حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة

باب التكبير أيام منى ، وإذا غدا إلى عرفة وكان عمر يكبر في قبته بمنى فيسمع أهل المسجد فيكبرون ، ويكبر أهل الأسواق حتَّى ترتج منى تكبيرا . وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام ، وخلف الصلوات ، وعلى فراشه ، وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه ، تلك الأيام جمعا . وكانت ميمونة تكبر يوم النحر .

وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد . قد تقدم : أن الأيام المعدودات التي أمر الله بذكره فيها هي أيام منى . وهل هي الأربعة كلها ، أو أيام الذبح منها ؟ فيهِ خلاف سبق ذكره .

وهو مبني على أن ذكر الله فيها : هل هوَ ذكره على الذبائح . أو أعم من ذَلِكَ ؟ والصحيح : أنه أعم من ذَلِكَ . وفي صحيح مسلم ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ في أيام منى : إنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل .

وذكر الله في هذه الأيام نوعان : أحدهما : مقيد عقيب الصلوات . والثاني : مطلق في سائر الأوقات . فأما النوع الأول : فاتفق العلماء على أنه يشرع التكبير عقيب الصلوات في هذه الأيام في الجملة ، وليس فيهِ حديث مرفوع صحيح ، بل إنما فيهِ آثار عن الصحابة ومن بعدهم ، وعمل المسلمين عليهِ .

وهذا مما يدل على أن بعض ما أجمعت الأمة عليهِ لم ينقل إلينا فيهِ نص صريح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بل يكتفى بالعمل به . وقد قالَ مالك في هذا التكبير : إنه واجب . قالَ ابن عبد البر : يعني وجوب سنة .

وهو كما قالَ . وقد اختلف العلماء في أول وقت هذا التكبير وآخره . فقالت طائفة : يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق .

فإن هذه أيام العيد ، كما في حديث عقبة بن عامر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ، وصححه . وقد حكى الإمام أحمد هذا القول إجماعًا من الصحابة ، حكاه عن عمر وعليّ وابن مسعود وابن عباس .

فقيل له : فابن عباس اختلف عنه ؛ فقالَ : هذا هوَ الصحيح عنه ، وغيره لا يصح عنه . نقله الحسن بن ثواب ، عن أحمد . وإلى هذا ذهب أحمد ؛ لكنه يقول : إن هذا في حق أهل الأمصار ، فأما أهل الموسم فإنهم يكبرون من صلاة الظهر يوم النحر ؛ لأنهم قبل ذَلِكَ مشتغلون بالتلبية .

وحكاه عن سفيان بن عيينة ، وقال : هوَ قول حسن . ويمتد تكبيرهم إلى آخر أيام التشريق - أيضًا - على المشهور عنه . ونقل حرب عنه ، أنهم يكبرون إلى صلاة الغداة من آخر أيام التشريق .

وممن فرق بين الخارج وأهل الأمصار : أبو ثور . وروى الخضر الكندي ، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أبيه ، قال : إذا كان عليه تكبير وتلبية بدأ بالتكبير ، ثم بالتلبية . قال أبو بكر بن جعفر : لم يروها غيره .

قلت : الخضر هذا ، غير مشهور ، وهو يروي عن عبد الله بن أحمد المناكير التي تخالف روايات الثقات ، عنه . والذي نقل الثقات ، عن أحمد ، أن الحاج لا يكبر حتى يقطع التلبية ، فكيف يجتمعان عليهِ ؟ وقد حملها أبو بكر على ما إذا أخر الحاج رمي جمرة العقبة حتَّى صلى الظهر ؛ فإنه يجتمع عليهِ في صلاة الظهر - حينئذ - تلبية وتكبير . ووجهه : بأن هذا الوقت وقت التكبير ، وإنما صار وقت تلبية في حق هذا لتأخيره الرمي ، وهو نوع تفريط منه ، فلذلك بدأ بالتكبير قبل التلبية .

والإجماع الذي ذكره أحمد ، إنما هو في ابتداء التكبير يوم عرفة من صلاة الصبح . أما آخر وقته ، فقد اختلف فيه الصحابة الذين سماهم . فأما علي ، فكان يكبر من صبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق .

وهي الرواية التي صححها الإمام أحمد ، عن ابن عباس . وكذلك روي عن عمر . وروي ، عنه : إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق .

وأنكره يحيى القطان . وإلى قول علي ذهب الثوري وابن أبي ليلى وشريك وإسحاق . ولم يفرق بين أهل منى وغيرهم .

وكذلك أكثر العلماء ، وهو قول الثوري . وكذلك قال : إذا اجتمع التكبير والتلبية بدأ بالتكبير . وأما ابن مسعود ، فإنه كان يكبر من صلاة الغداة يوم عرفة إلى الصلاة العصر يوم النحر .

وهو قول أصحابه ، كالأسود وعلقمة ، وقول النخعي وأبي حنيفة . وروى خصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : التكبير من صلاة الظهر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق . وهذه الرواية التي ضعفها أحمد ، وذكر أنها مختلفة .

قال عبد الرزاق : وبلغني عن زيد بن ثابت - مثله . وعن الحسن ، قال : يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر من يوم النفر الأول . وروى العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الفجر ، من آخر أيام التشريق .

وروى الواقدي بأسانيده ، عن عثمان وابن عمر وزيد بن ثابت وأبي سعيد - نحوه . وعن عطاء ، أن الأئمة كانوا يكبرون صلاة الظهر يوم النحر ، يبتدئون بالتكبير كذلك إلى آخر أيام التشريق . وقد روي عن عمر بن عبد العزيز التكبير من صلاة الظهر يوم النحر إلى صبح آخر أيام التشريق .

وإليه ذهب مالك والشافعي - في أشهر أقواله . وله قول آخر كقول علي ومن وافقه . وله قول ثالث : يبدأ من ليلة النحر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق .

والمحققون من أصحابه على أن هذه الأقوال الثلاثة في حق أهل الأمصار ، فأما أهل الموسم بمنى ، فإنهم يبدءون بالتكبير عقيب صلاة الظهر يوم النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق بغير خلاف ، ونقلوه عن نص الشافعي . وهذا يوافق قول أحمد في ابتدائه . واختار جماعة من أصحابه القول بأن ابتداءه في الأمصار من صبح يوم عرفة وانتهاءه عصر آخر يوم من أيام التشريق .

منهم المزني وابن سريج وابن المنذر والبيهقي وغيرهم من الفقهاء المحدثين منهم . قالوا : وعليه عمل الناس في الأمصار . وفي المسألة للسلف أقوال أخر .

وفي الباب حديث مرفوع ، لا يصح إسناده . وخرجه الحاكم من حديث علي وعمار . وضعفه البيهقي ، وهو كما قال .

وقد أشار البخاري إلى مسألتين من مسائل هذا التكبير . إحداهما : أن التكبير يكون خلف الفرائض . وهل يكبر خلف صلاة التطوع ؟ فقد تقدم في باب الماضي ، عن محمد بن علي - وهو : أبو جعفر - أنه كانَ يكبر خلف النوافل .

وإلى قوله ذهب الشافعي - في أشهر قوليه - وابن المنذر . وقال أكثر العلماء : لا يكبر عقب النوافل . واختلفوا في التكبير عقب صلاة عيد النحر : فقال مجاهد : يكبر .

وقال أحمد : إن ذهب رجل إلى ذا فقد روي فيه عن بعض التابعين ، والمعروف في المكتوبة . وقال أبو بكر بن جعفر - من أصحابنا - : يكبر ؛ لأن صلاة العيد عندنا فرض كفاية ، فهي ملحقة بالفرائض ، وهو قول إسحاق بن راهويه ، وحكاه عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز والشعبي وعطاء الخراساني وغيرهم . وللشافعي قولان .

واختلفوا : هل يكبر من صلى الفرض وحده ؟ على قولين . أحدهما : لا يكبر ، وهو مروي عن ابن عمر . وذكره سفيان الثوري ، عن أبي جعفر ، عن أنس .

