باب ساعات الوتر
حدثنا عمر بن حفص ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا الأعمش ، قال : حدثني مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : كل الليل أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانتهى وتره إلى السحر . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأنه يدل على أن كل الليل ساعات الوتر ، وأولها من بعد صلاة العشاء ، وآخرها إلى طلوع الفجر الصادق . وقد روى أبو داود من حديث خارجة أن وقته ما بين العشاء وطلوع الفجر ، واستغربه الترمذي .
( ذكر رجاله ) : وهم ستة : الأول : عمر بن حفص النخعي الكوفي ، وقد تكرر ذكره . الثاني : أبوه حفص بن غياث بن طلق بن معاوية ، أبو عمرو النخعي الكوفي ، قاضيها . الثالث : سليمان الأعمش ، الرابع : مسلم بن صبيح ، أبو الضحى الكوفي .
الخامس : مسروق بن عبد الرحمن ويقال : ابن الأجدع ، وهو لقب عبد الرحمن الكوفي . السادس عائشة : أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه أن رواته كلهم كوفيون .
وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض ، وهم الأعمش ، ومسلم ، ومسروق . ( ذكر من أخرجه غيره ) : أخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأبي كريب ، كلاهما عن أبي معاوية ، عن الأعمش - به . وعن علي بن حجر ، وعن يحيى بن يحيى .
وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن يونس ، عن أبي بكر بن عياش ، عن الأعمش - به . ( ذكر معناه ) : قوله : كل الليل - يجوز في كل الرفع ، والنصب ؛ أما الرفع فعلى أنه مبتدأ ، والجملة بعده خبره ، وأما النصب فعلى الظرفية ؛ لقوله : أوتر . والمراد منه أنه أوتر في جميع الليل ، أو في جميع ساعات الليل ، يعني : إما أن يراد به جزئيات الليل ، أو أجزاؤه .
وفي رواية مسلم عن مسروق ، عن عائشة قالت : من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانتهى وتره إلى السحر . وله عن عائشة : من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول الليل ، وأوسطه وآخره ، فانتهى وتره إلى السحر . وله في رواية أخرى : قالت : كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانتهى وتره إلى آخر الليل .
وفي رواية أبي داود عن مسروق قال : قلت لعائشة : متى كان يوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : كل ذلك قد فعل ، أوتر أول الليل ، وأوسطه وآخره ، ولكن انتهى وتره حين مات إلى السحر . انتهى . ( قلت ) : قد يكون أوتر من أوله لشكوى حصلت ، وفي وسطه لاستيقاظه إذ ذاك ، وآخره غاية له .
ومعنى قوله : وانتهى وتره إلى السحر - أي كان آخر أمره صلى الله عليه وسلم أنه أخر الوتر إلى آخر الليل ، ويقال : فعله صلى الله عليه وسلم أول الليل ، وأوسطه بيان للجواز ، وتأخيره إلى آخر الليل تنبيه على الأفضل لمن يثق بالانتباه . وكان بعض السلف يوترون أول الليل ، منهم أبو بكر ، وعثمان ، وأبو هريرة ، ورافع بن خديج رضي الله تعالى عنهم . وبعضهم يوترون آخر الليل ، منهم عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وأبو الدرداء ، وابن عباس ، وابن عمر ، وغيرهم من التابعين .
وأما أمره صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة بالوتر قبل النوم ، فهو اختيار منه له حين خشي عليه من استيلاء النوم ، فأمره بالأخذ بالثقة . والترغيب في الوتر في آخر الليل هو لمن قوي عليه ، ولم تكن عادته أن تغلبه عيناه . وعند ابن خزيمة من حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر : متى توتر ؟ قال : قبل أن أنام .
وقال لعمر : متى توتر ؟ فقال : أنام ، ثم أوتر . فقال لأبي بكر : أخذت بالحزم ، أو بالوثيقة ، وقال لعمر : أخذت بالقوة . وقال الخطابي : حدثنا محمد بن هشام ، حدثنا الديري عن عبد الرزاق ، عن ابن جريج : أخبرني ابن شهاب عن ابن المسيب أن أبا بكر ، وعمر تذاكرا الوتر عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر : أما أنا ، فإني أنام على وتر ، فإن استيقظت صليت شفعا حتى الصباح .
وقال عمر : لكني أنام على شفع ، ثم أوتر في السحر . فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي بكر : حذر هذا ، ولعمر : قوي هذا . وفي فوائد سمويه من حديث ابن عقيل عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر : أي حين توتر قال : أول الليل بعد العتمة .
وقد ذكرنا الاختلاف في أول وقت الوتر وآخره في الباب الذي قبله .