حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب فضل العمل في أيام التشريق

نا محمد بن عرعرة : نا شعبة ، عن سليمان ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما العمل في أيام أفضل منها في هذه الأيام - يعني : أيام العشر - قالوا : ولا الجهاد ؟ قالَ : ولا الجهاد ، إلا رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله ، فلم يرجع بشيء . هكذا في أكثر النسخ المعتمدة ، وفي أكثر النسخ : ما العمل في العشر أفضل منه في هذه الأيام - وكأنه يشير إلى أيام التشريق - والحديث بهذا اللفظ غير معروف . وفيه : تفضيل العمل في أيام التشريق وأيام العشر جميعًا .

ولعل هذا من تصرف بعض الرواة ، حيث أشكل عليه إدخال الحديث باللفظ المشهور في باب : فضل العمل في أيام التشريق . والبخاري اتبع عبد الرزاق ؛ فإنه خرج هذا الحديث في ( مصنفه ) في باب : فضل أيام التشريق - أيضًا . وقد ذكر أن البخاري وإن بوب على أيام التشريق ، لكنه ذكر في الباب فضل أيام العشر وأيام التشريق جميعا ، ولهذا ذكر عن ابن عباس تفسير الأيام المعلومات ، والأيام المعدودات .

وعن ابن عمر وأبي هريرة التكبير في أيام العشر . وعن محمد بن علي التكبير في أيام التشريق خلف النوافل ، فعلم أنه أراد ذكر فضائل هذه الأيام جميعها ، وليس في فضل العمل في أيام التشريق حديث مرفوع ، فخرج فيه حديث فضل العمل في أيام العشر . وهذا الحديث حديث عظيم جليل .

وسليمان الذي رواه عنه شعبة هو الأعمش ، وقد رواه جماعة عن الأعمش بهذا الإسناد ، وهو المحفوظ - : قاله الدارقطني وغيره . واختلف على الأعمش فيه : ورواه عن مسلم البطين مع الأعمش : حبيب بن أبي عمرة ومخول بن راشد . ورواه عن سعيد بن جبير مع البطين : أبو صالح ومجاهد وسلمة بن كهيل وأبو إسحاق والحكم وعدي بن ثابت وغيرهم ، مع اختلاف على بعضهم فيه .

ورواه عن ابن عباس مع سعيد بن جبير ، عطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة ومقسم ، مع اختلاف على بعضهم يطول ذكره . ولعل مسلمًا لم يخرجه للاختلاف في إسناده . والله سبحانه وتعالى أعلم .

وهذا الحديث نص في أن العمل المفضول يصير فاضلا إذا وقع في زمان فاضل ، حتى يصير أفضل من غيره من الأعمال الفاضلة ؛ لفضل زمانه . وفي أن العمل في عشر ذي الحجة أفضل من جميع الأعمال الفاضلة في غيره . ولا يستثنى من ذلك سوى أفضل أنواع الجهاد ، وهو أن يخرج الرجل بنفسه وماله ، ثم لا يرجع منهما بشيء .

وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - : أي الجهاد أفضل ؟ ، قالَ : من عقر جواده ، وأهريق دمه . وسمع رجلا يقول : اللَّهُمَّ أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين ، فقالَ لهُ : إذن يعقر جوادك ، وتستشهد . فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في العشر ، وأما سائر أنواع الجهاد مع سائر الأعمال ، فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل منها .

وفي رواية : وأحب إلى الله عز وجل . فإن قيل : فإذا كان كذلك فينبغي أن يكون الحج أفضل من الجهاد ؛ لأن الحج يختص بهذه العشر ، وهو من أفضل أعماله ، ومع هذا فالجهاد أفضل منه ؛ لما في الصحيحين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قالَ : أفضل الأعمال الإيمان بالله ورسوله ، ثُمَّ الجهاد في سبيل الله ، ثُمَّ حج مبرور . قيل : للجمع بينهما وجهان : أحدهما : بأن يكون الحج أفضل من سائر أنواع الجهاد ، إلا الجهاد الذي لا يرجع صاحبه منه بشيء من نفسه وماله ، فيكون هذا الجهاد هو الذي يفضل على الحج خاصة .

