25 - بَاب تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الْإِيمَانَ وَالْعِلْمَ وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ . وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ 87 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ ، قَالَ : كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ ، فَقَالَ : إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : مَنْ الْوَفْدُ - أَوْ : مَنْ الْقَوْمُ - قَالُوا : رَبِيعَةُ ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ أَوْ بِالْوَفْدِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى ، قَالُوا : إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ ، فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ ، أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ ، قَالَ : هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ ، وَتُعْطُوا الْخُمُسَ مِنْ الْمَغْنَمِ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ - قَالَ شُعْبَةُ : رُبَّمَا قَالَ : النَّقِيرِ ، وَرُبَّمَا قَالَ : الْمُقَيَّرِ - قَالَ : احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ تَحْرِيضِ ) هُوَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، وَمَنْ قَالَهَا بِالْمُهْمَلَةِ هُنَا فَقَدْ صَحَّفَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ ) هُوَ بِصِيغَةِ تَصْغِيرِ الْحَارِثِ . وَهَذَا التَّعْلِيقُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ لَهُ مَشْهُورٍ يَأْتِي فِي الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( أَبِي جَمْرَةَ ) هُوَ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( مِنْ شُقَّةٍ ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ . قَوْلُهُ : ( وَتُعْطُوا ) كَذَا وَقَعَ ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِتَقْدِيرِ أَنْ ، وَسَاغَ التَّقْدِيرُ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ اسْمٌ قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ . قُلْتُ : قَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، عَنْ غُنْدَرٍ ، فَقَالَ : وَأَنْ تُعْطُوا فَكَأَنَّ حَذْفَهَا مِنْ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ . قَوْلُهُ : ( قَالَ شُعْبَةُ : وَرُبَّمَا قَالَ النَّقِيرُ ) أَيْ : بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ الْمَكْسُورَةِ . ( وَرُبَّمَا قَالَ الْمُقَيَّرُ ) أَيْ : بِالْمِيمِ الْمَضْمُومَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّدُ فِي هَاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ لِيُثْبِتَ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ الْمُقَيَّرِ التَّكْرَارُ لِسَبْقِ ذِكْرِ الْمُزَفَّتِ لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ جَازِمًا بِذِكْرِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ شَاكًّا فِي الرَّابِعِ وَهُوَ النَّقِيرُ ، فَكَانَ تَارَةً يَذْكُرُهُ وَتَارَةً لَا يَذْكُرُهُ . وَكَانَ أَيْضًا شَاكًّا فِي التَّلَفُّظِ بِالثَّالِثِ ، فَكَانَ تَارَةً يَقُولُ : الْمُزَفَّتُ ، وَتَارَةً يَقُولُ : الْمُقَيَّرُ . هَذَا تَوْجِيهُهُ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا عَدَاهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْإِيمَانِ . وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ عَالِيًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَلَمْ يَتَرَدَّدْ إِلَّا فِي الْمُزَفَّتِ وَالْمُقَيَّرِ فَقَطْ ، وَجَزَمَ بِالنَّقِيرِ ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْتُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَأَخْبِرُوهُ ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ . وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : وَأَخْبِرُوا بِحَذْفِ الضَّمِيرِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الْإِيمَانَ وَالْعِلْمَ · ص 221 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم ويخبروا من وراءهم · ص 98 باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم ويخبروا من وراءهم . أي هذا باب في بيان تحريض النبي صلى الله عليه وسلم ، والتحريض بالضاد المعجمة على الشيء الحث عليه ، قال الكرماني : والتحريص بالمهملة بمعناه أيضا ، وقال بعضهم : من قالها بالمهملة فقد صحف ، قلت : إذا كان كلاهما يستعمل في معنى واحد لا يكون تصحيفا ، فإن أنكر هذا القائل استعمال المهملة بمعنى المعجمة فعليه البيان ، والوفد هم الذين يقدمون أمام الناس ، جمع وافد ، وعبد القيس قبيلة ، وقد مر تفسير أكثر ما في هذا الباب في باب أداء الخمس من الإيمان . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو السؤال والجواب وهما غالبا لا يخلوان عن التحريض لأنهما تعليم وتعلم ومن شأنهما التحريض . وقال مالك بن الحويرث : قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم : ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم . الكلام فيه على أنواع : الأول أن هذا التعليق طرف من حديث مشهور أخرجه البخاري في الصلاة والأدب وخبر الواحد كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وأخرجه مسلم أيضا ، الثاني : أن مالك بن الحويرث مصغر الحارث بالمثلثة ابن حشيش بفتح الحاء المهملة وبالشين المعجمة المكررة وقيل بضم الحاء وقيل بالجيم ابن عوف بن جندع الليثي ، يكنى أبا سليمان ، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ستة من قومه فأسلم وأقام عنده أياما ، ثم أذن له في الرجوع إلى أهله ، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر حديثا ، اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بحديث ، وهذا أحد الحديثين المتفق عليه ، والآخر في الرفع والتكبير ، نزل البصرة وتوفي بها سنة أربع وتسعين ، روى له الجماعة ، الثالث : قوله إلى أهليكم جمع الأهل وهو يجمع مكسرا نحو الأهال والأهالي ومصححا بالواو والنون نحو الأهلون وبالألف والتاء نحو الأهلات ، الرابع : فعلموهم ، وفي بعض النسخ فعظوهم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم ويخبروا من وراءهم · ص 99 29 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا غندر ، قال : حدثنا شعبة ، عن أبي جمرة قال : كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس ، فقال : إن وفد عبد القيس أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من الوفد ، أو من القوم ؟ قالوا : ربيعة ، فقال : مرحبا بالقوم ، أو بالوفد ، غير خزايا ولا ندامى ، قالوا : إنا نأتيك من شقة بعيدة وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر ، ولا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام ، فمرنا بأمر نخبر به من وراءنا ندخل به الجنة ، فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع ، أمرهم بالإيمان بالله عز وجل وحده ، قال : هل تدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وتعطوا الخمس من المغنم ، ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت ، قال شعبة : ربما قال النقير وربما قال المقير ، قال : احفظوه وأخبروه من وراءكم . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . بيان رجاله : وهم خمسة ، ذكروا جميعا ، وغندر اسمه محمد بن جعفر ، وأبو جمرة بالجيم اسمه نصر بن عمران ، وهذا الحديث ذكره البخاري في تسعة مواضع قد ذكرناها في باب أداء الخمس من الإيمان ، أخرجه هناك عن علي بن الجعد عن شعبة عن أبي جمرة ، وهذا ثاني المواضع عن محمد بن بشار عن غندر عن شعبة عن أبي جمرة ، فلنتكلم هاهنا على الألفاظ التي ليست هناك . فقوله كنت أترجم أي أعبر للناس ما أسمع من ابن عباس ، وبالعكس ، قوله قالوا ربيعة إنما قالوا نحن ربيعة لأن عبد القيس من أولاده ، وما قال التيمي من قوله لأن ربيعة بطن من عبد القيس فهو سهو منه ، قوله من شقة بعيدة بضم الشين المعجمة وهو السفر البعيد وربما قالوه بكسرها ، وفي العباب : الشقة بالضم البعد ، قال تعالى : بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وقال ابن عرفة : أي الناحية التي تدنو إليها ، قال الفراء : وجمعها شقق ، وحكي عن بعض قيس شقق ، وقال البرندي : إن فلانا لبعيد الشقة أي بعيد السفر ، قوله ندخل به الجنة وقع هاهنا بغير الواو وهناك بالواو ، ويجوز فيه الرفع والجزم ، أما الرفع فعلى أنه حال أو استئناف أو بدل أو صفة بعد صفة ، وأما الجزم فعلى أنه جواب الأمر ، فإن قلت : الدخول ليس هيئة لهم فكيف يكون حالا ؟ قلت : حال مقدرة والتقدير نخبر مقدرين دخول الجنة ، وفي بعض النسخ نخبر بالجزم أيضا ، وعلى هذه الرواية تدخل بدل منه أو هو جواب للأمر بعد جواب ، قوله وتعطوا كذا وقع بدون النون لأنه منصوب بتقدير أن لأن المعطوف عليه اسم ، وروى أحمد عن غندر فقال وأن تعطوا فكأن الحذف من شيخ البخاري ، قوله قال شعبة وربما قال أي أبو جمرة النقير بفتح النون وكسر القاف وهو الجذع المنقور ، قوله وربما قال المقير أي وربما قال أبو جمرة المقير ، قال الكرماني : فإن قلت : فإذا قال المقير يلزم التكرار لأنه هو المزفت ، قلت : حيث قالوا المزفت هو المقير تجوزوا إذ الزفت هو شيء يشبه القار ، انتهى ، قلت : تحرير هذا الموضع أنه ليس المراد أنه كان يتردد في هاتين اللفظتين ليثبت إحداهما دون الأخرى لأنه على هذا التقدير يلزم التكرار المذكور ؛ بل المراد أنه كان جازما بذكر الألفاظ الثلاثة الأول شاكا في الرابع وهو النقير ، فكان تارة يذكره وتارة لا يذكره ، وكان أيضا شاكا في التلفظ بالثالث أعني المزفت ، فكان تارة يقول المزفت وتارة يقول المقير ، والدليل عليه أنه جزم بالنقير في الباب السابق ولم يتردد إلا في المزفت والمقير فقط ، قوله وأخبروا بفتح الهمزة بدون الضمير في آخره في رواية الكشميهني ، وعند غيره وأخبروه بالضمير . وقال ابن بطال : وفيه أن من علم علما أنه يلزمه تبليغه لمن لا يعلمه ، وهو اليوم من فروض الكفاية لظهور الإسلام وانتشاره ، وأما في أول الإسلام فإنه كان فرضا معينا أن يبلغه حتى يكمل الإسلام ويبلغ مشارق الأرض ومغاربها ، وفيه أنه يلزم تعليم أهل الفرائض لعموم لفظ من وراءكم والله سبحانه وتعالى أعلم .