ الِاعْتِكَافِ ، فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِمَشْرُوعِيَّةِ الْأَكْلِ قَبْلَ الْغُدُوِّ . وَقِيلَ : لِأَنَّ الشَّيْطَانَ الَّذِي يُحْبَسُ فِي رَمَضَانَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ ، فَاسْتُحِبَّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ بِدَارًا إِلَى السَّلَامَةِ مِنْ وَسْوَسَتِهِ . وَسَيَأْتِي تَوْجِيهٌ آخَرُ لِابْنِ الْمُنِيرِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ . وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ : لَا نَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الْأَكْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ اخْتِلَافًا . انْتَهَى . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ التَّخْيِيرَ فِيهِ ، وَعَنِ النَّخَعِيِّ أَيْضًا مِثْلَهُ . وَالْحِكْمَةُ فِي اسْتِحْبَابِ التَّمْرِ لِمَا فِي الْحُلْوِ مِنْ تَقْوِيَةِ الْبَصَرِ الَّذِي يُضْعِفُهُ الصَّوْمُ ، وَلِأَنَّ الْحُلْوَ مِمَّا يُوَافِقُ الْإِيمَانَ وَيُعَبَّرُ بِهِ الْمَنَامُ وَيَرِقُّ بِهِ الْقَلْبُ وَهُوَ أَيْسَرُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَحَبَّ بَعْضُ التَّابِعِينَ أَنَّهُ يُفْطِرُ عَلَى الْحُلْوِ مُطْلَقًا كَالْعَسَلِ ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، وَابْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِمَا ، وَرُوِيَ فِيهِ مَعْنًى آخَرُ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : إِنَّهُ يَحْبِسُ الْبَوْلَ ، هَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يُفْطِرَ وَلَوْ عَلَى الْمَاءِ لِيَحْصُلَ لَهُ شَبَهٌ مَا مِنَ الِاتِّبَاعِ ، أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ . وَأَمَّا جَعْلُهُنَّ وِتْرًا فَقَالَ الْمُهَلَّبُ : فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَكَذَلِكَ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ تَبَرُّكًا بِذَلِكَ . ( تَنْبِيهٌ ) : مُرَجَّى بِوَزْنِ مُعَلَّى ، وَأَبُوهُ بِلَفْظِ رَجَاءٍ ضِدُّ الْخَوْفِ بَصْرِيٌّ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْأَكْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْخُرُوجِ · ص 517 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الأكل يوم الفطر قبل الخروج · ص 86 4 – باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج 953 - حدثنا محمد بن عبد الرحيم : نا سعيد بن سليمان ، أنا هشيم : أنا عبيد الله بن أبي بكر ، عن أنس بن مالك ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات . وقال مرجأ بن رجاء : حدثني عبيد الله بن أبي بكر : حدثني أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويأكلهن وترًا . هذا الحديث مما تفرد به البخاري ، ولم يخرجه مسلم . وإنما ذكر متابعة مرجى بن رجاء لثلاثة فوائد : أحدها : أنه حديث أنكره الإمام أحمد من حديث هشيم ، وقال : إنما كان هشيم يحدث به عن محمد بن إسحاق ، عن حفص بن عبيد الله ، عن أنس . قَالَ : وإنما ثناه علي بن عاصم ، عن عبيد الله بن أبي بكر . كذا نقله عن أحمد ابنه عبد الله . وقد رواه قتيبة ، عن هشيم ، عن ابن إسحاق ، عن حفص ، كما قاله الإمام أحمد ومن هذه الطريق خرجه الترمذي ، وصححه . وقد رواه كذلك عن هشيم بهذا الإسناد الإمام أحمد ، ويحيى ، وابن أبي شيبة وغيرهم . قال البيهقي : ورواه سعيد بن سليمان ، عن هشيم بالإسنادين معا . وهذا يدل على أنهما محفوظان عن هشيم ، فبين البخاري أنه قد توبع عليه هشيم . وقد خرجه الإمام أحمد من حديث مرجى ويأكلهن أفرادًا . وخرجه ابن خزيمة في صحيحه والدارقطني من حديثه ، وعندهما : ويأكلهن وترا . ومرجى بن رجاء ، مختلف في أمره . وثقه أبو زرعة ، وضعفه غيره . وتابعه - أيضا - : علي بن عاصم ، فرواه عن عبيد الله بن أبي بكر : سمعت أنسا يقول : ما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فطر قط حتى يأكل تمرات . خرجه الإمام أحمد ، عنه . وخرجه ابن شاهين في كتاب العيدين ، وزاد : ثلاثا ، وكان أنس يأكل ثلاث تمرات أو خمسا ، وإن شاء زاد ، إلا أنه يجعلهن وترا . ورواه - أيضا - عتبة بن حميد : نا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس : سمعت أنسا قالَ : ما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فطر حتى يأكل ثمرات ، ثلاثا أو خمسا أو سبعا ، أو أقل من ذلك أو أكثر ، وترًا . خرجه الطبراني . وخرجه ابن حبان في صحيحه إلى قوله : سبعا . ورواه - أيضا - أبو جزي نصر بن طريف ، عن عبيد الله بن أبي بكر ، عن أنس . فقد رواه جماعة ، عن عبيد الله ، عن أنس - كما ترى - وإنما استنكره أحمد من حديث هشيم . الفائدة الثانية : أن في رواية مرجى زيادة الوتر . والثالثة : أن فيها التصريح بسماع عبيد الله له من أنس . وقد ذكرنا أنه توبع على هاتين الزيادتين . وفي الباب أحاديث أخر ، ليست على شرط البخاري . وقد استحب أكثر العلماء الأكل يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلى ، ومنهم علي وابن عباس . وروي عنهما أنهما قالا : هو السنة . وكان ابن عمر يفعله . وعن أم الدرداء ، أنها قالت : خالفوا أهل الكتاب ، فإنهم لا يفطرون في أعيادهم حتى يرجعوا . وعن ابن المسيب ، قال : كان الناس يؤمرون بذلك . وعن الشعبي ، قال : هو السنة . وعن عَكْرِمَة ، قال : كَانَ الناس يفعلونه . وهو قول أبي حنيفة والثوري ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم . وروي عن النخعي ، قالَ : إن شاء فعل ، وإن شاء لم يفعل . وروي عنه ، أنه قال : كانوا لا يبالون بذلك . وعن ابن مسعود : إن شاء لم يأكل . ولعله أراد به بيان أن الأكل قبل الخروج ليس بواجب ، وهذا حق ، وإن أراد أنه ليس هو الأفضل فالجمهور على خلافه ، والسنة تدل عليهِ . ونص الشافعي على أن تركه مكروه . وقد علل الأكل يوم الفطر قبل الخروج بالمبادرة إلى الفطر في يوم العيد ، ليظهر مخالفته لرمضان حيث كان تحريم الأكل في نهاره . وقد تقدم ، عن أبي الدرداء : تعليله بمخالفة أهل الكتاب . وقد علل بأن السنة تأخير الصلاة يوم الفطر ، فيكون الأكل قبل الخروج أسكن للنفس ، بخلاف صلاة النحر ؛ فإن السنة تعجيلها . وقد رَوَى الإمام أحمد : ثنا عبد الرزاق ، عَن ابن جُرَيْج : أخبرني عَطَاء ، أنه سَمِعَ ابن عَبَّاس يَقُول : إن استطعتم أن لا يغدو أحدكم يوم الفطر حَتَّى يطعم فليفعل قَالَ : فَلَمْ أدع أن آكل قَبْلَ أن أغدو منذ سَمِعْت ذَلِكَ من ابن عَبَّاس . قُلتُ : فعلى ماذا تأول هَذَا ؟ قال : أظن سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال : كانوا لا يخرجون حتى يمتد الضحى ، فيقولون : نطعم حتى لا نعجل عن صلاتنا . وذكر بعضهم معنى آخر ، وهو أن يوم الفطر قبل الصلاة تشرع الصدقة على المساكين بما يأكلونه خصوصا التمر ، فشرع له أن يأكل معهم ويشاركهم ، وفي النحر لا تكون الصدقة على المساكين إلا بعد الرجوع من الصلاة ، فيؤخر الأكل إلى حال الصدقة عليهم ، ليشاركهم - أيضا . ويشهد له : ما خرجه ابن ماجه ، عن ابن عمر ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يغدو يوم الفطر حتى يغدي أصحابه من صدقة الفطر . وإسناده ضعيف جدا . وقد قيل : إن صوابه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الإمام . قاله العقيلي .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الأكل يوم الفطر قبل الخروج · ص 274 ( باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج ) أي هذا باب في بيان حكم الأكل يوم عيد الفطر قبل الخروج إلى المصلى لأجل صلاة العيد . 5 - حدثنا محمد بن عبد الرحيم ، قال : حدثنا سعيد بن سليمان ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس ، عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات . مطابقته للترجمة ظاهرة ( ذكر رجاله ) وهم خمسة الأول محمد بن عبد الرحيم المشهور بالصاعقة وقد تقدم ، الثاني سعيد بن سليمان الملقب بسعدويه وقد تقدم ، الثالث هشيم بضم الهاء ابن بشير بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة ابن القاسم بن دينار السلمي الواسطي ، الرابع عبيد الله بالتصغير ابن أبي بكر بن أنس ، الخامس جده أنس بن مالك . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، والإخبار كذلك في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه أن شيخه من أفراده وهو بغدادي ، وسعيد وهشيم واسطيان ، وعبيد الله مدني ، وفيه روى سعيد بن سليمان عن هشيم وتابعه أبو الربيع الزهراني عند الإسماعيلي ، وجبارة بن المغلس عند ابن ماجه قال : حدثنا جبارة بن المغلس ، حدثنا هشيم عن عبيد الله ابن أبي بكر ، "عن أنس بن مالك قال : كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم تمرات " ، ورواه عن هشيم قتيبة عند الترمذي ، وأحمد بن منيع عند ابن خزيمة ، وأبو بكر بن أبي شيبة عند ابن حبان وعمرو بن عون عند الحاكم ، فقالوا كلهم : عن هشيم ، عن محمد بن إسحاق ، عن حفص بن عبيد الله بن أنس ، وأعله الإسماعيلي بأن هشيما مدلس ، وقد اختلف عليه فيه ، وابن إسحاق ليس من شرط البخاري ، قلت : هشيم صرح هنا بالإخبار فأمن تدليسه على أن البخاري نزل فيه درجة لأن سعيد بن سليمان من شيوخه ، وقد أخرج هذا الحديث عنه بواسطة لكونه لم يسمعه منه ، وقال صاحب التوضيح : هذا الحديث من أفراد البخاري ، قلت : ليس كذلك لأن ابن ماجه أخرجه أيضا كما ذكرناه عن قريب . ( ذكر معناه ) قوله : "كان لا يغدو" ، وفي لفظ ابن ماجه : "لا يخرج" وفي لفظ ابن حبان والحاكم "ما خرج يوم فطر حتى يأكل تمرات" ، قوله : "حتى يأكل تمرات" ، وفي رواية ابن ماجه "حتى يطعم تمرات" ، وفي لفظ ابن حبان "حتى يأكل تمرات ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أقل من ذلك أو أكثر وترا" وفي لفظ أحمد "ويأكلهن أفرادا" . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه أن السنة أن لا يخرج إلى المصلى يوم عيد الفطر إلا بعد أن يطعم تمرات وترا ، وله شواهد منها حديث بريدة : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل ولا يأكل يوم الأضحى حتى يرجع" أخرجه الترمذي وابن ماجه ، وفي لفظ البيهقي : "فيأكل من كبد أضحيته" ومنها حديث ابن عمر : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى تغدى الصحابة من صدقة الفطر " أخرجه ابن ماجه ، وفي سنده عمرو بن صهبان وهو متروك ، ومنها حديث أبي سعيد الخدري قال : "كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل يوم الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى" أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه والبزار في مسنده وزاد : "فإذا خرج صلى ركعتين للناس وإذا رجع صلى في بيته ركعتين ، وكان لا يصلي قبل الصلاة شيئا يعني يوم العيد" ، وروى الترمذي محسنا عن الحارث " عن علي رضي الله تعالى عنه قال : من السنة أن يطعم الرجل يوم الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى " ، وأخرجه الدارقطني عنه وعن ابن عباس ، وفي «الموطأ» : "عن ابن المسيب أن الناس كانوا يؤمرون بالأكل قبل الغدو يوم الفطر" ، وعن الشافعي حدثنا إبراهيم بن محمد " أخبرني صفوان بن سليم أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يطعم قبل أن يخرج إلى الجبانة ، ويأمر به " ، وهذا مرسل ، وقد روي مرفوعا عن علي ورواه الشافعي بمعناه عن ابن المسيب وعروة بن الزبير ، " وعن السائب بن يزيد قال : مضت السنة أن يأكل قبل أن يغدو يوم الفطر" ، وعن أبي إسحاق "عن رجل من الصحابة أنه كان يأمر بالأكل يوم الفطر قبل أن يأتي المصلى" ، وحكاه عن معاوية بن سويد بن مقرن ، وابن مغفل ، وعروة ، وصفوان بن محرز ، وابن سيرين ، وعبد الله بن شداد ، والأسود بن يزيد ، وأم الدرداء ، وعمر بن عبد العزيز ، ومجاهد ، وتميم بن سلمة ، وأبي مخلد ، وعن عبد الله بن نمير "حدثنا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه كان يخرج إلى المصلى ، ولا يطعم شيئا" ، وحدثنا هشيم "أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم قال : إن طعم فحسن ، وإن لم يطعم فلا بأس" ، وحكاه الدارقطني عن ابن مسعود "إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل" ، وعن النخعي مثله ، وكان بعض التابعين يأمرهم بالأكل في الطريق ، قال ابن المنذر : والذي عليه الأكثر استحباب الأكل ، ( فإن قلت ) : ما الحكمة في استحباب التمر ؟ ( قلت ) : قيل : لما في الحلو من تقوية البصر الذي يضعفه الصوم ، وهو أيسر من غيره ، ومن ثمة استحب بعض التابعين أن يفطر على الحلو مطلقا كالعسل رواه ابن أبي شيبة ، عن معاوية بن قرة ، وابن سيرين وغيرهما ، وروي فيه حكمة أخرى عن ابن عون أنه سئل عن ذلك فقال : إنه يحبس البول ، ( قلت ) : يحتمل أن يكون التعيين في التمر لكونه أيسر الموجود وأكثره وأكثر قوتهم مع ما فيه من الحلو ، وقيل : الحكمة فيه أن النخلة ممثلة بالمسلم ، وقيل : لأنها هي الشجرة الطيبة ، وأما الحكمة في جعلهن وترا فلأنه صلى الله عليه وسلم كان يوتر في جميع أموره استشعارا للوحدانية ، وأما الحكمة في نفس الأكل قبل صلاة عيد الفطر فلئلا يظن أن الصيام يلزم يوم الفطر إلى أن يصلي صلاة العيد مع التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم . ( وقال مرجى بن رجاء : حدثني عبيد الله ، قال : حدثني أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم "ويأكلهن وترا" ) . ذكر البخاري هذا المعلق لإفادة أربعة أشياء : الأول أن فيه التصريح بإخبار عبيد الله بن أبي بكر عن أنس رضي الله تعالى عنه لأن في الرواية الأولى عنعنة ، والثاني الإشارة إلى أن الأكل مقيد بالوتر للحكمة التي ذكرناها ، والثالث الإشارة إلى أن مرجى قد تابع هشيما على روايته عن عبيد الله بن أبي بكر ، والرابع أن مرجى لما كان في الاحتجاج به خلاف ذكر ما رواه بصورة التعليق ، وليس في البخاري غير هذا الموضع الواحد ، وقد وصل هذا المعلق أحمد عن حرمي بن عمارة ، عن مرجى بن رجاء ، ومن هذا الوجه أخرجه البخاري في تاريخه ، وأخرجه أبو نعيم من حديث هاشم بن القاسم ، حدثنا مرجى به ، ومرجى بضم الميم وفتح الراء وتشديد الجيم المفتوحة والياء المقصورة ، ورجاء بفتح الراء وتخفيف الجيم وبالمد السمرقندي .