12 - بَاب التَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى وَإِذَا غَدَا إِلَى عَرَفَةَ وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى ، فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الْأَيَّامَ وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَعَلَى فِرَاشِهِ وَفِي فُسْطَاطِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الْأَيَّامَ جَمِيعًا . وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَكُنَّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ 970 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيُّ ، قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسًا - وَنَحْنُ غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ - عَنْ التَّلْبِيَةِ : كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : كَانَ يُلَبِّي الْمُلَبِّي لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ ، وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ التَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى ) أَيْ يَوْمَ الْعِيدِ وَالثَّلَاثَةِ بَعْدَهُ ، وَقَوْلُهُ : ( وَإِذَا غَدَا إِلَى عَرَفَةَ ) أَيْ صُبْحَ يَوْمِ التَّاسِعِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : حِكْمَةُ التَّكْبِيرِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا يَذْبَحُونَ لِطَوَاغِيتِهِمْ فِيهَا ، فَشُرِعَ التَّكْبِيرُ فِيهَا إِشَارَةً إِلَى تَخْصِيصِ الذَّبْحِ لَهُ وَعَلَى اسْمِهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ عُمَرُ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى إِلَخْ ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : كَانَ عُمَرُ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى ، وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ ، وَيُكَبِّرُ أَهْلُ السُّوقِ ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا ، وَوَصَلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ التَّعْلِيقِ ، وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ . وَقَوْلُهُ : تَرْتَجُّ بِتَثْقِيلِ الْجِيمِ ، أَيْ : تَضْطَرِبُ وَتَتَحَرَّكُ ، وَهِيَ مُبَالَغَةٌ فِي اجْتِمَاعِ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ... إِلَخْ ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالْفَاكِهِيُّ فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ، فَذِكْرُهُ سَوَاءٌ . وَالْفُسْطَاطُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَيَجُوزُ ذَلِكَ بِالْمُثَنَّاةِ بَدَلَ الطَّاءِ ، وَبِإِدْغَامِهَا فِي السِّينِ فَتِلْكَ سِتُّ لُغَاتٍ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : وَتِلْكَ الْأَيَّامُ جَمِيعًا أَرَادَ بِذَلِكَ التَّأْكِيدَ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِدُونِ وَاوٍ عَلَى أَنَّهَا ظَرْفٌ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ ) أَيْ بِنْتُ الْحَارِثِ زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ أَقِفْ عَلَى أَثَرِهَا هَذَا مَوْصُولًا . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ النِّسَاءُ ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ : وَكُنَّ النِّسَاءُ ، وَهِيَ عَلَى اللُّغَةِ الْقَلِيلَةِ ، وَأَبَانٌ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ ابْنِ عَمِّ أَبِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ، وَقَدْ وَصَلَ هَذَا الْأَثَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْعِيدَيْنِ ، وَحَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ فِي الْبَابِ سَلَفُهُنَّ فِي ذَلِكَ ، وَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآثَارُ عَلَى وُجُودِ التَّكْبِيرِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ . وَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي مَوَاضِعَ : فَمِنْهُمْ مَنْ قَصَرَ التَّكْبِيرَ عَلَى أَعْقَابِ الصَّلَوَاتِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ ذَلِكَ بِالْمَكْتُوبَاتِ دُونَ النَّوَافِلِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ ، وَبِالْجَمَاعَةِ دُونَ الْمُنْفَرِدِ ، وَبِالْمُؤَدَّاةِ دُونَ الْمَقْضِيَّةِ ، وَبِالْمُقِيمِ دُونَ الْمُسَافِرِ ، وَبِسَاكِنِ الْمِصْرِ دُونَ الْقَرْيَةِ . وَظَاهِرُ اخْتِيَارِ الْبُخَارِيِّ شُمُولُ ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ ، وَالْآثَارُ الَّتِي ذَكَرَهَا تُسَاعِدُهُ . وَلِلْعُلَمَاءِ اخْتِلَافٌ أَيْضًا فِي ابْتِدَائِهِ وَانْتِهَائِهِ ، فَقِيلَ : مِنْ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَقِيلَ : مِنْ ظُهْرِهِ ، وَقِيلَ : مِنْ عَصْرِهِ ، وَقِيلَ : مِنْ صُبْحِ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَقِيلَ : مِنْ ظُهْرِهِ . وَقِيلَ : فِي الِانْتِهَاءِ إِلَى ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَقِيلَ : إِلَى عَصْرِهِ ، وَقِيلَ : إِلَى ظُهْرِ ثَانِيهِ ، وَقِيلَ : إِلَى صُبْحِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَقِيلَ : إِلَى ظُهْرِهِ ، وَقِيلَ . إِلَى عَصْرِهِ . حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا النَّوَوِيُّ إِلَّا الثَّانِيَ مِنَ الِانْتِهَاءِ . وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثٌ ، وَأَصَحُّ مَا وَرَدَ فِيهِ عَنِ الصَّحَابَةِ قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ مِنْ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ آخِرِ أَيَّامِ مِنًى أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا صِيغَةُ التَّكْبِيرِ فَأَصَحُّ مَا وَرَدَ فِيهِ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : كَبِّرُوا اللَّهَ ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا ، وَنُقِلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، أَخْرَجَهُ جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ فِي كِتَابِ الْعِيدَيْنِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَزَادَ : وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ، وَقِيلَ : يُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَيَزِيدُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ... إِلَخْ ، وَقِيلَ : يُكَبِّرُ ثِنْتَيْنِ بَعْدَهُمَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ جَاءَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَقَدْ أُحْدِثَ فِي هَذَا الزَّمَانِ زِيَادَةٌ فِي ذَلِكَ لَا أَصْلَ لَهَا . قَوْلُهُ : ( سَأَلْتُ أَنَسًا ) . فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ . قَوْلُهُ : ( وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ ) هَذَا مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فِيهَا : وَإِذَا غَدَا إِلَى عَرَفَةَ وَظَاهِرُهُ أَنَّ أَنَسًا احْتَجَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّكْبِيرِ فِي مَوْضِعِ التَّلْبِيَةِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ كَبَّرَ أَضَافَ التَّكْبِيرَ إِلَى التَّلْبِيَةِ ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب التَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى وَإِذَا غَدَا إِلَى عَرَفَةَ · ص 534 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة · ص 123 12 – باب التكبير أيام منى ، وإذا غدا إلى عرفة وكان عمر يكبر في قبته بمنى فيسمع أهل المسجد فيكبرون ، ويكبر أهل الأسواق حتَّى ترتج منى تكبيرا . وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام ، وخلف الصلوات ، وعلى فراشه ، وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه ، تلك الأيام جمعا . وكانت ميمونة تكبر يوم النحر . وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد . قد تقدم : أن الأيام المعدودات التي أمر الله بذكره فيها هي أيام منى . وهل هي الأربعة كلها ، أو أيام الذبح منها ؟ فيهِ خلاف سبق ذكره . وهو مبني على أن ذكر الله فيها : هل هوَ ذكره على الذبائح . أو أعم من ذَلِكَ ؟ والصحيح : أنه أعم من ذَلِكَ . وفي صحيح مسلم ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ في أيام منى : إنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل . وذكر الله في هذه الأيام نوعان : أحدهما : مقيد عقيب الصلوات . والثاني : مطلق في سائر الأوقات . فأما النوع الأول : فاتفق العلماء على أنه يشرع التكبير عقيب الصلوات في هذه الأيام في الجملة ، وليس فيهِ حديث مرفوع صحيح ، بل إنما فيهِ آثار عن الصحابة ومن بعدهم ، وعمل المسلمين عليهِ . وهذا مما يدل على أن بعض ما أجمعت الأمة عليهِ لم ينقل إلينا فيهِ نص صريح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بل يكتفى بالعمل به . وقد قالَ مالك في هذا التكبير : إنه واجب . قالَ ابن عبد البر : يعني وجوب سنة . وهو كما قالَ . وقد اختلف العلماء في أول وقت هذا التكبير وآخره . فقالت طائفة : يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق . فإن هذه أيام العيد ، كما في حديث عقبة بن عامر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ، وصححه . وقد حكى الإمام أحمد هذا القول إجماعًا من الصحابة ، حكاه عن عمر وعليّ وابن مسعود وابن عباس . فقيل له : فابن عباس اختلف عنه ؛ فقالَ : هذا هوَ الصحيح عنه ، وغيره لا يصح عنه . نقله الحسن بن ثواب ، عن أحمد . وإلى هذا ذهب أحمد ؛ لكنه يقول : إن هذا في حق أهل الأمصار ، فأما أهل الموسم فإنهم يكبرون من صلاة الظهر يوم النحر ؛ لأنهم قبل ذَلِكَ مشتغلون بالتلبية . وحكاه عن سفيان بن عيينة ، وقال : هوَ قول حسن . ويمتد تكبيرهم إلى آخر أيام التشريق - أيضًا - على المشهور عنه . ونقل حرب عنه ، أنهم يكبرون إلى صلاة الغداة من آخر أيام التشريق . وممن فرق بين الخارج وأهل الأمصار : أبو ثور . وروى الخضر الكندي ، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أبيه ، قال : إذا كان عليه تكبير وتلبية بدأ بالتكبير ، ثم بالتلبية . قال أبو بكر بن جعفر : لم يروها غيره . قلت : الخضر هذا ، غير مشهور ، وهو يروي عن عبد الله بن أحمد المناكير التي تخالف روايات الثقات ، عنه . والذي نقل الثقات ، عن أحمد ، أن الحاج لا يكبر حتى يقطع التلبية ، فكيف يجتمعان عليهِ ؟ وقد حملها أبو بكر على ما إذا أخر الحاج رمي جمرة العقبة حتَّى صلى الظهر ؛ فإنه يجتمع عليهِ في صلاة الظهر - حينئذ - تلبية وتكبير . ووجهه : بأن هذا الوقت وقت التكبير ، وإنما صار وقت تلبية في حق هذا لتأخيره الرمي ، وهو نوع تفريط منه ، فلذلك بدأ بالتكبير قبل التلبية . والإجماع الذي ذكره أحمد ، إنما هو في ابتداء التكبير يوم عرفة من صلاة الصبح . أما آخر وقته ، فقد اختلف فيه الصحابة الذين سماهم . فأما علي ، فكان يكبر من صبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق . وهي الرواية التي صححها الإمام أحمد ، عن ابن عباس . وكذلك روي عن عمر . وروي ، عنه : إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق . وأنكره يحيى القطان . وإلى قول علي ذهب الثوري وابن أبي ليلى وشريك وإسحاق . ولم يفرق بين أهل منى وغيرهم . وكذلك أكثر العلماء ، وهو قول الثوري . وكذلك قال : إذا اجتمع التكبير والتلبية بدأ بالتكبير . وأما ابن مسعود ، فإنه كان يكبر من صلاة الغداة يوم عرفة إلى الصلاة العصر يوم النحر . وهو قول أصحابه ، كالأسود وعلقمة ، وقول النخعي وأبي حنيفة . وروى خصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : التكبير من صلاة الظهر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق . وهذه الرواية التي ضعفها أحمد ، وذكر أنها مختلفة . قال عبد الرزاق : وبلغني عن زيد بن ثابت - مثله . وعن الحسن ، قال : يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر من يوم النفر الأول . وروى العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الفجر ، من آخر أيام التشريق . وروى الواقدي بأسانيده ، عن عثمان وابن عمر وزيد بن ثابت وأبي سعيد - نحوه . وعن عطاء ، أن الأئمة كانوا يكبرون صلاة الظهر يوم النحر ، يبتدئون بالتكبير كذلك إلى آخر أيام التشريق . وقد روي عن عمر بن عبد العزيز التكبير من صلاة الظهر يوم النحر إلى صبح آخر أيام التشريق . وإليه ذهب مالك والشافعي - في أشهر أقواله . وله قول آخر كقول علي ومن وافقه . وله قول ثالث : يبدأ من ليلة النحر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق . والمحققون من أصحابه على أن هذه الأقوال الثلاثة في حق أهل الأمصار ، فأما أهل الموسم بمنى ، فإنهم يبدءون بالتكبير عقيب صلاة الظهر يوم النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق بغير خلاف ، ونقلوه عن نص الشافعي . وهذا يوافق قول أحمد في ابتدائه . واختار جماعة من أصحابه القول بأن ابتداءه في الأمصار من صبح يوم عرفة وانتهاءه عصر آخر يوم من أيام التشريق . منهم المزني وابن سريج وابن المنذر والبيهقي وغيرهم من الفقهاء المحدثين منهم . قالوا : وعليه عمل الناس في الأمصار . وفي المسألة للسلف أقوال أخر . وفي الباب حديث مرفوع ، لا يصح إسناده . وخرجه الحاكم من حديث علي وعمار . وضعفه البيهقي ، وهو كما قال . وقد أشار البخاري إلى مسألتين من مسائل هذا التكبير . إحداهما : أن التكبير يكون خلف الفرائض . وهل يكبر خلف صلاة التطوع ؟ فقد تقدم في باب الماضي ، عن محمد بن علي - وهو : أبو جعفر - أنه كانَ يكبر خلف النوافل . وإلى قوله ذهب الشافعي - في أشهر قوليه - وابن المنذر . وقال أكثر العلماء : لا يكبر عقب النوافل . واختلفوا في التكبير عقب صلاة عيد النحر : فقال مجاهد : يكبر . وقال أحمد : إن ذهب رجل إلى ذا فقد روي فيه عن بعض التابعين ، والمعروف في المكتوبة . وقال أبو بكر بن جعفر - من أصحابنا - : يكبر ؛ لأن صلاة العيد عندنا فرض كفاية ، فهي ملحقة بالفرائض ، وهو قول إسحاق بن راهويه ، وحكاه عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز والشعبي وعطاء الخراساني وغيرهم . وللشافعي قولان . واختلفوا : هل يكبر من صلى الفرض وحده ؟ على قولين . أحدهما : لا يكبر ، وهو مروي عن ابن عمر . وذكره سفيان الثوري ، عن أبي جعفر ، عن أنس . وقال ابن مسعود : ليس بالتكبير في أيام التشريق على الواحد والاثنين ، التكبير على من صلى في جماعة . وممن قال : لا يكبر إذا صلى الفرض وحده : الثوري وأبو حنيفة وأحمد - في رواية . والقول الثاني : وهو قول الشعبي والنخعي والأوزاعي والثوري - في رواية أخرى - والحسن بن صالح ومالك والشافعي وأحمد في رواية أخرى . وقال هؤلاء كلهم : يكبر في السفر والحضر . وقال أبو حنيفة : لا يكبر المسافر إلا إذا اقتدى بالمقيم ، تبعًا له ، واتفقوا على أن الحاج يكبرون بمنى . المسألة الثانية : أن النساء كن يكبرن إذا صلين مع الرجال في المسجد خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز - يعني : مسجد المدينة - في ليالي أيام التشريق . وهذا يدل على أن النساء إنما كن يشهدن المساجد بالليل ، كما سبق . ولا خلاف في أن النساء يكبرن مع الرجال تبعًا ، إذا صلين معهم جماعة ، ولكن المرأة تخفض صوتها بالتكبير . وإن صلت منفردة ، ففي تكبيرها ما في تكبير الرجل المنفرد ، بل هي أولى بعدم التكبير . وإن صلى النساء جماعة ، ففي تكبيرهن قولان - أيضًا - وهما روايتان عن الثوري وأحمد . ومذهب أبي حنيفة : لا يكبرن . ومذهب مالك والشافعي : يكبرن . النوع الثاني : التكبير المطلق ، الذي لا يتقيد بوقت . وقد ذكر البخاري عن عمر وابن عمر ، أنهما كانا يكبران بمنى - يعني : في غير إدبار الصلوات - وأن الناس كانوا يكبرون بتكبير عمر حتى ترتج منى . وعن ميمونة ، أنها كانت تكبر يوم النحر . وقد روى أبو عبيد : حدثني يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، أن عمر كان يكبر في قبته بمنى ، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ، فيسمعه أهل السوق فيكبرون حتى ترتج منى تكبيرًا . وخرجه عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن عمر بن دينار : سمعت عبيد بن عمير - فذكره بمعناه . وخرجه وكيع في كتابه ، عن طلحة ، عن عطاء . وخرجه - أيضًا - عن عبد الله بن نافع ، عن أبيه ، أن عمر كان يكبر تلك الأيام بمنى ، ويقول : التكبير واجب على الناس ، ويتأول هذه الآية : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ وذكر مالك في الموطأ ، أنه بلغه ، أن عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر ، حين ارتفع النهار شيئًا ، فكبر الناس بتكبيره ، ثم خرج حين زاغت الشمس ، فكبر ، فكبر الناس بتكبيره ، حتى يتصل التكبير ويبلغ البيت ، فيعلم أن عمر قد خرج يرمي . وهذا منصوص الشافعي ، قال في المصلي : إذا سلم كبر خلف الفرائض والنوافل وعلى كل حال . وذكر في الأم من هذا الباب ، أنه يكبر الحائض والجنب وغير المتوضئ في جميع الساعات من الليل والنهار . ومذهب مالك ، أنه لا يكبر في أيام التشريق في غير دبر الصلوات . قال : كذلك كان من يقتدي به يفعل . ذكره صاحب تهذيب المدونة . وتأول بعض أصحابه تكبير عمر بمنى على أنه كان عند رمي الجمار وهو تأويل فاسد . ولم يذكر أصحابنا التكبير في عيد النحر إلا في أدبار الصلوات ، غير أنهم ذكروا إظهار التكبير في ليلة العيد ، وفي الخروج إلى المصلى إلى أن يخرج الإمام ، والتكبير مع الإمام إذا كبر في خطبته . وحكى بعضهم خلافًا عن أحمد في التكبير في حال الرجوع من المصلى إلى المنزل .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة · ص 132 خرج البخاري في هذا الباب حديثين : الأول : 970 - ثنا أبو نعيم : ثنا مالك بن أنس ، حدثني محمد بن أبي بكر الثقفي ، قال : سألت أنسًا - ونحن غاديان من منى إلى عرفات - عن التلبية : كيف كنتم تصنعون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ : كانَ يلبي الملبي ، لا ينكر عليهِ ، ويكبر المكبر ، لا ينكر عليهِ . وقد أعاده في كتاب الحج ، عن عبد الله بن يوسف ، وفي حديثه : كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه ، ويكبر منا المكبر ، فلا ينكر عليه . في هذا الحديث : دليل على أن إظهار التكبير يوم عرفة مشروع ، ولو كان صاحبه محرمًا قاصدًا عرفة للوقوف بها ، مع أن شعار الإحرام التلبية . فإذا لم ينكر عليه إظهار التكبير للمحرم الذي وظيفته إظهار التلبية ، فلغير المحرم من أهل الأمصار أولى . فهذا من أحسن ما يستدل به على استحباب إظهار التكبير يوم عرفة في الأمصار وغيرها ؛ فإن يوم عرفة أول أيام العيد الخمسة لأهل الإسلام ؛ ولذلك يشرع إظهار التكبير في الخروج إلى العيدين في الأمصار . وقد روي ذلك عن عمر وعليّ وابن عمر وأبي قتادة ، وعن خلق من التابعين ومن بعدهم . وهو إجماع من العلماء لا يعلم بينهم فيه خلاف في عيد النحر ، إلا ما روى الأثرم ، عن أحمد ، أنه لا يجهر به في عيد النحر ، ويجهر به في عيد الفطر . ولعل مراده : أنه يجهر به في عيد النحر دون الجهر في عيد الفطر ؛ فإن تكبير عيد الفطر - عنده - آكد . وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي : كانوا في عيد الفطر أشد منهم في الأضحى . يعني : في التكبير . وروي عن شعبة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس ، أنه سمع تكبير الناس يوم العيد ، فقال : أيكبر الإمام ؟ قالوا : لا . قالَ : ما شأن الناس أمجانين ؟ وشعبة هذا ، متكلم فيه . ولعله أراد التكبير في حال الخطبة . وروي التكبير في الخروج يوم الفطر عن أبي أمامة وغيره من الصحابة . خرجه الجوزجاني بإسناد ضعيف . وعن النخعي وأبي حنيفة ، أنه لا يكبر في عيد الفطر بالكلية . وروي عنهما موافقة الجماعة . وقال أحمد في التكبير في عيد الفطر : كأنه واجب ؛ لقوله : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وهذه الآية نظيرها قوله تعالى في سياق ذكر الهدايا : كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ فاستوى العيدان في ذلك . والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة · ص 292 ( باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة ) أي هذا باب في بيان التكبير أيام منى وهي يوم العيد والثلاثة بعده ، قوله : "وإذا غدا إلى عرفة" أي صبيحة يوم التاسع . ( وكان عمر رضي الله عنه يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرا ) . مطابقته للجزء الأول للترجمة ظاهرة وهو تعليق وصله سعيد بن منصور من رواية عبيد بن عمير ، قال : "كان عمر يكبر في قبته بمنى ويكبر أهل المسجد ويكبر أهل السوق حتى ترتج منى تكبيرا" ، قوله : "في قبته" القبة بضم القاف وتشديد الباء الموحدة من الخيام بيت صغير مستدير وهو من بيوت العرب ، قوله : "حتى ترتج" يقال : ارتج البحر بتشديد الجيم إذا اضطرب والرج التحريك ، قوله : "منى" فاعل ترتج ، قوله : "تكبيرا" نصب على التعليل أي لأجل التكبير وهو مبالغة في اجتماع رفع الأصوات . ( وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعا ) . مطابقته للجزء الأول للترجمة ظاهرة وهو تعليق وصله ابن المنذر ، والفاكهي في أخبار مكة من طريق ابن جريج أخبرني نافع أن ابن عمر فذكره سواء ، ذكره البيهقي أيضا ، قوله : "تلك الأيام" أي أيام منى ، قوله : "خلف الصلوات" ظاهره يتناول الفرائض والنوافل ، قوله : "وعلى فرشه" ويروى : "فراشه" ، قوله : "وفي فسطاطه" فيه ست لغات فسطاط ، وفستاط ، وفساط بتشديد السين أصله فسساط فأدغمت السين في السين ، وأصل فسساط فستاط قلبت التاء سينا وأدغمت السين في السين لاجتماع المثلين ، وبضم الفاء وكسرها قال الكرماني هو بيت من الشعر ، وقال الزمخشري هو ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق وبه سميت المدينة التي فيهما مجتمع الناس ، وكل مدينة فسطاط ، ويقال لمصر والبصرة : الفسطاط ، ويقال : الفسطاط الخيمة الكبيرة ، قوله : "وممشاه" بفتح الميم الأولى موضع المشي ، ويجوز أن يكون مصدرا ميميا بمعنى المشي ، قوله : "تلك الأيام" أي في تلك الأيام وإنما كرره للتأكيد والمبالغة ، وأكده أيضا بلفظ : "جميعا" ويروى : "وتلك الأيام" بواو العطف وبدون الواو رواية أبي ذر على أن يكون ظرفا للمذكورات . ( وكانت ميمونة تكبر يوم النحر ) . ميمونة هي بنت الحارث الهلالية زوج النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ست من الهجرة توفيت بسرف ، وهو ما بين مكة والمدينة حيث بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك سنة إحدى وخمسين وصلى عليها عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وروى البيهقي أيضا تكبير ميمونة يوم النحر . ( وكن النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان ، وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد ) . أبان بفتح الهمزة وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف نون ابن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، وكان فقيها مجتهدا مات بالمدينة سنة خمس ومائة ، وعمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين من الخلفاء الراشدين وقد تقدم في أول كتاب الإيمان قوله : "وكان النساء" هكذا هو في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره : "وكن النساء" على لغة أكلوني البراغيث ، وقد دلت هذه الآثار المذكورة على استحباب التكبير أو وجوبه على الاختلاف في أيام التشريق ولياليها عقيب الصلاة . وفيه اختلاف من وجوه : الأول أن تكبير التشريق واجب عند أصحابنا ولكن عند أبي حنيفة عقيب الصلوات المفروضة على المقيمين في الأمصار في الجماعة المستحبة ، فلا يكبر عقيب الوتر وصلاة العيد والسنن والنوافل ، وليس على المسافرين ولا على المنفرد ، وهو مذهب ابن مسعود ، وبه قال الثوري وهو المشهور عن أحمد ، وقال أبو يوسف ، ومحمد : على كل من صلى المكتوبة سواء كان مقيما أو مسافرا أو منفردا أو بجماعة ، وبه قال الأوزاعي ، ومالك ، وعند الشافعي : يكبر في النوافل والجنائز على الأصح ، وليس على جماعة النساء إذا لم يكن معهن رجل ، ولا على المسافرين إذا لم يكن معهم مقيم . الثاني في وقت التكبير فعند أصحابنا يبدأ بعد صلاة الفجر يوم عرفة ويختم عقيب العصر يوم النحر عند أبي حنيفة ، وهو قول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه ، وعلقمة ، والأسود ، والنخعي ، وعند أبي يوسف ومحمد : يختم عقيب صلاة العصر من آخر أيام التشريق ، وهو قول عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عباس ، وبه قال سفيان الثوري ، وسفيان بن عيينة ، وأبو ثور ، وأحمد ، والشافعي في قول ، وفي التحرير ذكر عثمان معهم ، وفي المفيد : وأبا بكر وعليه الفتوى ، وههنا تسعة أقوال ، وقد ذكرنا القولين ، الثالث : يختم بعد ظهر يوم النحر ، وروي ذلك عن ابن مسعود فعلى هذا يكبر في سبع صلوات ، وعلى قوله الأول في ثمان صلوات ، وعلى قولهما في ثلاث وعشرين صلاة ، الرابع : يكبر من ظهر يوم النحر ويختم في صبح آخر أيام التشريق ، وهو قول مالك ، والشافعي في المشهور ، ويحيى الأنصاري ، وروي ذلك عن ابن عمر ، وعمر بن عبد العزيز ، وهو رواية عن أبي يوسف ، الخامس : من ظهر عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق ، حكي ذلك عن ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، السادس : يبدأ من ظهر يوم النحر إلى ظهر يوم النفر الأول ، وهو قول بعض أهل العلم ، السابع حكاه ابن المنذر عن ابن عيينة واستحسنه أحمد أن أهل منى يبدؤون من ظهر يوم النحر ، وأهل الأمصار من صبح يوم عرفة ، وإليه مال أبو ثور ، الثامن : من ظهر عرفة إلى ظهر يوم النحر حكاه ابن المنذر ، التاسع من مغرب ليلة النحر عند بعضهم قاله قاضيخان وغيره . الثالث في صفة التكبير : وهو أن يقول مرة واحدة : الله أكبر الله أكبر لا إله لا الله ، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد ، وهو قول عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، وبه قال الثوري ، وأحمد وإسحاق ، وفيه أقوال أخر ، الأول : قول الشافعي أنه يكبر ثلاثا نسقا ، وهو قول ابن جبير ، الثاني : قول مالك أنه يقف على الثانية ، ثم يقطع فيقول : الله أكبر لا إله إلا الله ، حكاه الثعلبي عنه ، الثالث : عن ابن عباس : الله أكبر الله أكبر الله أكبر وأجل ، الله أكبر ولله الحمد ، الرابع : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، وهو مروي عن ابن عمر ، الخامس : عن ابن عباس أيضا : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله هو الحي القيوم يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ، السادس : عن عبد الرحمن : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، الله أكبر الحمد لله ، ذكره في المحلى ، السابع : أنه ليس فيه شيء مؤقت قاله الحاكم ، وحماد ، وقول أصحابنا أولى لأن عليه جماعة من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم ، ولم يثبت في شيء من ذلك حديث ، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي ، وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى أخرجهما ابن المنذر وغيره . 19 - حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا مالك بن أنس قال : حدثني محمد بن أبي بكر الثقفي قال : سألت أنسا ونحن غاديان من منى إلى عرفات عن التلبية كيف كنتم تصنعون مع النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : كان يلبي الملبي لا ينكر عليه ، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه . مطابقته للجزء الثاني للترجمة في قوله : "ويكبر المكبر" . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة : أبو نعيم الفضل بن دكين تكرر ذكره ، ومحمد بن أبي بكر بن عوف بن رباح الثقفي بالثاء المثلثة والقاف المفتوحتين . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه السؤال ، وفيه القول في ثلاثة مواضع . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في «الحج» عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، وأخرجه مسلم في «المناسك» عن يحيى بن يحيى ، عن مالك ، وعن شريح بن يونس ، عن عبد الله بن رجاء ، وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم ، عن أبي نعيم به ، وعن إسحاق بن عبد الله بن رجاء به ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن يحيى . ( ذكر معناه ) قوله : "سألت أنسا" وفي رواية أبي ذر : "سألت أنس بن مالك" ، قوله : "ونحن" الواو للحال ، قوله : "غاديان" من غدا يغدو غدوا والمعنى نحن سائران من منى متوجهان إلى عرفات ، قوله : "عن التلبية" يتعلق بقوله : "سألت" ، قوله : "كان" أي الشأن ، قوله : "لا ينكر عليه" على صيغة المعلوم في الموضعين ، والضمير المرفوع الذي فيه يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، والتكبير المذكور نوع من الذكر ، أدخله الملبي في خلال التلبية من غير ترك للتلبية لأن المروي عن الشارع أنه لم يقطع التلبية حتى رمى جمرة العقبة ، وهو مذهب أبي حنيفة ، والشافعي ، وقال مالك : يقطع إذا زالت الشمس ، وقال مرة أخرى : إذا وقف ، وقال أيضا : إذا راح إلى مسجد عرفة ، وقال الخطابي : السنة المشهورة فيه أن لا يقطع التلبية حتى يرمي أول حصاة من جمرة العقبة يوم النحر ، وعليها العمل ، وأما قول أنس هذا فقد يحتمل أن يكون تكبير المكبر منهم شيئا من الذكر يدخلونه في خلال التلبية الثابتة في السنة من غير ترك التلبية .