وقال ابن مسعود : ليس بالتكبير في أيام التشريق على الواحد والاثنين ، التكبير على من صلى في جماعة . وممن قال : لا يكبر إذا صلى الفرض وحده : الثوري وأبو حنيفة وأحمد - في رواية . والقول الثاني : وهو قول الشعبي والنخعي والأوزاعي والثوري - في رواية أخرى - والحسن بن صالح ومالك والشافعي وأحمد في رواية أخرى .

وقال هؤلاء كلهم : يكبر في السفر والحضر . وقال أبو حنيفة : لا يكبر المسافر إلا إذا اقتدى بالمقيم ، تبعًا له ، واتفقوا على أن الحاج يكبرون بمنى . المسألة الثانية : أن النساء كن يكبرن إذا صلين مع الرجال في المسجد خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز - يعني : مسجد المدينة - في ليالي أيام التشريق .

وهذا يدل على أن النساء إنما كن يشهدن المساجد بالليل ، كما سبق . ولا خلاف في أن النساء يكبرن مع الرجال تبعًا ، إذا صلين معهم جماعة ، ولكن المرأة تخفض صوتها بالتكبير . وإن صلت منفردة ، ففي تكبيرها ما في تكبير الرجل المنفرد ، بل هي أولى بعدم التكبير .

وإن صلى النساء جماعة ، ففي تكبيرهن قولان - أيضًا - وهما روايتان عن الثوري وأحمد . ومذهب أبي حنيفة : لا يكبرن . ومذهب مالك والشافعي : يكبرن .

النوع الثاني : التكبير المطلق ، الذي لا يتقيد بوقت . وقد ذكر البخاري عن عمر وابن عمر ، أنهما كانا يكبران بمنى - يعني : في غير إدبار الصلوات - وأن الناس كانوا يكبرون بتكبير عمر حتى ترتج منى . وعن ميمونة ، أنها كانت تكبر يوم النحر .

وقد روى أبو عبيد : حدثني يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، أن عمر كان يكبر في قبته بمنى ، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ، فيسمعه أهل السوق فيكبرون حتى ترتج منى تكبيرًا . وخرجه عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن عمر بن دينار : سمعت عبيد بن عمير - فذكره بمعناه . وخرجه وكيع في كتابه ، عن طلحة ، عن عطاء .

وخرجه - أيضًا - عن عبد الله بن نافع ، عن أبيه ، أن عمر كان يكبر تلك الأيام بمنى ، ويقول : التكبير واجب على الناس ، ويتأول هذه الآية : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ وذكر مالك في الموطأ ، أنه بلغه ، أن عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر ، حين ارتفع النهار شيئًا ، فكبر الناس بتكبيره ، ثم خرج حين زاغت الشمس ، فكبر ، فكبر الناس بتكبيره ، حتى يتصل التكبير ويبلغ البيت ، فيعلم أن عمر قد خرج يرمي . وهذا منصوص الشافعي ، قال في المصلي : إذا سلم كبر خلف الفرائض والنوافل وعلى كل حال . وذكر في الأم من هذا الباب ، أنه يكبر الحائض والجنب وغير المتوضئ في جميع الساعات من الليل والنهار .

ومذهب مالك ، أنه لا يكبر في أيام التشريق في غير دبر الصلوات . قال : كذلك كان من يقتدي به يفعل . ذكره صاحب تهذيب المدونة .

وتأول بعض أصحابه تكبير عمر بمنى على أنه كان عند رمي الجمار وهو تأويل فاسد . ولم يذكر أصحابنا التكبير في عيد النحر إلا في أدبار الصلوات ، غير أنهم ذكروا إظهار التكبير في ليلة العيد ، وفي الخروج إلى المصلى إلى أن يخرج الإمام ، والتكبير مع الإمام إذا كبر في خطبته . وحكى بعضهم خلافًا عن أحمد في التكبير في حال الرجوع من المصلى إلى المنزل .

ورد في أحاديث4 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث