996 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُسْلِمٌ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُلَّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبِي ) هُوَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، وَمُسْلِمٌ هُوَ أَبُو الضُّحَى لَا ابْنُ كَيْسَانَ . قَوْلُهُ : ( كُلَّ اللَّيْلِ ) بِنَصْبِ كُلِّ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ . وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُهُ ، وَالتَّقْدِيرُ : أَوْتَرَ فِيهِ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ : مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ ، وَالْمُرَادُ بِأَوَّلِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( إِلَى السَّحَرِ ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ : حِينَ مَاتَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُ وَقْتِ الْوِتْرِ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ ، فَحَيْثُ أَوْتَرَ فِي أَوَّلِهِ لَعَلَّهُ كَانَ وَجَعًا ، وَحَيْثُ أَوْتَرَ وَسَطَهُ لَعَلَّهُ كَانَ مُسَافِرًا ، وَأَمَّا وِتْرُهُ فِي آخِرِهِ فَكَأَنَّهُ كَانَ غَالِبَ أَحْوَالِهِ ، لِمَا عُرِفَ مِنْ مُوَاظَبَتِهِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَكْثَرِ اللَّيْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالسَّحَرُ قُبَيْلَ الصُّبْحِ ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ السُّدُسُ الْأَخِيرُ ، وَقِيلَ : أَوَّلُهُ الْفَجْرُ الْأَوَّلُ ، وَفِي رِوَايَةِ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ : فَلَمَّا انْفَجَرَ الْفَجْرُ قَامَ فَأَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ . قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : الْمُرَادُ بِهِ الْفَجْرُ الْأَوَّلُ ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا : زَادَنِي رَبِّي صَلَاةً وَهِيَ الْوِتْرُ ، وَقْتُهَا مِنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ فِي السُّنَنِ ، وَهُوَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْوِتْرِ ، وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي الْوُجُوبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ : الْوِتْرُ حَقٌّ ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا ، وَأَعَادَ ذَلِكَ ثَلَاثًا . فَفِي سَنَدِهِ أَبُو الْمُنِيبِ وَفِيهِ ضَعْفٌ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ قَبُولِهِ فَيَحْتَاجُ مَنِ احْتَجَّ بِهِ إِلَى أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ لَفْظَ : حَقٍّ بِمَعْنَى وَاجِبٍ فِي عُرْفِ الشَّارِعِ ، وَأَنَّ لَفْظَ وَاجِبٍ بِمَعْنَى مَا ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب سَاعَاتِ الْوِتْرِ · ص 565 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ساعات الوتر · ص 230 الحديث الثاني : 996 - نا عمر بن حفص ، نا أبي ، نا الأعمش ، نا مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : كل الليل أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وانتهى وتره إلى السحر . مسلم ، هو : ابن صبيح أبو الضحى ، وصُبيح بضم الصاد . وخرّجه مسلم - أيضا - من طريق الأعمش ، ولفظه : من كل الليل قد أوتر الحديث . وخرّجه من حديث سعيد بن مسروق ، عن أبي الضحى ، كما خرجه البخاري - أعني : كل الليل أوتر - إلا أنه قال : فانتهى وتره إلى آخر الليل . وخرّجه أيضا من رواية أبي حصين ، عن يحيى بن وثاب ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : من كل الليل أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، من أول الليل ، وأوسطه ، وآخره ، فانتهى وتره إلى السحر . وهذه الرواية تصرح بأن المراد : أنه صلى الله عليه وسلم كانَ يوتر أحيانا من أول الليل ، وأحيانا من وسطه ، وأحيانا من آخره ، وأنه ليس المراد : أن وتره وقع في كل ساعة ساعة من الليل ، أو في كل جزء جزء منه . وروي هذا الحديث عن عائشة - بمعناه - من رواية ربيعة الجرشي ، وعبد الله بن أبي قيس عنها ، وغضيف بن الحارث ، ويحيى بن يعمر . وروي عن علي من رواية أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي ، قال : من كل الليل قد أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أوله ، وأوسطه ، وانتهى وتره إلى السحر . خرّجه الإمام أحمد وابن ماجه . وخرّجه أحمد - أيضا - من رواية أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي ، بنحوه . وقال علي بن المديني : هو إسناد كوفي حسن . وروي عن عبد خير ، عن علي ، بنحوه ، أيضا . وخرّج الإمام أحمد - أيضا - بإسناد جيد ، عن أبي مسعود الأنصاري ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر من أول الليل وأوسطه وآخره . وخرّج الإسماعيلي في مسند عمر من رواية أبي بكر بن أبي مريم ، عن ضمرة بن حبيب ، عن الحارث بن معاوية ، قال : سألت عمر عن الوتر في أول الليل ، أو في وسطه ، أو في آخره ؟ فقالَ عمر : كل ذَلِكَ قد عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن ائت أمهات المؤمنين فسلهن عن ذَلِكَ ؛ فإنهن أبصر بما كان يصنع من ذلك ، فأتاهن فسألهن ، فقلن له : كل ذلك قد عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقبض وهو يوتر من آخر الليل . أبو بكر بن أبي مريم ضعيف . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه حسن الوتر من أول الليل ومن آخره . كما خرّجه الإمام أحمد وابن ماجه من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر : أي حين توتر ؟ قالَ : أول الليل بعد العتمة ، قالَ : فأنت يا عمر ؟ قال : آخر الليل ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أما أنت يا أبا بكر فقد أخذت بالوثقى ، وأما أنت يا عمر فقد أخذت بالقوة . وخرّج أبو داود من حديث عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة الأنصاري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه . وإسناده ثقات ، إلا أن الصواب عند حذاق الحفاظ : عن ابن رباح ، مرسلا . وقد روي هذا الحديث من رواية ابن عمر وعقبة بن عامر وغيرهما ، بأسانيد لينة . ورواه الزهري ، عن سعيد بن المسيب مرسلا ، وهو من أجود المراسيل . كذا رواه الزبيدي وغيره عن الزهري . ورواه بعضهم ، عن ابن عيينة ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة . والصواب إرساله ، قاله الدارقطني . ورواه مسعر ، عن سعد بن إبراهيم ، واختلف عنه : فقيل : عن مسعر ، عن سعد ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد الخدري . وقيل : عنه ، عن سعد ، عن أبي سلمة مرسلا . وقيل : عنه ، عن سعد ، عن ابن المسيب ، عن أم سلمة . والظاهر : أنه غير ثابت . وخرّجه ابن مردويه من هذا الوجه ، وفي حديثه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أما أنت يا أبا بكر ، كما قال القائل : أحرزت نهبي وأبتغي النوافل ، وأما أنت يا عمر ، فتأخذ - أو تعمل - عمل الأقوياء . ورواه وكيع في كتابه عن معسر ، عن ابن المسيب - مرسلا - وزاد فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكر : أنت مثل الذي قال : أحرزت نهبي وأبتغي النوافل . وهذه الرواية أصح ، والله سبحانه وتعالى أعلم . وقد رواه الشافعي ، عن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن ابن المسيب مرسلا ، بهذه الزيادة أيضا . والكلام في وقت الوتر في مسألتين : إحداهما : في وقت جوازه . فذهب أكثر أهل العلم إلى أن أول وقته من بعد صلاة العشاء ، فلو أوتر من قبل صلاة العشاء لم يقع موقعا وأمر بإعادته . ولو كان ناسيا ، أو ظانا أنه قد صلى العشاء ، مثل أن يصلي العشاء محدثا ناسيا ، ثم يتوضأ ويصلي الوتر ، ثم يذكر بعد صلاة أنه صلى العشاء ناسيا ، فإنه يقضي القضاء ثم الوتر . هذا قول جمهور العلماء ، منهم : الثوري والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد . وقال أبو حنيفة : وقته وقت العشاء ؛ فإنه واجب عنده ، ويجب الترتيب بينهما ، بشرط الذكر ويسقط بالسهو ، فلا يعيد الوتر عنده في الصورة المذكورة . وكذلك مذهب سفيان ، إذا صلى الوتر ناسيا للعشاء ، ثم ذكر أنه يصلي العشاء ولا يعيد الوتر . وللشافعية وجهان آخران : أحدهما : أن وقته يدخل بدخول وقت العشاء ، ويجوز فعله قبل صلاة العشاء ، تعمد ذلك أو لم يتعمد . والثاني : أن وقته لا يدخل إلا بعد العشاء وصلاة أخرى ، فإن كان وتره بأكثر من ركعة صح فعله بعد صلاة العشاء ، وإن أوتر بركعة لم يصح حتى يتقدمه نفل بينه وبين صلاة العشاء . واستدل لقول الجمهور بحديث خارجة بن حذافة ، قال : خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : إن الله قد أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم : الوتر ، جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر . خرّجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وغربه ، والحاكم وصححه . وقال الأثرم : ليس بقوي . وخرّج الإمام أحمد بإسناد جيد ، عن أبي بصرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله زادكم صلاة ، وهي الوتر ، فصلوها ما بين العشاء إلى أن يطلع الفجر . وبإسناد فيه انقطاع ، عن معاذ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : زادني ربي صلاة ، هي الوتر ، ووقتها بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر . وأما آخر وقته ، فذهب الأكثرون إلى أنه يخرج وقته بذهاب الليل ، فإذا طلع الفجر صار فعله قضاء ، وما دام الليل باقيا ، فإن وقته باق . ولا نعلم في ذلك خلافا ، إلا ما ذكره القاضي أبو يعلى من أصحابنا في كتابه شرح المذهب ، أنه إذا أخره حتى خرج وقت العشاء المختار - وهو نصف الليل ، أو ثلثه - صار قضاء . وهذا قول ساقط جدا ؛ لأن صلاة العشاء لا تصير قضاء بتأخيرها حتَّى يخرج وقتها المختار ، وإن قيل : إن تأخيرها إليه عمدا لا يجوز ، كما سبق ذكره في المواقيت ، فكيف يصير تأخير الوتر إلى ذَلِكَ الوقت قضاء ؟ وأما إذا خرج الليل بطلوع الفجر ، فإنه يذهب وقت أدائه عند جمهور العلماء ، ويصير قضاء حينئذ . وهو قول الشافعي وأحمد - في المشهور عنهما - وقول أبي حنيفة والثوري . وروي عن عمر وابن عمر وأبي موسى وأبي الدرداء وسعيد بن جبير وعطاء والنخعي . حتى قال النخعي : لأن يدركني الفجر وأنا أتسحر أحب إلي من أن يدركني وأنا أوتر . ويدل عليه : حديث : فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة ، وسيأتي حديث : اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا . وخرّج مسلم من طرق ، عن عبد الله بن شقيق ، عن ابن عمر ، أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - : كيف صلاة الليل ؟ قالَ : مثنى مثنى ، فإذا خشيت الصبح فصل ركعة ، واجعل آخر صلاتك وترا . وخرّجه من طريق ابن أبي زائدة ، عن عاصم الأحول ، عن عبد الله بن شقيق ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : بادروا الصبح بالوتر . وهذا لعله رواه بالمعنى من الحديث الذي قبله . وخرّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث ابن أبي زائدة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : بادروا الصبح بالوتر . وصححه الترمذي . وقد ذكر الدارقطني وغيره : أن ابن أبي زائدة تفرد بهذا الحديث بالإسنادين . وذكر الأثرم : أنه ذكر لأبي عبد الله - يعني : أحمد بن حنبل - حديث ابن أبي زائدة هذا من الوجهين ، فقال في الإسناد الأول : عاصم ، لم يرو عن عبد الله بن شقيق شيئا ، ولم يروه إلا ابن أبي زائدة ، وما أدري ، فذكر له الإسناد الثاني ، فقال أحمد : هذا أراه اختصره من حديث : صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة ، وهو بمعناه ، قالَ : فقلت له : روى هذين أحد غيره ؟ قالَ : لا . قلت : والظاهر أنه اختصر حديث عبد الله بن شقيق ، عن ابن عمر أيضا ، كما اختصر حديث عبيد الله ، عن نافع ، عنه . والله أعلم . وخرج مسلم أيضا من حديث ابن جريج ، أخبرني نافع ، أن ابن عمر كان يقول : من صلى بالليل فليجعل صلاته وترا قبل الصبح ، كذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرهم . خرجه ، عن هارون بن عبد الله ، نا حجاج بن محمد ، قال : قال ابن جريج ، فذكره . وخرجه الترمذي عن محمود بن غيلان ، عن عبد الرزاق ، أنا ابن جريج ، عن سليمان بن موسى ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر ، فأوتروا قبل طلوع الفجر . وقال : تفرد به سليمان بن موسى على هذا اللفظ . وذكر المروذي عن أحمد ، أنه قال : لم يسمعه ابن جريج من سليمان بن موسى ، إنما قال : قال سليمان ، قيل له : إن عبد الرزاق قد قال : عن ابن جريج ، أنا سليمان ؟ فأنكره ، وقال : نحن كتبنا من كتب عبد الرزاق ، ولم يكن بها ، وهؤلاء كتبوا عنه بأخرة . وخرجه الحاكم من طريق محمد بن الفرج الأزرق ، نا حجاج بن محمد ، قال : قال ابن جريج : حدثني سليمان بن موسى ، نا نافع ، أن ابن عمر كان يقول : من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترا ؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بذلك ، فإذا كانَ الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل ؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أوتروا قبل الفجر . وقال : إسناد صحيح . وهذه الرواية أشبه من رواية الترمذي ؛ فإن فيها أن ذهاب كل صلاة الليل بطلوع الفجر ، إنما هوَ من قول ابن عمر ، واستدل لهُ بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوتر قبل الفجر . ورواية ابن جريج التي صرح فيها بسماعه من نافع - كما خرجه مسلم - ليس فيها شيء مما تفرد به سليمان بن موسى ، وسليمان مختلف في توثيقه . وخرج مسلم - أيضا - من رواية يحيى بن أبي كثير ، أخبرني أبو نضرة ، أن أبا سعيد أخبرهم ، أنهم سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوتر ، فقال : أوتروا قبل الصبح . وخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : قال : الوتر بليل . وخرجه ابن خزيمة والحاكم ، من حديث قتادة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له . وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم . وذهب طائفة إلى أن الوتر لا يفوت وقته حتى يصلي الصبح : فروي عن علي وابن مسعود ، وقال : الوتر ما بين الصلاتين . يريدان : صلاة العشاء وصلاة الفجر . وعن عائشة معنى ذلك . وممن روي عنه أنه أوتر بعد طلوع الفجر : عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وحذيفة وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة وفضالة بن عبيد وغيرهم . وقال أيوب وحميد الطويل : أكثر وترنا لبعد طلوع الفجر . وهو قول القاسم بن محمد وغيره . وذكر ابن عبد البر : أنه لا يعرف لهؤلاء الصحابة مخالف في قولهم ، قال : ويحتمل أن يكونوا قالوه فيمن نسيه أو نام عنه ، دون من تعمده . وممن ذهب إلى هذا : مالك ، والشافعي في القديم ، وأحمد في رواية عنه ، وإسحاق . وقد ذكرنا - فيما تقدم - حديث أبي بصرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : صلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر . وخرج الطبراني بإسناد ضعيف ، عن عقبة بن عامر وعمرو بن العاص كلاهما ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال - في صلاة الوتر - : هي لكم ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الشمس . وقد حكى يحيى بن آدم ، عن قوم ، أن الوتر لا يفوت وقته حتى تطلع الشمس . وظاهر هذا : أنه يوتر بعد صلاة الصبح ، ما لم تطلع الشمس ، وتكون أداء . وفي المسند ، عن علي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر عند الأذان . وقد سبق ذكره في الصلاة إذا أقيمت الصلاة . وفيه أيضا بإسناد فيه جهالة ، عن علي ، قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نوتر هذه الساعة ، ثم أمر المؤذن أن يؤذن أو يقيم . وخرّج الطبراني من حديث أبي ذر ، قال : أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالوتر بعد الفجر . وفي إسناده اختلاف . وروي مرسلا . والمرسل أصح عند أبي حاتم وأبي زرعة الرازيين . وروى ابن جريج : أخبرني زياد بن سعد ، أن أبا نهيك أخبره ، أن أبا الدرداء خطب ، فقال : من أدركه الصبح فلا وتر له ، فقالت عائشة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدركه الصبح فيوتر . خرّجه الطبراني . وخرّجه الإمام أحمد ، ولفظه : كان يدركه بصبح فيوتر . وأبو نهيك ليس بالمشهور ، ولا يدرى : هل سمع من عائشة ، أم لا ؟ وقد روي عن أبي الدرداء خلاف هذا . وخرّج الحاكم من رواية أبي قلابة ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، قال : ربما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يوتر ، وقد قام الناس لصلاة الصبح . وقال : صحيح الإسناد . وخرّج - أيضا - من رواية محمد بن فليح ، عن أبيه ، عن هلال بن علي ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا أصبح أحدكم ولم يوتر فليوتر . وقال : صحيح على شرطهما . والبخاري يخرج بهذا الإسناد كثيرا . وروى زهير بن معاوية ، عن خالد بن أبي كريمة ، عن معاوية بن قرة ، عن الأغر المزني ، أن رجلا قال : يا رسول الله ، أصبحت ولم أوتر ؟ فقالَ : إنما الوتر بليل - ثلاث مرات أو أربعة - ، ثُمَّ قالَ : قم فأوتر . وخرجه البزار مختصرا ، ولفظه : من أدركه الصبح ولم يوتر فلا وتر له . ورواه وكيع في كتابه عن خالد بن أبي كريمة ، عن معاوية بن قرة ، مرسلا . وهو أشبه . وروى وكيع ، عن الفضل بن دلهم ، عن الحسن ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله ، إلا أنه قال : عن الوتر حتى أصبحت . وفي المعنى أيضا عن أبي سعيد الخدري مرفوعا ، من وجهين ، لا يصح واحد منهما . وروى أيوب بن سويد ، عن عتبة بن أبي حكيم ، عن طلحة بن نافع ، عن ابن عباس ، أنه بات عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة ، فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فجعل يسلم من كل ركعتين ، فلما انفجر الفجر قام فأوتر بركعة ، ثم ركع ركعتي الفجر ، ثم اضطجع . خرّجه الطبراني وابن خزيمة في صحيحه . وحمله : إنما أوتر بعد طلوع الفجر الأول . ثم خرج من رواية عباد بن منصور ، عن عكرمة بن خالد ، عن ابن عباس ، أنه بات ليلة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث ، وفيه فذكر : فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان عليه من الليل ، مثنى مثنى ، ركعتين ركعتين ، فلما طلع الفجر الأول ، قام فصلى تسع ركعات ، يسلم في كل ركعتين ، وأوتر بواحدة ، وهي التاسعة ، ثم أمسك حتى إذا أضاء الفجر جدا قام فركع ركعتي الفجر ، ثم نام . قلت : وكلا الحديثين إسناد ضعيف . والله سبحانه وتعالى أعلم . وعلى تقدير صحة هذه الأحاديث ، أو شيء منها ، فقد تحمل على أن الوتر يقضى بعد ذهاب وقته ، وهو الليل ، لا على أن ما بعد الفجر وقت له . والمشهور عن أحمد : أن الوتر يقضى بعد طلوع الفجر ، ما لم يصل الفجر ، وإن كان لا يتطوع عنده في هذا الوقت بما لا سبب له ، وفيما له سبب عنه فيه خلاف ، فأما الوتر فإنه يقضى في هذا الوقت . ومن الأصحاب من يقول : لا خلاف عنه في ذلك ، منهم : ابن أبي موسى وغيره . وحكي للشافعي قول كذلك : أنه يقضي الوتر ما لم يصل الفجر . وقال أبو بكر - من أصحابنا - : يقضي ما لم تطلع الشمس . وهذا القول يرجع إلى أن الوتر يقضيه من نام عنه أو نسيه . وقد اختلف العلماء في قضاء الوتر إذا فات : فقالت طائفة : لا يقضى ، وهو قول أبي حنيفة ومالك ، ورواية عن أحمد وإسحاق ، وأحد قولي الشافعي . وحكاه أحمد عن أكثر العلماء . ويروى عن النخعي ، أنه لا يقضى بعد صلاة الفجر ، وعن الشعبي . وقالت طائفة : يقضى ، وهو قول الثوري والليث بن سعد ، والمشهور عن الشافعي ، ورواية عن أحمد . والصحيح عند أصحاب الشافعي : أن الخلاف في قضاء الوتر والسنن الرواتب سواء . ومنهم من قال : يقضي ما يستقل بنفسه كالوتر ، دون ما هو تبع كالسنن الرواتب . والمنصوص عن أحمد وإسحاق : أنه يقضي السنن الرواتب دون الوتر ، إذا صلى الفجر ولم يوتر . ونص عليه في رواية غير واحد من أصحابه . واستدل من قال : لا يقضي الوتر بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا نام أو شغله مرض أو غيره عن قيام الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة . خرجه مسلم من حديث عائشة . فدل على أنه كان يقضي التهجد دون الوتر . ويجاب عن هذا : بأنه يحتمل أنه كان إذا كان له عذر يوتر قبل أن ينام ، فلم يكن يفوته الوتر حينئذ . هذا في حال المرض ونحوه ظاهر ، وأما في حال غلبة النوم فيه نظر . وخرج النسائي حديث عائشة ، ولفظه : كان إذا لم يصل من الليل منعه من ذلك نوم غلبه عنه أو وجع ، صلى من النهار ثلاث عشرة ركعة . فإن كانت هذه الرواية محفوظة دلت على أنه كان يقضي الوتر . واستثنى إسحاق أن يكون نام عن الوتر وصلاة الفجر حتى طلعت الشمس ، فقال : يقضي الوتر ، ثم يصلي سنة الفجر ، ثم يصلي المفروضة . وقد ورد في هذا حديث ذكرناه في قضاء الصلوات . وخرجه النسائي من حديث محمد بن المنتشر ، عن أبيه ، أنه كان في منزل عمرو بن شرحبيل ، فأقيمت الصلاة ، فجعلوا ينتظرونه ، فجاء فقال : إني كنت أوتر ، وقال : سئل عبد الله : هل بعد الأذان وتر ؟ قالَ : نعم ، وبعد الإقامة ، وحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ نام عن الصَّلاة حتَّى طلعت الشمس ، ثُمَّ صلى . فإن كان مراده : أنه نام عن الوتر فذاك ، وإن كان مراده : أنه نام عن الفريضة ثم قضاها ، فيكون مراده إلحاق القضاء الوتر بالقياس . وكذا روي عن ابن عمر ، أنه قاس قضاء الوتر على قضاء الفرض . وأخذه بعضهم من عموم قوله : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها . خرجه مسلم ، وقد سبق في موضعه . فيدخل في عمومه الوتر . وجاء في حديث التصريح به ، من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا ذكره . خرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه . وخرجه الترمذي - أيضا - من رواية عبد الله بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : من نام عن وتره فيصله إذا أصبح . وقال : هذا أصح . وذكر : أن عبد الله بن زيد ثقة ، وأخاه عبد الرحمن ضعيف . ولكن خرجه أبو داود والحاكم من حديث أبي غسان محمد بن مطرف ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء ، عن أبي سعيد مرفوعًا . وقال الحاكم : صحيح على شرطهما . وخرجه الدارقطني من وجه آخر ، عن زيد ، كذلك . لكنه إسناد ضعيف . ورده بعضهم بأن أبا سعيد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أوتروا قبل أن تصبحوا ، وهذا يخالفه ، وليس كذلك ؛ فإن الأمر بالإيتار قبل الصبح أمر بالمبادرة إلى أدائه في وقته ، فإذا فات وخرج وقته ، ففي هذا أمر بقضائه ، فلا تنافي بينهما . وفي تقييد الأمر بالقضاء لمن نام أو نسيه يدل على أن العامد بخلاف ذلك ، وهذا متوجه ؛ فإن العامد قد رغب عن هذه السنة ، وفوتها في وقتها عمدًا ، فلا سبيل لهُ بعد ذَلِكَ إلى استدراكها ، بخلاف النائم والناسي . وممن روي عنه الأمر بقضاء الوتر من النهار : علي وابن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن والشعبي وحماد . وهو قول الشافعي في الصحيح عنه ، وأحمد في رواية . والأوزاعي ، إلا أنه قال : يقضيه نهارًا وبالليل ما لم يدخل وقت الوتر بصلاة العشاء الآخرة ، ولا يقضيه بعد ذلك ؛ لئلا يجتمع وتران في ليلة . وعن سعيد بن جبير ، قالَ : يقضيه من الليلة القابلة . وظاهر هذا : أنه لا يقضيه إلا ليلًا ؛ لأن وقته الليل ، فلا يفعل بالنهار . المسألة الثانية : في وقت أفضل الوتر . قد كان كثير من الصحابة يوتر من أول الليل ، منهم : أبو بكر الصديق ، وعثمان بن عفان ، وعائذ بن عمرو ، وأنس ، ورافع بن خديج ، وأبو هريرة ، وأبو ذر ، وأبو الدرداء . وهؤلاء الثلاثة أوصاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، فتمسكوا بوصيته . ومنهم من كان يفعل ذلك خشية من هجوم الموت في النوم ؛ فإنهم كانوا على نهاية من قصر الأمل . وذهب طائفة إلى أن الوتر قبل النوم أفضل ، وهو أحد الوجهين للشافعية . وهو مقتضى قول القاضي أبي يعلى من أصحابنا في كتابه شرح المذهب ، حيث ذكر أن وقت الوتر تابع لوقت العشاء ، وأنه يخرج وقته بخروج وقت العشاء المختار . وقال أبو حفص البرمكي من أصحابنا - في شهر رمضان خاصة لمن صلى التراويح خلف الإمام - : فإن الأفضل أن لا ينصرف المأموم حتى ينصرف إمامه . ونقل مهنا ، عن أحمد ، أنه كان يوتر قبل أن ينام ، وقال : هو أحوط ، وما يدريه ؟ لعله لا ينتبه . وهذا يدل على أن الأخذ بالاحتياط أفضل . وروى شهر بن حوشب ، عن ابن عباس ، قال : النوم على وتر خير . وقال عمر : الأكياس يوترون أول الليل ، والأقوياء يوترون آخر الليل . خرجهما وكيع . وقد سبق هذا المعنى مرفوعًا من وجوه . والكيس : هو الحذر الحازم المحتاط لنفسه ، الناظر إلى عواقب الأمور . وممن كان يقدم الوتر : ابن المسيب والشعبي . وكان كثير من السلف يوتر في آخر الليل ، منهم : عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وغيرهم . وروى وكيع ، عن الربيع بن صبيح ، عن ابن سيرين ، قال : ما يختلفون أن الوتر من آخر الليل أفضل . واستحبه النخعي ومالك والثوري وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنه وإسحاق ، إن قوي ووثق بنفسه القيام من آخر الليل ، فأما من ليس كذلك فالأفضل في حقه أن يوتر قبل النوم . وروي هذا المعنى عن عائشة . واستدلوا بما خرجه مسلم من حديث أبي سفيان ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله ، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل ، فإن صلاة آخر الليل مشهودة ، وذلك أفضل . وفي رواية له : محضورة . وخرجه - أيضا - من رواية أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه . وحمل بعض هؤلاء أحاديث الأمر بالوتر قبل النوم على من خاف أن لا يقوم آخر الليل . وهذا بعيد جدا في حق أولئك الصحابة ، الذين أمروا بالوتر قبل النوم ، مع ما عرف من شدة اجتهادهم ، وكثرة تهجدهم . ومنهم من حمله على بيان الجواز ، وعدم الكراهة . ومنهم من أشار إلى نسخه . وروى الإسماعيلي في مسند علي بإسناد مجهول ، عن السدي ، عن الربيع بن خثيم ، قال : خرج علينا علي حين يبلج الصبح ، فقال : إن جبريل أتى نبيكم - صلى الله عليه وسلم - ، فأمره أن يوتر أول الليل ، فأوتر كما أمره الله ، ثم أتاه فأمره أن يوتر وسطًا من الليل ، فأوتر كما أمره الله ، ثم أتاه فأمره أن يوتر هذه الساعة ، فقبض نبيكم صلى الله عليه وسلم وهو يوتر من هذه الساعة ، أين السائلون عن الوتر ، نعم ساعة الوتر . وحديث عائشة : أنه انتهى وتره إلى السحر قد يشعر بذلك ، وأنه ترك الوتر من أول الليل ووسطه ، واستقر عمله على الوتر من آخره ، وإنما كان ينتقل من الفاضل إلى الأفضل . وعلى هذا : فهل الأفضل الوتر إذا خشي طلوع الفجر ، كما دل عليه حديث ابن عمر ، وكان ابن عمر يفعل ذلك ، ويوتر من السحر . قال الثوري : كانوا يحبون أن يؤخروا الوتر إلى آخر الليل ، وقد بقي عليهم من الليل شيء . وقال إسحاق : كانوا يستحبون أن يوتروا آخر الليل ، وأن يوتروا وقد بقي من الليل نحو مما ذهب منه من صلاة المغرب ، واستدل بقول عائشة : فانتهى وتره إلى السحر . نقله عنه حرب . وروى وكيع في كتابه عن الأعمش ، عن إبراهيم ، أنه بات عند عبد الله بن مسعود ، فسئل : أي ساعة أوتر ؟ قالَ : إذا بقي من الليل مثل ما مضى إلى صلاة المغرب . وعن سفيان ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، نحوه . ومعنى ذلك : أنه يوتر وقد بقي من الليل قبل طلوع الفجر مقدار ما يصلي فيه صلاة المغرب ، بعد دخول الليل وغروب الشمس . والمراد : أنه لا يوتر إلا في ليل محقق بقاؤه . وهو معنى قول النخعي : الوتر بليل ، والسحور بليل . فجعل وقته كوقت السحور بل أشد ؛ فإنه قالَ : لأن يدركني الفجر وأنا أتسحر أحب إلي من أن يدركني وأنا أوتر . وكان علي بن أبي طالب يرخص في تأخير الوتر حتى ينشق الفجر ، وربما روي عنه أنه أفضل . وقد سبق عن طائفة من السلف نحوه . وهؤلاء ، منهم من رخص في تأخير السحور أيضا ، كما يأتي في موضعه إن شاء الله سبحانه وتعالى . ولأصحابنا وجه شاذ : أن الوتر في الليل كله ، سواء في الفضل .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ساعات الوتر · ص 9 41 - حدثنا عمر بن حفص ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا الأعمش ، قال : حدثني مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : كل الليل أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانتهى وتره إلى السحر . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأنه يدل على أن كل الليل ساعات الوتر ، وأولها من بعد صلاة العشاء ، وآخرها إلى طلوع الفجر الصادق . وقد روى أبو داود من حديث خارجة أن وقته ما بين العشاء وطلوع الفجر ، واستغربه الترمذي . ( ذكر رجاله ) : وهم ستة : الأول : عمر بن حفص النخعي الكوفي ، وقد تكرر ذكره . الثاني : أبوه حفص بن غياث بن طلق بن معاوية ، أبو عمرو النخعي الكوفي ، قاضيها . الثالث : سليمان الأعمش ، الرابع : مسلم بن صبيح ، أبو الضحى الكوفي . الخامس : مسروق بن عبد الرحمن ويقال : ابن الأجدع ، وهو لقب عبد الرحمن الكوفي . السادس عائشة : أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه أن رواته كلهم كوفيون . وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض ، وهم الأعمش ، ومسلم ، ومسروق . ( ذكر من أخرجه غيره ) : أخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأبي كريب ، كلاهما عن أبي معاوية ، عن الأعمش - به . وعن علي بن حجر ، وعن يحيى بن يحيى . وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن يونس ، عن أبي بكر بن عياش ، عن الأعمش - به . ( ذكر معناه ) : قوله : كل الليل - يجوز في كل الرفع ، والنصب ؛ أما الرفع فعلى أنه مبتدأ ، والجملة بعده خبره ، وأما النصب فعلى الظرفية ؛ لقوله : أوتر . والمراد منه أنه أوتر في جميع الليل ، أو في جميع ساعات الليل ، يعني : إما أن يراد به جزئيات الليل ، أو أجزاؤه . وفي رواية مسلم عن مسروق ، عن عائشة قالت : من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانتهى وتره إلى السحر . وله عن عائشة : من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول الليل ، وأوسطه وآخره ، فانتهى وتره إلى السحر . وله في رواية أخرى : قالت : كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانتهى وتره إلى آخر الليل . وفي رواية أبي داود عن مسروق قال : قلت لعائشة : متى كان يوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : كل ذلك قد فعل ، أوتر أول الليل ، وأوسطه وآخره ، ولكن انتهى وتره حين مات إلى السحر . انتهى . ( قلت ) : قد يكون أوتر من أوله لشكوى حصلت ، وفي وسطه لاستيقاظه إذ ذاك ، وآخره غاية له . ومعنى قوله : وانتهى وتره إلى السحر - أي كان آخر أمره صلى الله عليه وسلم أنه أخر الوتر إلى آخر الليل ، ويقال : فعله صلى الله عليه وسلم أول الليل ، وأوسطه بيان للجواز ، وتأخيره إلى آخر الليل تنبيه على الأفضل لمن يثق بالانتباه . وكان بعض السلف يوترون أول الليل ، منهم أبو بكر ، وعثمان ، وأبو هريرة ، ورافع بن خديج رضي الله تعالى عنهم . وبعضهم يوترون آخر الليل ، منهم عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وأبو الدرداء ، وابن عباس ، وابن عمر ، وغيرهم من التابعين . وأما أمره صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة بالوتر قبل النوم ، فهو اختيار منه له حين خشي عليه من استيلاء النوم ، فأمره بالأخذ بالثقة . والترغيب في الوتر في آخر الليل هو لمن قوي عليه ، ولم تكن عادته أن تغلبه عيناه . وعند ابن خزيمة من حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر : متى توتر ؟ قال : قبل أن أنام . وقال لعمر : متى توتر ؟ فقال : أنام ، ثم أوتر . فقال لأبي بكر : أخذت بالحزم ، أو بالوثيقة ، وقال لعمر : أخذت بالقوة . وقال الخطابي : حدثنا محمد بن هشام ، حدثنا الديري عن عبد الرزاق ، عن ابن جريج : أخبرني ابن شهاب عن ابن المسيب أن أبا بكر ، وعمر تذاكرا الوتر عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر : أما أنا ، فإني أنام على وتر ، فإن استيقظت صليت شفعا حتى الصباح . وقال عمر : لكني أنام على شفع ، ثم أوتر في السحر . فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي بكر : حذر هذا ، ولعمر : قوي هذا . وفي فوائد سمويه من حديث ابن عقيل عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر : أي حين توتر قال : أول الليل بعد العتمة . وقد ذكرنا الاختلاف في أول وقت الوتر وآخره في الباب الذي قبله .