11 - بَاب فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ أَيَّامُ الْعَشْرِ . وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا ، وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ 969 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ العشر أَفْضَلَ مِنْ العمل فِي هَذِهِ . قَالُوا : وَلَا الْجِهَادُ ؟ قَالَ : وَلَا الْجِهَادُ ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ) مُقْتَضَى كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ مَا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ ، هَلْ هِيَ ثَلَاثَةٌ أَوْ يَوْمَانِ ؟ لَكِنْ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ سَبَبِ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ يَقْتَضِي دُخُولَ يَوْمِ الْعِيدِ فِيهَا . وَقَدْ حَكَى أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُشَرِّقُونَ فِيهَا لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ ، أَيْ يُقَدِّدُونَهَا وَيُبْرِزُونَهَا لِلشَّمْسِ . ثَانِيهُمَا لِأَنَّهَا كُلَّهَا أَيَّامُ تَشْرِيقٍ لِصَلَاةِ يَوْمِ النَّحْرِ فَصَارَتْ تَبَعًا لِيَوْمِ النَّحْرِ . قَالَ : وَهَذَا أَعْجَبُ الْقَوْلَيْنِ إِلَيَّ ، وَأَظُنُّهُ أَرَادَ مَا حَكَاهُ غَيْرُهُ أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ؟ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ إِنَّمَا تُصَلَّى بَعْدَ أَنْ تُشْرِقَ الشَّمْسُ . وَعَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا لَا تُنْحَرُ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ ، وَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ السِّكِّيتِ قَالَ : هُوَ مِنْ قَوْلِ الْجَاهِلِيَّةِ : أَشْرَقَ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرُ ، أَيْ نَدْفَعُ لِنَنْحَرَ . انْتَهَى . وَأَظُنُّهُمْ أَخْرَجُوا يَوْمَ الْعِيدِ مِنْهَا لِشُهْرَتِهِ بِلَقَبٍ يَخُصُّهُ وَهُوَ يَوْمُ الْعِيدِ ، وَإِلَّا فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ تَبَعٌ لَهُ فِي التَّسْمِيَةِ كَمَا تَبَيَّنَ مِنْ كَلَامِهِمْ . وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ مَوْقُوفًا ، وَمَعْنَاهُ لَا صَلَاةَ جُمُعَةٍ وَلَا صَلَاةَ عِيدٍ . قَالَ : وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَذْهَبُ بِالتَّشْرِيقِ فِي هَذَا إِلَى التَّكْبِيرِ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ يَقُولُ : لَا تَكْبِيرَ إِلَّا عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ . قَالَ : وَهَذَا لَمْ نَجِدْ أَحَدًا يَعْرِفُهُ ، وَلَا وَافَقَهُ عَلَيْهِ صَاحِبَاهُ وَلَا غَيْرُهُمَا . انْتَهَى . وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ : مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ التَّشْرِيقِ - أَيْ : قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ - فَلْيُعِدْ . رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ مُرْسَلِ الشَّعْبِيِّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ . وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَابْنِ شَبُّوَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَاذْكُرُوا اللَّهَ إِلَخْ وَلِلْحَمَوِيِّ ، وَالْمُسْتَمْلِي : وَيَذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ التِّلَاوَةَ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ أَوْ : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ التِّلَاوَةَ ، وَإِنَّمَا حَكَى كَلَامَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ أَرَادَ تَفْسِيرَ الْمَعْدُودَاتِ وَالْمَعْلُومَاتِ وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْهُ وَفِيهِ : الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ ، وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ أَيَّامُ الْعَشْرِ وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ الَّتِي قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ ، وَالْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَظَاهِرُهُ إِدْخَالُ يَوْمِ الْعِيدِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ وَرَجَّحَ الطَّحَاوِيُّ هَذَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِنَّهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَيَّامُ النَّحْرِ . انْتَهَى . وَهَذَا لَا يَمْنَعُ تَسْمِيَةَ أَيَّامِ الْعَشْرِ مَعْلُومَاتٍ ، وَلَا أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مَعْدُودَاتٍ ، بَلْ تَسْمِيَةُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مَعْدُودَاتٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ الْآيَةَ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهَا إِنَّمَا سُمِّيَتْ مَعْدُودَاتٍ ؛ لِأَنَّهَا إِذَا زِيدَ عَلَيْهَا شَيْءٌ عُدَّ ذَلِكَ حَصْرًا أَيْ فِي حُكْمِ حَصْرِ الْعَدَدِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ إِلَخْ ) لَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا عَنْهُمَا ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مُعَلَّقًا عَنْهُمَا ، وَكَذَا الْبَغَوِيُّ ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : كَانَ مَشَايِخُنَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ ، أَيْ : بِالتَّكْبِيرِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ . وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى الْبُخَارِيِّ فِي ذِكْرِ هَذَا الْأَثَرِ فِي تَرْجَمَةِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ عَادَتَهُ أَنْ يُضِيفَ إِلَى التَّرْجَمَةِ مَا لَهُ بِهَا أَدْنَى مُلَابَسَةٍ اسْتِطْرَادًا . انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ تَسَاوِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِأَيَّامِ الْعَشْرِ لِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا مِمَّا يَقَعُ فِيهِمَا مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَثَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ صَرِيحٌ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ ، وَالْأَثَرَ الَّذِي بَعْدَهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ . وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ بَعْدَ قَلِيلٍ . قَوْلُهُ : ( وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ النَّافِلَةَ ) هُوَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُؤْتَلَفِ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى الْقَزَّازِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو وَهْنَةَ رُزَيْقٌ الْمَدَنِيُّ ، قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ يُكَبِّرُ بِمِنًى فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ خَلْفَ النَّوَافِلِ ، وَأَبُو وَهْنَةَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بَعْدَهَا نُونٌ ، وَرُزَيْقٌ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ مُصَغَّرًا ، وَفِي سِيَاقِ هَذَا الْأَثَرِ تَعَقُّبٌ عَلَى الْكِرْمَانِيِّ حَيْثُ جَعَلَهُ يَتَعَلَّقُ بِتَكْبِيرِ أَيَّامِ الْعَشْرِ كَالَّذِي قَبْلَهُ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : لَمْ يُتَابِعْ مُحَمَّدًا عَلَى هَذَا أَحَدٌ ، كَذَا قَالَ ، وَالْخِلَافُ ثَابِتٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ هَلْ يَخْتَصُّ التَّكْبِيرُ الَّذِي بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي الْعِيدِ بِالْفَرَائِضِ أَوْ يَعُمُّ ، وَاخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الِاخْتِصَاصُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سُلَيْمَانَ ) هُوَ الْأَعْمَشُ ، وَمُسْلِمٌ هُوَ الْبَطِينُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ، لُقِّبَ بِذَلِكَ لِعِظَمِ بَطْنِهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ فَصَرَّحَ بِسَمَاعِ الْأَعْمَشِ لَهُ مِنْهُ وَلَفْظُهُ : عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ : سَمِعْتُ مُسْلِمًا وَهَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْحُفَّاظِ عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ : عَنْ مُسْلِمٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَأَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَمَّا طَرِيقُ مُجَاهِدٍ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فَقَالَ : عَنِ ابْنِ عُمَرَ بَدَلَ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَأَمَّا طَرِيقُ أَبِي صَالِحٍ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، فَقَالَ : عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْمَحْفُوظُ فِي هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ آخَرُ عَنِ الْأَعْمَشِ ، رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ : عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَقَدْ وَافَقَ الْأَعْمَشُ عَلَى رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ أَيْضًا ، وَرَوَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ ، وَأَبُو عَوَانَةَ ، وَأَبُو جَرِيرٍ السِّخْتِيَانِيُّ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ ، وَعَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ ، وَسَنَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتِهِمْ مِنَ الْفَوَائِدِ وَالزَّوَائِدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ ) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ بِالْإِبْهَامِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ . وَهَذَا يَقْتَضِي نَفْيَ أَفْضَلِيَّةِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ عَلَى الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ إِنْ فُسِّرَتْ بِأَنَّهَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ ، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى بَعْضُ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ تَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورَةُ ، فَزَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ فَسَّرَ الْأَيَّامَ الْمُبْهَمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ ، وَفَسَّرَ الْعَمَلَ بِالتَّكْبِيرِ لِكَوْنِهِ أَوْرَدَ الْآثَارَ الْمَذْكُورَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالتَّكْبِيرِ فَقَطْ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ فِي غَيْرِهِ ، قَالَ : وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ كَوْنُهَا أَيَّامَ عِيدٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَلَا مَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : أَنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ، كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْعَمَلَ فِيهَا ، بَلْ قَدْ شَرَعَ فِيهَا أَعْلَى الْعِبَادَاتِ وَهُوَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَمْ يُمْنَعْ فِيهَا مِنْهَا إِلَّا الصِّيَامُ . قَالَ : وَسِرُّ كَوْنِ الْعِبَادَةِ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا أَنَّ الْعِبَادَةَ فِي أَوْقَاتِ الْغَفْلَةِ فَاضِلَةٌ عَلَى غَيْرِهَا ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ غَفْلَةٍ فِي الْغَالِبِ ، فَصَارَ لِلْعَابِدِ فِيهَا مَزِيدُ فَضْلٍ عَلَى الْعَابِدِ فِي غَيْرِهَا كَمَنْ قَامَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَأَكْثَرُ النَّاسِ نِيَامٌ ، وَفِي أَفْضَلِيَّةِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ نُكْتَةٌ أُخْرَى ، وَهِيَ أَنَّهَا وَقَعَتْ فِيهَا مِحْنَةُ الْخَلِيلِ بِوَلَدِهِ ثُمَّ مُنَّ عَلَيْهِ بِالْفِدَاءِ ، فَثَبَتَ لَهَا الْفَضْلُ بِذَلِكَ اهـ . وَهُوَ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ الْمَنْقُولَ يُعَارِضُهُ ، وَالسِّيَاقُ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ مِنَ الْحُفَّاظِ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ شَيْخِ كَرِيمَةَ بِلَفْظِ : مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذَا الْعَشْرِ . وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ : فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ . وَكَذَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ شُعْبَةَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا : مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ منْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، فَقَالَ : مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ بِدُونِ يَعْنِي ، وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ قَوْلَهُ : يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ ، لَكِنْ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ وَغَيْرِهِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مِنْ نَفْسِ الْخَبَرِ . وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ بِلَفْظِ : مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى . وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي صَحِيحَيْ أَبِي عَوَانَةَ ، وَابْنِ حِبَّانَ : مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ . فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَيَّامِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَيَّامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ ، لَكِنَّهُ مُشْكِلٌ عَلَى تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ بِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيُجَابُ بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الشَّيْءَ يَشْرُفُ بِمُجَاوَرَتِهِ لِلشَّيْءِ الشَّرِيفِ ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ تَقَعُ تِلْوَ أَيَّامِ الْعَشْرِ ، وَقَدْ ثَبَتَتِ الْفَضِيلَةُ لِأَيَّامِ الْعَشْرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَثَبَتَتْ بِذَلِكَ الْفَضِيلَةُ لِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ . ثَانِيهَا : أَنَّ عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ إِنَّمَا شُرِّفَ لِوُقُوعِ أَعْمَالِ الْحَجِّ فِيهِ ، وَبَقِيَّةُ أَعْمَالِ الْحَجِّ تَقَعُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَالرَّمْيِ وَالطَّوَافِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَتِمَّاتِهِ ، فَصَارَتْ مُشْتَرِكَةً مَعَهَا فِي أَصْلِ الْفَضْلِ ، وَلِذَلِكَ اشْتَرَكَتْ مَعَهَا فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبِيرِ فِي كُلٍّ مِنْهَا ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ الْآثَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي صَدْرِ التَّرْجَمَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا . ثَالِثُهَا : أَنَّ بَعْضَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ هُوَ بَعْضُ أَيَّامِ الْعَشْرِ وَهُوَ يَوْمُ الْعِيدِ ، وَكَمَا أَنَّهُ خَاتِمَةُ أَيَّامِ الْعَشْرِ فَهُوَ مُفْتَتَحُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، فَمَهْمَا ثَبَتَ لِأَيَّامِ الْعَشْرِ مِنَ الْفَضْلِ شَارَكَتْهَا فِيهِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ ، لِأَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ بَعْضُ كُلٍّ مِنْهَا ، بَلْ هُوَ رَأْسُ كُلٍّ مِنْهَا وَشَرِيفُهُ وَعَظِيمُهُ ، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( قَالُوا : وَلَا الْجِهَادُ ) فِي رِوَايَةِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ الْمَذْكُورَةِ : فَقَالَ رَجُلٌ وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْيِينَ هَذَا السَّائِلِ ، وَفِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ : وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ . وَفِي رِوَايَةِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ أَيْضًا : حَتَّى أَعَادَهَا ثَلَاثًا وَدَلَّ سُؤَالُهُمْ هَذَا عَلَى تَقَرُّرِ أَفْضَلِيَّةِ الْجِهَادِ عِنْدَهُمْ ، وَكَأَنَّهُمُ اسْتَفَادُوهُ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَوَابِ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ ، فَقَالَ : لَا أَجِدُهُ ، الْحَدِيثَ . وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَنَذْكُرُ هُنَاكَ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَالتَّقْدِيرُ : إِلَّا عَمَلُ رَجُلٍ ، وَلِلْمُسْتَمْلِي : إِلَّا مَنْ خَرَجَ . قَوْلُهُ : ( يُخَاطِرُ ) أَيْ يَقْصِدُ قَهْرَ عَدُوِّهِ وَلَوْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى قَتْلِ نَفْسِهِ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ) أَيْ فَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ الْعَامِلِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : هَذَا اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ ، أَنْ لَا يَرْجِعَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ رَجَعَ هُوَ ، وَأَنْ لَا يَرْجِعَ هُوَ وَلَا مَالُهُ بِأَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ الشَّهَادَةَ . وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ قَوْلَهُ : فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ، يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِنَفْسِهِ وَلَا بُدَّ ، اهـ . وَهُوَ تَعَقُّبٌ مَرْدُودٌ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ ، فَتَعُمُّ مَا ذَكَرَ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ ، وَغُنْدَرٍ وَغَيْرِهِمَا عَنْ شُعْبَةَ ، وَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا : فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَفْيَ الرُّجُوعِ بِالشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ الرُّجُوعِ بِغَيْرِ شَيْءٍ ، بَلْ هُوَ عَلَى الِاحْتِمَالِ كَمَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَيَدُلُّ عَلَى الثَّانِي وُرُودُهُ بِلَفْظٍ يَقْتَضِيهِ ، فَعِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ : إِلَّا مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ وَأُهْرِيقَ دَمُهُ ، وَعِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ : إِلَّا مَنْ لَا يَرْجِعُ بِنَفْسِهِ وَلَا مَالِهِ . وَفِي طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ : فَقَالَ : لَا إِلَّا أَنْ لَا يَرْجِعَ . وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ : إِلَّا مَنْ عُفِّرَ وَجْهُهُ فِي التُّرَابِ . فَظَهَرَ بِهَذِهِ الطُّرُقِ تَرْجِيحُ مَا رَدَّهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ قَدْرِ الْجِهَادِ وَتَفَاوُتُ دَرَجَاتِهِ وَأَنَّ الْغَايَةَ الْقُصْوَى فِيهِ بَذْلُ النَّفْسِ لِلَّهِ ، وَفِيهِ تَفْضِيلُ بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ عَلَى بَعْضٍ كَالْأَمْكِنَةِ ، وَفَضْلُ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِيمَنْ نَذَرَ الصِّيَامَ أَوْ عَلَّقَ عَمَلًا مِنَ الْأَعْمَالِ بِأَفْضَلِ الْأَيَّامِ ، فَلَوْ أَفْرَدَ يَوْمًا مِنْهَا تَعَيَّنَ يَوْمُ عَرَفَةَ ، لِأَنَّهُ عَلَى الصَّحِيحِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَشْرِ الْمَذْكُورَةِ ، فَإِنْ أَرَادَ أَفْضَلَ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ تَعَيَّنَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، جَمْعًا بَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : لَمْ يُرِدْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ خَيْرٌ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، يَعْنِي فَيَلْزَمُ تَفْضِيلُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ سَوَاءٌ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا ، وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ أَفْضَلُ مِنَ الْجُمُعَةِ فِي غَيْرِهِ لِاجْتِمَاعِ الْفَضْلَيْنِ فِيهِ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَضْلِ صِيَامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِانْدِرَاجِ الصَّوْمِ فِي الْعَمَلِ ، وَاسْتَشْكَلَ بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ يَوْمَ الْعِيدِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَائِمًا الْعَشْرَ قَطُّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ ، كَمَا رَوَاهُ الصَّحِيحَانِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي امْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمَكَانِ اجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِ ، وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَجُّ ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ . وَعَلَى هَذَا هَلْ يَخْتَصُّ الْفَضْلُ بِالْحَاجِّ أَوْ يَعُمُّ الْمُقِيمَ ؟ فِيهِ احْتِمَالٌ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ : الْمُرَادُ بِالْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ التَّكْبِيرُ فَقَطْ ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ ، وَثَبَتَ تَحْرِيمُ صَوْمِهَا ، وَوَرَدَ فِيهِ إِبَاحَةُ اللَّهْوِ بِالْحِرَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَدَلَّ عَلَى تَفْرِيغِهَا لِذَلِكَ ، مَعَ الْحَضِّ عَلَى الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ مِنْهُ فِيهَا التَّكْبِيرُ فَقَطْ ، وَمِنْ ثَمَّ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى إِيرَادِ الْآثَارِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّكْبِيرِ . وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْعَمَلَ إِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ الْعِبَادَةَ ، وَهِيَ لَا تُنَافِي اسْتِيفَاءَ حَظِّ النَّفْسِ مِنَ الْأَكْلِ وَسَائِرِ مَا ذُكِرَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَغْرِقُ الْيَوْمَ وَاللَّيْلَةَ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْحَثُّ عَلَى الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَا يَنْحَصِرُ فِي التَّكْبِيرِ ، بَلِ الْمُتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْهُ أَنَّهُ الْمَنَاسِكُ مِنَ الرَّمْيِ وَغَيْرِهِ الَّذِي يَجْتَمِعُ مَعَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، قَالَ : مَعَ أَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى التَّكْبِيرِ وَحْدَهُ لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدَهُ : بَابُ التَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى مَعْنًى ، وَيَكُونُ تَكْرَارًا مَحْضًا ، اهـ . وَالَّذِي يَجْتَمِعُ مَعَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْعِبَادَةِ هُوَ الذِّكْرُ الْمَأْمُورُ بِهِ ، وَقَدْ فُسِّرَ بِالتَّكْبِيرِ كَمَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَأَمَّا الْمَنَاسِكُ فَمُخْتَصَّةٌ بِالْحَاجِّ ، وَجَزْمُهُ بِأَنَّهُ تَكْرَارٌ مُتَعَقَّبٌ ، لِأَنَّ التَّرْجَمَةَ الْأُولَى لِفَضْلِ التَّكْبِيرِ وَالثَّانِيَةَ لِمَشْرُوعِيَّتِهِ وَصِفَتِهِ ، أَوْ أَرَادَ تَفْسِيرَ الْعَمَلِ الْمُجْمَلِ فِي الْأُولَى بِالتَّكْبِيرِ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَلَا تَكْرَارَ . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي آخِرِهِ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَفِي رِوَايَةِ عَدِيٍّ مِنَ الزِّيَادَةِ وَأَنَّ صِيَامَ يَوْمٍ مِنْهَا يَعْدِلُ صِيَامَ سَنَةٍ ، وَالْعَمَلَ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ ، وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لَكِنْ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، وَكَذَا الْإِسْنَادُ إِلَى عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ · ص 530 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب فضل العمل في أيام التشريق · ص 109 11 – باب فضل العمل في أيام التشريق وقال ابن عباس واذكروا الله في أيام معلومات : أيام العشر . والأيام المعدودات : أيام التشريق . وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر ، ويكبران ويكبر الناس بتكبيرهما . وكبر محمد بن علي خلف النافلة . بوب على فضل أيام التشريق والعمل فيها . وذكر في الباب أيام التشريق وأيام العشر ، وفضلهما جميعًا . وذكر ابن عباس : أن الأيام المعلومات المذكورة في سورة الحج هي أيام العشر ، والأيام المعدودات المذكورة في سورة البقرة هي أيام التشريق . وفي كل منهما اختلاف بين العلماء : فأما المعلومات : فقد روي عن ابن عباس ، أنها أيام عشر ذي الحجة ، كما حكاه عنه البخاري . وروي - أيضًا - عن ابن عمر ، وعن عطاء والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة . وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد - في المشهور عنه . وقالت طائفة : الأيام المعلومات : يوم النحر ويومان بعده ، روي عن ابن عمر وغيره من السلف . وقالوا : هي أيام الذبح . وروي - أيضًا - عن علي وابن عباس ، وعن عطاء الخراساني والنخعي وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد وأحمد - في رواية عنه . ومن قال : أيام الذبح أربعة ، قال : هي يوم النحر وثلاثة أيام بعده . وقد روي عن أبي موسى الأشعري ، أنه قال - في خطبته يوم النحر - : هذا يوم الحج الأكبر ، وهذه الأيام المعلومات التسعة التي ذكر الله في القرآن ، لا يرد فيهن الدعاء ، هذا يوم الحج الأكبر ، وما بعده من الثلاثة اللائي ذكر الله الأيام المعدودات ، لا يرد فيهن الدعاء . وهؤلاء جعلوا ذكر الله فيها هو ذكره على الذبائح . وروي عن محمد بن كعب ، أن المعلومات أيام التشريق خاصة . والقول الأول أصح ؛ فإن الله سبحانه وتعالى قالَ - بعد ذكره في هذه الأيام المعلومات : ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ والتفث : هو ما يصيب الحاج من الشعث والغبار . وقضاؤه : إكماله . وذلك يحصل يوم النحر بالتحلل فيه من الإحرام ، فقد جعل ذلك بعد ذكره في الأيام المعلومات ، فدل على أن الأيام المعلومات قبل يوم النحر الذي يقضى فيه التفث ويطوف فيه بالبيت العتيق . فلو كانت الأيام المعلومات أيام الذبح لكان الذكر فيها بعد قضاء التفث ووفاء النذور والتطوف بالبيت العتيق ، والقرآن يدل على أن الذكر فيها قبل ذلك . وأما قوله تعالى : عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فإما أن يقال : إن ذكره على الذبائح يحصل في يوم النحر ، وهو أفضل أوقات الذبح ، وهو آخر العشر . وإما أن يقال : إن ذكره على ما رزقنا من بهيمة الأنعام ، ليس هو ذكره على الذبائح ، بل ذكره في أيام العشر كلها ، شكرًا على نعمة رزقه لنا من بهيمة الأنعام ؛ فإن لله تعالى علينا فيها نعمًا كثيرة دنيوية ودينية . وقد عدد بعض الدنيوية في سورة النحل ، وتختص عشر ذي الحجة منها بحمل أثقال الحاج ، وإيصالهم إلى قضاء مناسكهم والانتفاع بركوبها ودرها ونسلها وأصوافها وأشعارها . وأما الدينية فكثيرة ، مثل : إيجاب الهدي وإشعاره وتقليده ، وغالبا يكون ذلك في أيام العشر أو بعضها ، وذبحه في آخر العشر ، والتقرب به إلى الله ، والأكل من لحمه ، وإطعام القانع والمعتر . فلذلك شرع ذكر الله في أيام العشر شكرًا على هذه النعم كلها ، كما صرح به في قوله تعالى : كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ كما أمر بالتكبير عند قضاء صيام رمضان ، وإكمال العدة ، شكرًا على ما هدانا إليه من الصيام والقيام المقتضي لمغفرة الذنوب السابقة . وأما الأيام المعدودات : فالجمهور على أنها أيام التشريق ، وروي عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما . واستدل ابن عمر بقوله : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وإنما يكون التعجيل في ثاني أيام التشريق . قال الإمام أحمد : ما أحسن ما قال ابن عمر . وقد روي عن ابن عباس وعطاء ، أنها أربعة أيام : يوم النحر ، وثلاثة بعده . وفي إسناد المروي عن ابن عباس ضعف . وأما ما ذكره البخاري عن ابن عمر وأبي هريرة ، فهو من رواية سلام أبي المنذر ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد ، أن ابن عمر وأبا هريرة كانا يخرجان في العشر إلى السوق يكبران ، لا يخرجان إلا لذلك . خرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب الشافي وأبو بكر المروزي القاضي في كتاب العيدين . ورواه عفان : نا سلام أبو المنذر - فذكره ، ولفظه : كان أبو هريرة وابن عمر يأتيان السوق أيام العشر ، فيكبران ، ويكبر الناس معهما ، ولا يأتيان لشيء إلا لذلك . وروى جعفر الفريابي ، من رواية يزيد بن أبي زياد ، قال : رأيت سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهدا - أو اثنين من هؤلاء الثلاثة - ومن رأينا من فقهاء الناس يقولون في أيام العشر : الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله والله أكبر . الله أكبر ولله الحمد . وروى المروزي ، عن ميمون بن مهران ، قال : أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر ، حتى كنت أشبهه بالأمواج من كثرتها ، ويقول : إن الناس قد نقصوا في تركهم التكبير . وهو مذهب أحمد ، ونص على أنه يجهر به . وقال الشافعي : يكبر عند رؤية الأضاحي . وكأنه أدخله في التكبير على بهيمة الأنعام المذكور في القرآن ، وهو وإن كان داخلا فيه ، إلا أنه لا يختص به ، بل هو أعم من ذلك كما تقدم . وهذا على أصل الشافعي وأحمد : في أن الأيام المعلومات هي أيام العشر ، كما سبق . فأما من قال : هي أيام الذبح ، فمنهم من لم يستحب التكبير في أيام العشر ، وحكي عن مالك وأبي حنيفة . ومن الناس من بالغ ، وعده من البدع ، ولم يبلغه ما في ذلك من السنة . وروى شعبة ، قال : سألت الحكم وحمادًا عن التكبير أيام العشر ؟ فقالا : لا ؛ محدث . خرّجه المروزي . وخرّج الإمام أحمد من حديث ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيه من هذه الأيام العشر ؛ فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد . ويروى نحوه من حديث ابن عباس - مرفوعًا ، وفيه : فأكثروا فيهن التهليل والتكبير ؛ فإنها أيام تهليل وتكبير وذكر الله عز وجل . وأما ما ذكره عن محمد بن علي في التكبير خلف النافلة ، فهوَ في أيام التشريق . ومراده : أن التكبير يشرع في أيام العشر وأيام التشريق جميعًا ، وسيأتي ذكر التكبير في أيام التشريق فيما بعد - إن شاء الله سبحانه وتعالى .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب فضل العمل في أيام التشريق · ص 113 قال البخاري - رحمه الله تعالى - : 969 - نا محمد بن عرعرة : نا شعبة ، عن سليمان ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما العمل في أيام أفضل منها في هذه الأيام - يعني : أيام العشر - قالوا : ولا الجهاد ؟ قالَ : ولا الجهاد ، إلا رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله ، فلم يرجع بشيء . هكذا في أكثر النسخ المعتمدة ، وفي أكثر النسخ : ما العمل في العشر أفضل منه في هذه الأيام - وكأنه يشير إلى أيام التشريق - والحديث بهذا اللفظ غير معروف . وفيه : تفضيل العمل في أيام التشريق وأيام العشر جميعًا . ولعل هذا من تصرف بعض الرواة ، حيث أشكل عليه إدخال الحديث باللفظ المشهور في باب : فضل العمل في أيام التشريق . والبخاري اتبع عبد الرزاق ؛ فإنه خرج هذا الحديث في ( مصنفه ) في باب : فضل أيام التشريق - أيضًا . وقد ذكر أن البخاري وإن بوب على أيام التشريق ، لكنه ذكر في الباب فضل أيام العشر وأيام التشريق جميعا ، ولهذا ذكر عن ابن عباس تفسير الأيام المعلومات ، والأيام المعدودات . وعن ابن عمر وأبي هريرة التكبير في أيام العشر . وعن محمد بن علي التكبير في أيام التشريق خلف النوافل ، فعلم أنه أراد ذكر فضائل هذه الأيام جميعها ، وليس في فضل العمل في أيام التشريق حديث مرفوع ، فخرج فيه حديث فضل العمل في أيام العشر . وهذا الحديث حديث عظيم جليل . وسليمان الذي رواه عنه شعبة هو الأعمش ، وقد رواه جماعة عن الأعمش بهذا الإسناد ، وهو المحفوظ - : قاله الدارقطني وغيره . واختلف على الأعمش فيه : ورواه عن مسلم البطين مع الأعمش : حبيب بن أبي عمرة ومخول بن راشد . ورواه عن سعيد بن جبير مع البطين : أبو صالح ومجاهد وسلمة بن كهيل وأبو إسحاق والحكم وعدي بن ثابت وغيرهم ، مع اختلاف على بعضهم فيه . ورواه عن ابن عباس مع سعيد بن جبير ، عطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة ومقسم ، مع اختلاف على بعضهم يطول ذكره . ولعل مسلمًا لم يخرجه للاختلاف في إسناده . والله سبحانه وتعالى أعلم . وهذا الحديث نص في أن العمل المفضول يصير فاضلا إذا وقع في زمان فاضل ، حتى يصير أفضل من غيره من الأعمال الفاضلة ؛ لفضل زمانه . وفي أن العمل في عشر ذي الحجة أفضل من جميع الأعمال الفاضلة في غيره . ولا يستثنى من ذلك سوى أفضل أنواع الجهاد ، وهو أن يخرج الرجل بنفسه وماله ، ثم لا يرجع منهما بشيء . وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - : أي الجهاد أفضل ؟ ، قالَ : من عقر جواده ، وأهريق دمه . وسمع رجلا يقول : اللَّهُمَّ أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين ، فقالَ لهُ : إذن يعقر جوادك ، وتستشهد . فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في العشر ، وأما سائر أنواع الجهاد مع سائر الأعمال ، فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل منها . وفي رواية : وأحب إلى الله عز وجل . فإن قيل : فإذا كان كذلك فينبغي أن يكون الحج أفضل من الجهاد ؛ لأن الحج يختص بهذه العشر ، وهو من أفضل أعماله ، ومع هذا فالجهاد أفضل منه ؛ لما في الصحيحين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قالَ : أفضل الأعمال الإيمان بالله ورسوله ، ثُمَّ الجهاد في سبيل الله ، ثُمَّ حج مبرور . قيل : للجمع بينهما وجهان : أحدهما : بأن يكون الحج أفضل من سائر أنواع الجهاد ، إلا الجهاد الذي لا يرجع صاحبه منه بشيء من نفسه وماله ، فيكون هذا الجهاد هو الذي يفضل على الحج خاصة . وقد روي عن طائفة من الصحابة تفضيل الحج على الجهاد ، ومنهم : عمر وابنه وأبو موسى وغيرهم ، وعن مجاهد وغيره . فيحمل على تفضيله على ما عدا هذا الجهاد الخاص ، ويجمع بذلك بين النصوص كلها . الوجه الثاني : أن الجهاد في نفسه أفضل من الحج ، لكن قد يقترن بالحج ما يصير به أفضل من الجهاد ، وقد يتجرد عن ذلك فيكون الجهاد أفضل منه حينئذ . ولذلك أمثلة : منها : أن يكون الحج مفروضا ، فيكون حينئذ أفضل من التطوع بالجهاد ، هذا قول جمهور العلماء . وقد روي صريحًا ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص . وروي - مرفوعًا - من وجوه متعددة ، في أسانيدها لين . ونص عليه الإمام أحمد وغيره . وقد دل عليه : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حكاية عن ربه عز وجل : ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه . وقد خرجه البخاري في كتابه هذا . ومنها : أن يكون الحاج ليس من أهل الجهاد ، فحجه أفضل من جهاده ، كالمرأة . وقد خرج البخاري حديث عائشة ، أنها قالت : يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نرى الجهاد أفضل العمل ، أفلا نجاهد ؟ قالَ : لكن أفضل الجهاد حج مبرور . ومنها : أن يستوعب عمل الحج جميع أيام العشر ، ويؤتى به على أكمل الوجوه ، وجوه البر من أداء الواجبات وفعل المندوبات واجتناب المحرمات والمكروهات ، مع كثرة ذكر الله عز وجل والإحسان إلى عباده ، وكثرة العج والثج ، فهذا الحج قد يفضل على الجهاد . وقد يحمل عليه ما روي عن الصحابة من تفضيل الحج على الجهاد ، كما سبق . وإن وقع عمل الحج في جزء يسير من العشر ، ولم يؤت به على الوجه الكامل من البر ، فإن الجهاد حينئذ أفضل منه . ويدل عليه - أيضًا - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن عمل يعدل الجهاد ، فقال : هل تستطيع إذا خرج المجاهد ، أن تقوم فلا تفتر ، وتصوم فلا تفطر ؟ . فدل على أن العمل من فتور في أي وقت كانَ يعدل الجهاد ، فإذا وقع هذا العمل الدائم في العشر بخصوصه كان أفضل في عدد أيامه من سائر السنة ، إلا من أفضل الجهاد بخصوصه كما تقدم . ولهذا كان سعيد بن جبير - وهو راوي هذا الحديث ، عن ابن عباس - إذا دخل العشر اجتهد اجتهادًا حتى ما يكاد يقدر عليه . وروي عنه ، أنه قال : لا تطفئوا مصابيحكم في العشر - يعجبه العبادة . فإن قيل : هل المراد : تفضيل العمل في هذه العشر على العمل في كل عشر غيره من أيام الدنيا ، فيدخل في ذلك عشر رمضان وغيره ، أم على العمل في أكثر من عشر أخر من الأيام ، وإن طالت المدة ؟ قيل : أما تفضيل العمل فيهِ على العمل في كل عشر غيره ، فلا شك في ذَلِكَ . ويدل عليه : ما خرجه ابن حبان في صحيحه ، من حديث جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة . فقال رجل : يا رسول الله ، هو أفضل أو عدتهن جهاد في سبيل الله ؟ قالَ : هوَ أفضل من عدتهن جهاد في سبيل الله عز وجل . فيدخل في ذلك تفضيل العمل في عشر ذي الحجة على العمل في جميع أعشار الشهور كلها ، ومن ذلك عشر رمضان . لكن فرائض عشر ذي الحجة أفضل من فرائض سائر الأعشار ، ونوافله أفضل من نوافلها ، فأما نوافل العشر فليست أفضل من فرائض غيره ، كما سبق تقريره في الحج والجهاد . وحينئذ ؛ فصيام عشر رمضان أفضل من صيام عشر ذي الحجة ؛ لأن الفرض أفضل من النفل . وأما نوافل عشر ذي الحجة فأفضل من نوافل عشر رمضان ، وكذلك فرائض عشر ذي الحجة تضاعف أكثر من مضاعفة فرائض غيره . وقد كان عمر يستحب قضاء رمضان في عشر ذي الحجة ؛ لفضل أيامه ، وخالفه في ذَلِكَ علي ، وعلل قوله باستحباب تفريغ أيامه للتطوع . وبذلك علله أحمد وإسحاق ، وعن أحمد في ذَلِكَ روايتان . وأما تفضيل العمل في عشر ذي الحجة على العمل في أكثر من عشرة أيام من غيره ، ففيه نظر . وقد روي ما يدل عليهِ : فخرج الترمذي وابن ماجه من رواية النهاس بن قهم ، عن قتادة ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة ، يعدل صيام كل يوم منها بسنة ، وكل ليلة منها بليلة القدر . والنهاس ، ضعفوه . وذكر الترمذي عن البخاري ، أن الحديث يروى عن قتادة ، عن ابن المسيب - مرسلا . وروى ثوير بن أبي فاختة - وفيه ضعف - عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قالَ : ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة ، ليس العشر ؛ فإن العمل فيهِ يعدل عمل سنة . وممن روي عنه : أن صيام كل يوم من العشر يعدل سنة : ابن سيرين وقتادة وعن الحسن : صيام يوم منه يعدل شهرين . وروى هارون بن موسى النحوي : سمعت الحسن يحدث ، عن أنس ، قالَ : كان يقال في أيام العشر بكل ألف يوم ، ويوم عرفة عشرة آلاف يوم . وفي صحيح مسلم ، من حديث أبي قتادة - مرفوعا - إن صيامه كفارة سنتين . وهذه النصوص : تدل على أن كل عمل في العشر فإنه أفضل من العمل في غيره ، إما سنة أو أكثر من ذلك أو أقل . والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة ذلك كله . وحديث جابر الذي خرجه ابن حبان : يدل على أن أيام العشر أفضل من الأيام مطلقا . وقد خرجه أبو موسى المديني من الوجه الذي خرجه ابن حبان ، بزيادة فيهِ ، وهي : ولا ليالي أفضل من لياليهن . وفي مسند البزار من وجه آخر ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : أفضل أيام الدنيا العشر . وروي مرسلًا . وقيل : إنه أصح . وقد سبق قول ابن عمر في تفضيل أيام العشر على يوم الجمعة ، الذي هوَ أفضل أيام الدنيا . وقال مسروق في قوله : وَلَيَالٍ عَشْرٍ هي أفضل أيام السنة . وهذه العشر تشتمل على يوم عرفة . وفي صحيح ابن حبان عن جابر - مرفوعا - : إنه أفضل أيام الدنيا وفيه : يوم النحر . وفي حديث عبد الله بن قرط ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : أعظم الأيام عند الله يوم النحر ، ثم يوم القر . خرّجه أبو داود وغيره . وقد سبق في الحديث المرفوع : أن صيام كل يوم منه بسنة ، وقيام كل ليلة منه يعدل ليلة القدر . وهذا يدل على أن عشر ذي الحجة أفضل من عشر رمضان ، لياليه وأيامه . وقد زعم طائفة من أصحابنا : أن ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر . وقد تقدم عن ابن عمر ، أن أيام العشر أفضل من يوم الجمعة ، فلا يستنكر حينئذ تفضيل ليالي عشر ذي الحجة على ليلة القدر . وعلى تقدير أن لا يثبت ذلك ، فقال بعض أعيان أصحابنا المتأخرين : مجموع عشر ذي الحجة أفضل من مجموع عشر رمضان ، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا تفضل عليها غيرها . والله سبحانه وتعالى أعلم . وروى سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن كعب : أحب الزمان إلى الله الشهر الحرام ، وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة ، وأحب ذي الحجة إلى الله العشر الأول . وروي عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - مرفوعا ، ولا يصح . وكذا قال سعيد بن جبير : ما من الشهور أعظم حرمة من ذي الحجة . وفي مسند البزار من حديث أبي سعيد - مرفوعا - : سيد الشهور رمضان ، وأعظمها حرمة ذو الحجة . وفي إسناده مقال . وفي مسند الإمام أحمد ، عن أبي سعيد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - في خطبته في حجة الوداع يوم النحر - : ألا إن أحرم الأيام يومكم هذا ، وأحرم الشهور شهركم هذا ، وأحرم البلاد بلدكم هذا . وروي هذا من حديث جابر ، ووابصة ، ونبيط بن شريط وغيرهم - أيضًا . وهذا كله يدل على أن شهر ذي الحجة أفضل الأشهر الحرم ؛ حيث كانَ أعظمها حرمة . وروي عن الحسن : أن أفضلها المحرم . وأما ما قاله بعض الفقهاء الشافعية : إن أفضلها رجب : فقوله ساقط مردود . والله تعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب فضل العمل في أيام التشريق · ص 289 ( باب فضل العمل في أيام التشريق ) أي هذا باب في بيان فضل العمل في أيام التشريق ، وهو مصدر من شرق اللحم إذا بسطه في الشمس ليجف وسميت بذلك أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي كانت تشرق فيها بمنى ، وقيل : سميت به لأن الهدي والضحايا لا تنحر حتى تشرق الشمس أي تطلع ، وكان المشركون يقولون : أشرق ثبير كيما نغير ، وثبير بفتح الثاء المثلثة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره راء وهو جبل بمنى أي ادخل أيها الجبل في الشروق وهو ضوء الشمس ، "كيما نغير" أي ندفع للنحر ، وذكر بعضهم أن أيام التشريق سميت بذلك ، وقيل : التشريق صلاة العيد لأنها تؤدى عند إشراق الشمس وارتفاعها كما جاء في الحديث : " لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع " أخرجه أبو عبيد بإسناد صحيح إلى علي رضي الله تعالى عنه موقوفا ، ومعناه : لا صلاة جمعة ولا صلاة عيد ، وفي الخلاصة : أيام النحر ثلاثة ، وأيام التشريق ثلاثة ، ويمضي ذلك في أربعة أيام ، فإن العاشر من ذي الحجة نحر خاص ، والثالث عشر تشريق خاص ، وما بينهما اليومان للنحر والتشريق جميعا . ( وقال ابن عباس : واذكروا الله في أيام معلومات أيام العشر والأيام المعدودات أيام التشريق ) . قال ابن عباس : " واذكروا الله " إلى آخره رواية كريمة ، وابن شبويه ، ورواية المستملي ، والحموي : ( ويذكروا الله في أيام معدودات ) ، ورواية أبي ذر عن الكشميهني : ( ويذكروا الله في أيام معلومات ) الحاصل من ذلك أن ابن عباس لا يريد به لفظ القرآن ، إذ لفظه هكذا : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى ومراده أن الأيام المعلومات هي العشر الأول من ذي الحجة ، والأيام المعدودات المذكورة في قوله تعالى وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ هي الأيام الثلاثة هي الحادي عشر من ذي الحجة المسمى بيوم النفر ، والثاني عشر ، والثالث عشر المسميان بالنفر الأول والنفر الثاني . والتعليق المذكور وصله عبد الله بن حميد في تفسيره حدثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، "عن عمرو بن دينار : سمعت ابن عباس يقول : اذكروا الله في أيام معدودات الله أكبر ، اذكروا الله في أيام معلومات ، الله أكبر ، الأيام المعدودات أيام التشريق ، والأيام المعلومات العشر" ، واختلف السلف في الأيام المعدودات والمعلومات ، فالأيام المعلومات العشر ، والمعدودات أيام التشريق ، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر عند أبي حنيفة رواه عنه الكرخي ، وهو قول الحسن ، وقتادة ، وروي عن علي ، وابن عمر أن المعلومات هي ثلاثة أيام النحر ، والمعدودات أيام التشريق ، وهو قول أبي يوسف ، ومحمد ، سميت معدودات لقلتهن ، ومعلومات لجزم الناس على علمها لأجل فعل المناسك في الحج ، وقال الشافعي : من الأيام المعلومات النحر ، وروي عن علي ، وعمر يوم النحر ويومان بعده ، وبه قال مالك ، قال الطحاوي : وإليه أذهب لقوله تعالى ليذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ، وهي أيام النحر وسميت معدودات لقوله تعالى : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وسميت أيام التشريق معدودات لأنه إذا زيد عليها في البقاء كان حصرا لقوله صلى الله عليه وسلم : "لا يبقين مهاجري بمكة بعد قضاء نسكه فوق ثلاث" . ( وكان ابن عمر ، وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ، ويكبر الناس بتكبيرهما ) . كذا ذكره البغوي ، والبيهقي عن ابن عمر ، وأبي هريرة معلقا ، وقال صاحب التوضيح : أخرجه الشافعي حدثنا إبراهيم بن محمد ، أخبرني عبيد الله ، عن نافع ، "عن ابن عمر أنه كان يغدو إلى المصلى يوم الفطر إذا طلعت الشمس فيكبر حتى يأتي المصلى يوم العيد ، ثم يكبر بالمصلى حتى إذا جلس الإمام ترك التكبير" زاد في المصنف : "ويرفع صوته حتى يبلغ الإمام" ، ( قلت ) : الذي رواه الشافعي ليس بمطابق لما علقه البخاري ، فكيف يقول صاحب التوضيح : أخرجه الشافعي ؟ ولهذا قال صاحب التلويح : الذي هو عمدته في شرحه قال الشافعي : حدثنا إبراهيم إلى آخره ، ولم يقل : أخرجه ولا وصله ونحو ذلك ، وقال البيهقي : ورواه عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في رفع الصوت بالتهليل والتكبير حتى يأتي المصلى ، وروى في ذلك عن علي وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ( واعترض ) على البخاري في ذكر هذا الأثر في ترجمة العمل في أيام التشريق ، ( وأجيب ) بأن البخاري كثيرا يذكر الترجمة ، ثم يضيف إليها ما له أدنى ملابسة بها استطرادا . ( وكبر محمد بن علي خلف النافلة ) . محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم المعروف بالباقر ، مر في «باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين» وهذا التعليق وصله الدارقطني في المؤتلف من طريق معن بن عيسى القزاز ، أخبرنا أبو وهنة رزيق المدني ، قال : رأيت أبا جعفر محمد بن علي يكبر بمنى في أيام التشريق خلف النوافل ، وأبو وهنة بفتح الواو وسكون الهاء وبالنون ، ورزيق بتقديم الراء مصغرا ، وقال السفاقسي : لم يتابع محمدا على هذا أحد ، وعن بعض الشافعية : يكبر عقيب النوافل والجنائز على الأصح ، وعن مالك قولان ، والمشهور أنه مختص بالفرائض قال ابن بطال : وهو قول الشافعي ، وسائر الفقهاء لا يرون التكبير إلا خلف الفريضة ، وفي الأشراف : التكبير في الجماعة مذهب ابن مسعود ، وبه قال أبو حنيفة وهو المشهور عن أحمد ، وقال أبو يوسف ، ومحمد ، ومالك ، والشافعي : يكبر المنفرد ، والصحيح مذهب أبي حنيفة أن التكبير واجب ، وفي قاضيخان سنة ، وبه قال الشافعي ، ومالك ، وأحمد ، واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة هل يشترط على إقامتها الحرية أم لا ؟ والأصح أنها ليست بشرط عنده ، وكذا السلطان ليس بشرط عنده ، وليس على جماعة النساء إذا لم يكن معهن رجل ، فإذا كان يجب عليهن بطريق التبعية . 18 - حدثنا محمد بن عرعرة قال : حدثنا شعبة ، عن سليمان ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه ، قالوا : ولا الجهاد ؟ قال : ولا الجهاد ، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء . مطابقته للترجمة ظاهرة ، إن كان المراد من قوله : "في هذه" أيام التشريق ، ( فإن قلت ) : المراد منه أيام العشر بدليل أن الترمذي روى الحديث المذكور من حديث الأعمش ، عن مسلم ، عن سعيد ، عن ابن عباس بلفظ : "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر" الحديث ، فحينئذ لا يكون الحديث مطابقا للترجمة ، ( قلت ) : يحتمل أن البخاري زعم أن قوله : "في هذه" إشارة إلى أيام التشريق ، وفسر العمل بالتكبير لكونه أورد الآثار المذكورة المتعلقة بالتكبير فقط . ( فإن قلت ) : الأكثرون من الرواة على أن قوله : "في هذه" على الإبهام إلا رواية كريمة عن الكشميهني : "ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه " ، ( قلت ) : هذا مما يقوي ما زعمه البخاري ، ( فإن قلت ) : رواية كريمة شاذة مخالفة لما رواه أبو ذر وهو من الحفاظ عن الكشميهني شيخ كريمة بلفظ : " ما العمل في أيام أفضل منها في هذا العشر " ، وكذا أخرجه أحمد ، وغيره عن غندر ، عن شعبة بالإسناد المذكور ، ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده ، عن شعبة فقال : " في أيام أفضل منه في عشر ذي الحجة " ، وكذا رواه الدارمي عن سعيد بن الربيع ، عن شعبة ، وروى أبو عوانة ، وابن حبان في صحيحيهما من حديث جابر : " ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة " ، فظهر من هذا كله أن المراد بالأيام في حديث الباب أيام عشر ذي الحجة ، فعلى هذا لا مطابقة بين الحديث والترجمة ، ( قلت ) : الشيء يشرف بمجاورته للشيء الشريف ، وأيام التشريق تقع تلو أيام العشر ، وقد ثبت بهذا الحديث أفضلية أيام العشر ، وثبت أيضا بذلك أفضلية أيام التشريق ، وأيضا قد ذكرنا أن من جملة صنيع البخاري في جامعه أنه يضيف إلى ترجمة شيئا من غيرها لأدنى ملابسة بها . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : محمد بن عرعرة بفتح العينين المهملتين وتكرير الراء وقد تقدم ، الثاني : شعبة بن الحجاج ، الثالث : سليمان الأعمش ، الرابع : مسلم بلفظ الفاعل من الإسلام وهو مسلم بن أبي عمران الكوفي والبطين بفتح الباء الموحدة وكسر الطاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون وهو صفة لمسلم ، لقب بذلك لعظم بطنه ، الخامس : سعيد بن جبير وقد تكرر ذكره ، السادس : عبد الله بن عباس . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه أن شيخه بصري ، والثاني من الرواة بسطامي ، والبقية كوفيون ، وفيه أن الأعمش يروي عن البطين بالعنعنة ، وفي رواية الطيالسي عن الأعمش : سمعت مسلما ، وأخرجه أبو داود من رواية وكيع عن الأعمش فقال : عن مسلم ، ومجاهد ، وأبي صالح ، عن ابن عباس ، أما طريق مجاهد فقد رواه أبو عوانة من طريق موسى بن أبي عائشة عن مجاهد فقال : عن ابن عمر بدل عن ابن عباس ، وأما طريق أبي صالح فقد رواها أبو عوانة أيضا من طريق موسى بن أعين ، عن الأعمش فقال : عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، والمحفوظ في هذا حديث ابن عباس ، وفيه اختلاف آخر عن الأعمش رواه أبو إسحاق الفزاري عن الأعمش فقال : عن أبي وائل ، عن ابن مسعود أخرجه الطبراني . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه أبو داود في «الصيام» عن عثمان بن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن الأعمش ، وأخرجه الترمذي فيه عن هناد وقال : حسن صحيح غريب ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد ، عن أبي معاوية . ( ذكر معناه ) قوله : "ما العمل" قال ابن بطال : العمل في أيام التشريق هو التكبير المسنون وهو أفضل من صلاة النافلة لأنه لو كان هذا الكلام حضا على الصلاة والصيام في هذه الأيام لعارضه ما قاله صلى الله عليه وسلم : "إنها أيام أكل وشرب" وقد نهى عن صيام هذه الأيام ، وهذا يدل على تفريغ هذه الأيام للأكل والشرب فلم يبق تعارض إذا عنى بالعمل التكبير ، ورد عليه بأن الذي يفهم من العمل عند الإطلاق العبادة ، وهي لا تنافي استيفاء حظ النفس من الأكل وسائر ما ذكر ، فإن ذلك لا يستغرق اليوم والليلة ، وقال الكرماني : العمل في أيام التشريق لا ينحصر في التكبير ، بل المتبادر منه إلى الذهن أنه هو المناسك من الرمي وغيره الذي يجتمع بالأكل والشرب مع أنه لو حمل على التكبير لم يبق لقوله بعده : "باب التكبير أيام منى" معنى ، ويكون تكرارا محضا ، ورد عليه بعضهم بأن الترجمة الأولى لفضل التكبير والثانية لمشروعيته أو صفته ، أو أراد تفسير العمل المجمل في الأولى بالتكبير المصرح به في الثانية فلا تكرار ، ( قلت ) : الذي يدل على فضل التكبير يدل على مشروعيته أيضا بالضرورة ، والمجمل والمفسر في نفس الأمر شيء واحد ، قوله : "منها" أي من الأعمال "في هذه" أي في هذه الأيام أي في أيام التشريق على تأويل من أوله بهذا ، ولكن الذي يدل عليه رواية الترمذي أنها أيام العشر كما ذكرناه مبينا عن قريب ، قوله : "ولا الجهاد" أي ولا الجهاد أفضل منها وفي رواية سلمة بن كهيل "فقال رجل : ولا الجهاد" ، وفي رواية غندر عند الإسماعيلي قال : "ولا الجهاد في سبيل الله مرتين" ، قوله : "إلا رجل" فيه حذف أي إلا جهاد رجل ، قوله : "يخاطر بنفسه" جملة حالية أي يكافح العدو بنفسه وسلاحه وجواده فيسلم من القتل أو لا يسلم فهذه المخاطرة وهذا العمل أفضل من هذه الأيام وغيرها مع أن هذا العمل لا يمنع صاحبه من إتيان التكبير والإعلان به ، وفي رواية المستملي : "ولا الجهاد إلا من خرج يخاطر" ، قوله : "فلم يرجع بشيء" أي من ماله ويرجع هو ، ويحتمل أن لا يرجع هو ولا ماله فيرزقه الله الشهادة وقد وعد الله عليها الجنة ، قيل : قوله : "فلم يرجع بشيء" يستلزم أنه يرجع بنفسه ولا بد ، ورد بأن قوله : "بشيء" نكرة في سياق النفي فتعم ما ذكر ، وقال الكرماني : "بشيء" أي لا بنفسه ولا بماله كليهما أو لا بماله إذ صدق هذه السالبة يحتمل أن يكون بعدم الرجوع وأن يكون بعدم المرجوع به ، وفي رواية أبي عوانة من طريق إبراهيم بن حميد ، عن شعبة بلفظ : "إلا من عقر جواده وأهريق دمه" ، وله في رواية القاسم بن أبي أيوب : "إلا من لا يرجع بنفسه ولا ماله" ، وفي طريق سلمة بن كهيل فقال : "لا إلا أن لا يرجع" ، وفي حديث جابر : "إلا من عفر وجهه في التراب" . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه تعظيم قدر الجهاد ، وتفاوت درجاته ، وأن الغاية القصوى فيه بذل النفس لله تعالى ، وفيه تفضيل بعض الأزمنة على بعض كالأمكنة ، وفضل أيام عشر ذي الحجة على غيرها من أيام السنة، وتظهر فائدة ذلك فيمن نذر الصيام أو علق عملا من الأعمال بأفضل الأيام ، فلو أفرد يوما منها تعين يوم عرفة لأنه على الصحيح أفضل أيام العشر المذكور ، فإن أراد أفضل أيام الأسبوع تعين يوم الجمعة جمعا بين حديث الباب وحديث أبي هريرة مرفوعا : "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة" رواه مسلم ، وقال الداودي : لم يرد صلى الله عليه وسلم أن هذه الأيام خير من يوم الجمعة لأنه قد يكون فيها يوم الجمعة فيلزم تفضيل الشيء على نفسه ، ورد بأن المراد أن كل يوم من أيام العشر أفضل من غيره من أيام السنة ، سواء كان يوم الجمعة أم لا ، ويوم الجمعة فيه أفضل من يوم الجمعة في غيره لاجتماع الفضيلتين فيه والله أعلم .