وقد روي عن طائفة من الصحابة تفضيل الحج على الجهاد ، ومنهم : عمر وابنه وأبو موسى وغيرهم ، وعن مجاهد وغيره . فيحمل على تفضيله على ما عدا هذا الجهاد الخاص ، ويجمع بذلك بين النصوص كلها . الوجه الثاني : أن الجهاد في نفسه أفضل من الحج ، لكن قد يقترن بالحج ما يصير به أفضل من الجهاد ، وقد يتجرد عن ذلك فيكون الجهاد أفضل منه حينئذ .

ولذلك أمثلة : منها : أن يكون الحج مفروضا ، فيكون حينئذ أفضل من التطوع بالجهاد ، هذا قول جمهور العلماء . وقد روي صريحًا ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص . وروي - مرفوعًا - من وجوه متعددة ، في أسانيدها لين .

ونص عليه الإمام أحمد وغيره . وقد دل عليه : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حكاية عن ربه عز وجل : ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه . وقد خرجه البخاري في كتابه هذا .

ومنها : أن يكون الحاج ليس من أهل الجهاد ، فحجه أفضل من جهاده ، كالمرأة . وقد خرج البخاري حديث عائشة ، أنها قالت : يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نرى الجهاد أفضل العمل ، أفلا نجاهد ؟ قالَ : لكن أفضل الجهاد حج مبرور . ومنها : أن يستوعب عمل الحج جميع أيام العشر ، ويؤتى به على أكمل الوجوه ، وجوه البر من أداء الواجبات وفعل المندوبات واجتناب المحرمات والمكروهات ، مع كثرة ذكر الله عز وجل والإحسان إلى عباده ، وكثرة العج والثج ، فهذا الحج قد يفضل على الجهاد .

وقد يحمل عليه ما روي عن الصحابة من تفضيل الحج على الجهاد ، كما سبق . وإن وقع عمل الحج في جزء يسير من العشر ، ولم يؤت به على الوجه الكامل من البر ، فإن الجهاد حينئذ أفضل منه . ويدل عليه - أيضًا - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن عمل يعدل الجهاد ، فقال : هل تستطيع إذا خرج المجاهد ، أن تقوم فلا تفتر ، وتصوم فلا تفطر ؟ .

فدل على أن العمل من فتور في أي وقت كانَ يعدل الجهاد ، فإذا وقع هذا العمل الدائم في العشر بخصوصه كان أفضل في عدد أيامه من سائر السنة ، إلا من أفضل الجهاد بخصوصه كما تقدم . ولهذا كان سعيد بن جبير - وهو راوي هذا الحديث ، عن ابن عباس - إذا دخل العشر اجتهد اجتهادًا حتى ما يكاد يقدر عليه . وروي عنه ، أنه قال : لا تطفئوا مصابيحكم في العشر - يعجبه العبادة .

فإن قيل : هل المراد : تفضيل العمل في هذه العشر على العمل في كل عشر غيره من أيام الدنيا ، فيدخل في ذلك عشر رمضان وغيره ، أم على العمل في أكثر من عشر أخر من الأيام ، وإن طالت المدة ؟ قيل : أما تفضيل العمل فيهِ على العمل في كل عشر غيره ، فلا شك في ذَلِكَ . ويدل عليه : ما خرجه ابن حبان في صحيحه ، من حديث جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة . فقال رجل : يا رسول الله ، هو أفضل أو عدتهن جهاد في سبيل الله ؟ قالَ : هوَ أفضل من عدتهن جهاد في سبيل الله عز وجل .

فيدخل في ذلك تفضيل العمل في عشر ذي الحجة على العمل في جميع أعشار الشهور كلها ، ومن ذلك عشر رمضان . لكن فرائض عشر ذي الحجة أفضل من فرائض سائر الأعشار ، ونوافله أفضل من نوافلها ، فأما نوافل العشر فليست أفضل من فرائض غيره ، كما سبق تقريره في الحج والجهاد . وحينئذ ؛ فصيام عشر رمضان أفضل من صيام عشر ذي الحجة ؛ لأن الفرض أفضل من النفل .

وأما نوافل عشر ذي الحجة فأفضل من نوافل عشر رمضان ، وكذلك فرائض عشر ذي الحجة تضاعف أكثر من مضاعفة فرائض غيره . وقد كان عمر يستحب قضاء رمضان في عشر ذي الحجة ؛ لفضل أيامه ، وخالفه في ذَلِكَ علي ، وعلل قوله باستحباب تفريغ أيامه للتطوع . وبذلك علله أحمد وإسحاق ، وعن أحمد في ذَلِكَ روايتان .

وأما تفضيل العمل في عشر ذي الحجة على العمل في أكثر من عشرة أيام من غيره ، ففيه نظر . وقد روي ما يدل عليهِ : فخرج الترمذي وابن ماجه من رواية النهاس بن قهم ، عن قتادة ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة ، يعدل صيام كل يوم منها بسنة ، وكل ليلة منها بليلة القدر . والنهاس ، ضعفوه .

وذكر الترمذي عن البخاري ، أن الحديث يروى عن قتادة ، عن ابن المسيب - مرسلا . وروى ثوير بن أبي فاختة - وفيه ضعف - عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قالَ : ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة ، ليس العشر ؛ فإن العمل فيهِ يعدل عمل سنة . وممن روي عنه : أن صيام كل يوم من العشر يعدل سنة : ابن سيرين وقتادة وعن الحسن : صيام يوم منه يعدل شهرين .

وروى هارون بن موسى النحوي : سمعت الحسن يحدث ، عن أنس ، قالَ : كان يقال في أيام العشر بكل ألف يوم ، ويوم عرفة عشرة آلاف يوم . وفي صحيح مسلم ، من حديث أبي قتادة - مرفوعا - إن صيامه كفارة سنتين . وهذه النصوص : تدل على أن كل عمل في العشر فإنه أفضل من العمل في غيره ، إما سنة أو أكثر من ذلك أو أقل .

والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة ذلك كله . وحديث جابر الذي خرجه ابن حبان : يدل على أن أيام العشر أفضل من الأيام مطلقا . وقد خرجه أبو موسى المديني من الوجه الذي خرجه ابن حبان ، بزيادة فيهِ ، وهي : ولا ليالي أفضل من لياليهن .

وفي مسند البزار من وجه آخر ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : أفضل أيام الدنيا العشر . وروي مرسلًا . وقيل : إنه أصح .

وقد سبق قول ابن عمر في تفضيل أيام العشر على يوم الجمعة ، الذي هوَ أفضل أيام الدنيا . وقال مسروق في قوله : وَلَيَالٍ عَشْرٍ هي أفضل أيام السنة . وهذه العشر تشتمل على يوم عرفة .

وفي صحيح ابن حبان عن جابر - مرفوعا - : إنه أفضل أيام الدنيا وفيه : يوم النحر . وفي حديث عبد الله بن قرط ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : أعظم الأيام عند الله يوم النحر ، ثم يوم القر . خرّجه أبو داود وغيره .

وقد سبق في الحديث المرفوع : أن صيام كل يوم منه بسنة ، وقيام كل ليلة منه يعدل ليلة القدر . وهذا يدل على أن عشر ذي الحجة أفضل من عشر رمضان ، لياليه وأيامه . وقد زعم طائفة من أصحابنا : أن ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر .

وقد تقدم عن ابن عمر ، أن أيام العشر أفضل من يوم الجمعة ، فلا يستنكر حينئذ تفضيل ليالي عشر ذي الحجة على ليلة القدر . وعلى تقدير أن لا يثبت ذلك ، فقال بعض أعيان أصحابنا المتأخرين : مجموع عشر ذي الحجة أفضل من مجموع عشر رمضان ، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا تفضل عليها غيرها . والله سبحانه وتعالى أعلم .

وروى سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن كعب : أحب الزمان إلى الله الشهر الحرام ، وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة ، وأحب ذي الحجة إلى الله العشر الأول . وروي عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - مرفوعا ، ولا يصح . وكذا قال سعيد بن جبير : ما من الشهور أعظم حرمة من ذي الحجة .

وفي مسند البزار من حديث أبي سعيد - مرفوعا - : سيد الشهور رمضان ، وأعظمها حرمة ذو الحجة . وفي إسناده مقال . وفي مسند الإمام أحمد ، عن أبي سعيد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - في خطبته في حجة الوداع يوم النحر - : ألا إن أحرم الأيام يومكم هذا ، وأحرم الشهور شهركم هذا ، وأحرم البلاد بلدكم هذا .

وروي هذا من حديث جابر ، ووابصة ، ونبيط بن شريط وغيرهم - أيضًا . وهذا كله يدل على أن شهر ذي الحجة أفضل الأشهر الحرم ؛ حيث كانَ أعظمها حرمة . وروي عن الحسن : أن أفضلها المحرم .

وأما ما قاله بعض الفقهاء الشافعية : إن أفضلها رجب : فقوله ساقط مردود . والله تعالى أعلم .

ورد في أحاديث11 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث