1002 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَاصِمٌ ، قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ الْقُنُوتِ ، فَقَالَ : قَدْ كَانَ الْقُنُوتُ . قُلْتُ : قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ ؟ قَالَ : قَبْلَهُ . قَالَ : فَإِنَّ فُلَانًا أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ : بَعْدَ الرُّكُوعِ ، فَقَالَ : كَذَبَ ، إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا ، أُرَاهُ كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمْ : الْقُرَّاءُ زُهَاءَ سَبْعِينَ رَجُلًا إِلَى قَوْمٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ دُونَ أُولَئِكَ وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ ، فَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ . 1003 - أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زَائِدَةُ ، عَنْ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ ، عَنْ أَنَسِ ، قَالَ : قَنَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ ، وَعَاصِمٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ . قَوْلُهُ : ( قَدْ كَانَ الْقُنُوتُ ) ، فِيهِ إِثْبَاتُ مَشْرُوعِيَّتِهِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : فَإِنَّ فُلَانًا أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ ، فَقَالَ : كَذَبَ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ هَذَا الرَّجُلِ صَرِيحًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ بِدَلِيلِ رِوَايَتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، فَإِنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ : بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ كَثِيرًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَا قُنُوتَ قَبْلَهَ أَصْلًا ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : كَذَبَ ، أَيْ : أَخْطَأَ ، وَهُوَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ ، يُطْلِقُونَ الْكَذِبَ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : كَذَبَ أَيْ إِنْ كَانَ حَكَى أَنَّ الْقُنُوتَ دَائِمًا بَعْدَ الرُّكُوعِ ، وَهَذَا يُرَجِّحُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ ، وَيُبَيِّنُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقُنُوتِ فَقَالَ : قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ إِسْنَادُهُ قَوِيٌّ ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتُوا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ ، وَبَعْضَهُمْ بَعْدَ الرُّكُوعِ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ أَوَّلَ مَنْ جَعَلَ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ - أَيْ دَائِمًا - عُثْمَانُ ، لِكَيْ يُدْرِكَ النَّاسُ الرَّكْعَةَ ، وَقَدْ وَافَقَ عَاصِمًا عَلَى رِوَايَتِهِ هَذِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي بِلَفْظِ : سَأَلَ رَجُلٌ أَنَسًا عَنِ الْقُنُوتِ بَعْدَ الرُّكُوعِ أَوْ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقِرَاءَةِ ؟ قَالَ : لَا بَلْ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقِرَاءَةِ ، وَمَجْمُوعُ مَا جَاءَ عَنْ أَنَسٍ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقُنُوتَ لِلْحَاجَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ لَا خِلَافَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ، وَأَمَّا لِغَيْرِ الْحَاجَةِ فَالصَّحِيحُ عَنْهُ أَنَّهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ عَمَلُ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمُ : الْقُرَّاءُ ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْمَغَازِي ، وَكَذَا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي مِجْلَزٍ ، وَالتَّيْمِيُّ الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ سُلَيْمَانُ ، وَهُوَ يَرْوِي عَنْ أَنَسٍ نَفْسِهِ ، وَيُرْوَى عَنْهُ أَيْضًا بِوَاسِطَةٍ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْقُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ · ص 569 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب القنوت قبل الركوع وبعده · ص 271 الطريق الثاني : 1002 - ثنا مسدد ، ثنا عبد الواحد ، ثنا عاصم ، قال : سألت أنس بن مالك ، عن القنوت ؟ فقالَ : قد كانَ القنوت ، قلت : قبل الركوع أو بعده ؟ قال : قبله ، قلت : فإن فلانا أخبرني عنك ، أنك قلت : بعد الركوع ، فقال : كذب ، إنما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الركوع شهرا ، أراه كان بعث قوما ، يقال لهم : القراء ، زهاء سبعين رجلا إلى قوم من المشركين دون أولئك ، وكان بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - عهد ، فقنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا يدعو عليهم . وخرّجه - أيضا - في المغازي عن موسى بن إسماعيل ، عن عبد الواحد ، عن عاصم ، بأتم من هذا . وخرّجه في أواخر الجهاد من طريق ثابت بن يزيد ، عن عاصم : سألت أنسًا عن القنوت ، قال : قبل الركوع ، فقلت : إن فلانا يزعم أنك قلت : بعد الركوع ؟ قالَ : كذب ، ثُمَّ حدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قنت شهرًا بعد الركوع ، فذكره . وخرّجه في الأحكام من طريق عباد بن عباد ، عن عاصم ، وفي الدعاء من طريق أبي الأحوص ، عن عاصم مختصرًا ، في القنوت شهرًا ، ولم يذكر فيه : قبل . وخرجه مسلم من رواية أبي معاوية ، عن عاصم ، عن أنس ، قال : سألته عن القنوت قبل الركوع ، أو بعد الركوع ؟ فقالَ : قبل الركوع ، قلت : فإن ناسا يزعمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قنت بعد الركوع ؟ فقال : إنما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا ، يدعو على أناس قتلوا أناسا من أصحابه ، يقال لهم : القراء . وخرجه من طرق أخرى ، عن عاصم ، عن أنس - في قنوت النبي - صلى الله عليه وسلم - شهرا فقط . وليس في شيء من هذه الروايات : مداومة القنوت ، كما في رواية عبد الواحد بن زياد التي خرجها البخاري ، مع أنه لا دلالة فيها على ذلك - على تقدير أن تكون محفوظة - ؛ فإنه ليس فيها تصريح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هوَ الذي كانَ يقنت قبل الركوع ، فيحتمل أن يريد أن مدة قنوت النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت شهرا بعد الركوع ، وكان غيره من الخلفاء يقنت قبل الركوع ، ولعله يريد قنوت عمر ، لما كانَ يبعث الجيوش إلى بلاد الكفار ، فكان يقنت ويستغفر لهم . ولكن روى الطبراني ، عن الدبري ، عن عبد الرزاق ، عن أبي جعفر الرازي ، عن عاصم ، عن أنس ، قال : قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصبح يدعو على أحياء من أحياء العرب ، وكان قنوته قبل ذلك وبعده قبل الركوع . ولكن هذه الرواية شاذة منكرة ، لا يعرج عليها . وأبو جعفر الرازي ، اسمه : عيسى بن ماهان ، قد وثقه يحيى وغيره ؛ فإنه من أهل الصدق ولا يتعمد الكذب ، ولكنه سيئ الحفظ ؛ فلذلك نسبه ابن معين إلى الخطأ والغلط مع توثيقه له . وقال ابن المديني : هو يخلط مثل موسى بن عبيدة ، وقال أحمد والنسائي : ليس بالقوي في الحديث ، وقال أبو زرعة : يهم كثيرًا ، وقال الفلاس : فيه ضعف ، وهو من أهل الصدق سيئ الحفظ ، وقال ابن خراش : سيئ الحفظ صدوق ، وقال ابن حبان : ينفرد بالمناكير عن المشاهير . وقد روى أبو جعفر هذا ، عن الربيع بن أنس ، عن أنس ، قال : ما زال النبي - صلى الله عليه وسلم - يقنت حتى فارق الدنيا . خرجه الإمام أحمد وغيره . وهذا - أيضا - منكر . قال أبو بكر الأثرم : هو حديث ضعيف ، مخالف للأحاديث . يشير إلى أن ما ينفرد به أبو جعفر الرازي لا يحتج به ، ولا سيما إذا خالف الثقات . وقد تابعه عليه عمرو بن عبيد الكذاب المبتدع ، فرواه عن الحسن ، عن أنس بنحوه . وتابعه - أيضا - : إسماعيل بن مسلم المكي ، وهو مجمع على ضعفه ، فرواه عن الحسن ، عن أنس . وقد خرج حديثه البزار ، وبين ضعفه . وروي - أيضا - ذلك عن أنس من وجوه كثيرة ، لا يثبت منها شيء ، وبعضها موضوعة . وروى خليد بن دعلج ، عن قتادة ، عن أنس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قنت في صلاة الفجر بعد الركوع ، وأبو بكر وعمر وعثمان صدرا من خلافته ، ثم طلب إليه المهاجرون والأنصار تقديم القنوت قبل الركوع . خليد بن دعلج ، ضعيف ، لا يعتمد . وقد روى مصعب بن المقدام ، عن سفيان ، عن عاصم الأحول ، عن أنس ، قال : قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرًا قبل الركوع . وروى الحسن بن الربيع ، عن أبي الأحوص ، عن عاصم ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت شهرا في صلاة الفجر ، يدعو على خيبر . قال عاصم : سألت أنسًا عن القنوت ؟ قالَ : هوَ قبل الركوع . وهاتان الروايتان تدل على أن القنوت قبل الركوع كانَ شهرا ، بخلاف رواية عبد الواحد ، عن عاصم . وروى قيس بن الربيع ، عن عاصم ، قال : قلنا لأنس : إن قومًا يزعمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يقنت بالفجر ؟ قالَ : كذبوا ؛ إنما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا واحدًا ، يدعو على حي من أحياء المشركين . فهذه تعارض رواية أبي جعفر الرازي ، عن عاصم ، وتصرح بأن مدة القنوت كلها لم تزد على شهر . وليس قيس بن الربيع بدون أبي جعفر الرازي ، وإن كان قد تكلم فيه ؛ لسوء حفظه - أيضا - ، فقد أثنى عليهِ أكابر ، مثل : سفيان الثوري وابن عيينة وشريك وشعبة وأبي حصين . وأنكر شعبة على القطان كلامه فيه ، وأنكر ابن المبارك على وكيع كلامه فيه . وقال محمد الطنافسي : لم يكن قيس عندنا بدون سفيان ، إلا أنه استعمل ، فأقام على رجل حدًا ، فمات ، فطفئ أمره . وقال يعقوب بن شيبة : هو عند جميع أصحابنا صدوق وكتابه صالح ، إنما حفظه فيه شيء . وقال ابن عدي : رواياته مستقيمة ، وقد حدث عنه شعبة وغيره من الكبار ، والقول فيه ما قال شعبة : إنه لا بأس به . وقد توبع قيس على روايته هذه : فروى أبو حفص ابن شاهين : ثنا أحمد بن محمد بن سعيد - هو : ابن عقدة الحافظ - ، ثنا الحسن بن علي بن عفان ، ثنا عبد الحميد الحماني ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقنت إلا شهرًا واحدًا حتى مات . وابن عقدة ، حافظ كبير ، إنما أنكر عليه التدليس ، وقد صرح في هذا بالتحديث . وعبد الحميد الحماني ، وثقه ابن معين وغيره ، وخرج له البخاري . وخرج البيهقي من حديث قبيصة ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن أنس ، قال : إنما قنت النبي - صلى الله عليه وسلم - شهرًا ، فقلت : كيف القنوت ؟ قالَ : بعد الركوع . وهذه تخالف رواية من روى عنه القنوت قبل الركوع . وأما القنوت شهرا ، فقد سبق أن البخاري خرجه من رواية عباد بن عباد . وخرجه مسلم من رواية ابن عيينة ، وغير واحد ، كلهم عن عاصم . وهو المحفوظ عن سائر أصحاب أنس . فتبين بهذا : أن رواية عاصم الأحول عن أنس - في محل القنوت ، والإشعار بدوامه - مضطربة متناقضة . وعاصم نفسه ، قد تكلم فيه القطان ، وكان يستضعفه ، ولا يحدث عنه ، وقال : لم يكن بالحافظ . وقد حدث عاصم ، عن حميد بحديث ، فسئل حميد عنه ، فأنكره ولم يعرفه . وحينئذ ؛ فلا يقضى برواية عاصم ، عن أنس ، مع اضطرابها ، على روايات بقية أصحاب أنس ، بل الأمر بالعكس . وقد أنكر الأئمة على عاصم روايته عن أنس القنوت قبل الركوع : قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله - يعني : أحمد بن حنبل - : يقول أحد في حديث أنس : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت قبل الركوع غير عاصم الأحول ؟ قالَ : ما علمت أحدا يقوله غيره ، قالَ أبو عبد الله : خالفهم عاصم كلهم . يعني : خالف أصحاب أنس . ثم قال : هشام ، عن قتادة ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت بعد الركوع ، والتيمي ، عن أبي مجلز ، عن أنس ، وأيوب ، عن محمد : سألت أنسًا ، وحنظلة السدوسي ، عن أنس ، أربعة أوجه . وقال أبو بكر الخطيب في كتاب القنوت : أما حديث عاصم الأحول ، عن أنس ، فإنه تفرد بروايته ، وخالفه الكافة من أصحاب أنس ، فرووا عنه القنوت بعد الركوع ، والحكم للجماعة على الواحد . كذا قاله الخطيب في القنوت قبل الركوع ، فأما في دوام القنوت ، فإنه جعله أصلا اعتمد عليه ، ويقال له فيه كما قال هو في محل القنوت ، فيقال : إن أصحاب أنس إنما رووا عنه إطلاق القنوت أو تقييده بشهر ، ولم يرو عن أنس دوام القنوت من يوثق بحفظه . وأما القنوت قبل الركوع ، فقد رواه عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، كما خرج البخاري عنه من طريقه في السير ، وسنذكره - إن شاء الله سبحانه وتعالى . وقد حمل بعض العلماء المتأخرين حديث عاصم ، عن أنس ، في القنوت قبل الركوع على أن المراد به : إطالة القيام ، كما في الحديث : أفضل الصلاة طول القنوت . والمراد : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يطيل القيام قبل الركوع للقراءة ، وإنما أطال القيام بعد الركوع شهرا حيث دعا على من قتل القراء ، ثم تركه . وقد صح عن ابن عمر مثل ذلك . وروى ابن أبي شيبة : ثنا ابن نمير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان لا يقنت في الفجر ، ولا في الوتر ، وكان إذا سئل عن القنوت ، قال : ما نعلم القنوت إلا طول القيام وقراءة القرآن . ورواه يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله أيضا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب القنوت قبل الركوع وبعده · ص 18 47 - حدثنا مسدد ، قال : حدثنا عبد الواحد ، قال : حدثنا عاصم ، قال : سألت أنس بن مالك عن القنوت ، فقال : قد كان القنوت . قلت : قبل الركوع ؟ أو بعده ؟ قال : قبله . قال : فإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت : بعد الركوع . فقال : كذب ؛ إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا . أراه كان بعث قوما يقال لهم : القراء ، زهاء سبعين رجلا إلى قوم من المشركين دون أولئك ، وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ، فقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو عليهم . مطابقته للجزء الأول للترجمة ، وهو في قوله : قال قبله أي قبل الركوع . ( ذكر رجاله ) : وهم أربعة : الأول مسدد . الثاني عبد الواحد بن زياد ، مر في باب وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا الثالث : عاصم بن سليمان الأحول ، الرابع : أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه السؤال ، وفيه القول في تسعة مواضع ، وفيه أن رجاله كلهم بصريون ، وهو من الرباعيات . ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن موسى بن إسماعيل ، وفي الجنائز عن عمرو بن علي ، وفي الجزية عن أبي النعمان محمد بن الفضل ، وفي الدعوات عن الحسن بن الربيع عن أبي الأحوص . وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر ، وأبي كريب ، كلاهما عن أبي معاوية ، وعن ابن أبي عمر ، عن ابن عيينة . ( ذكر معناه ) : قوله : سألت أنس بن مالك عن القنوت ، مراده من هذا السؤال أن يبين له محل القنوت ، ولهذا قال : قلت : قبل الركوع ؟ أو بعده ، أي بعد الركوع ؟ فظن أنس أنه كان يسأل عن مشروعية القنوت ، فلذلك قال : قد كان القنوت ، يعني : كان مشروعا . قوله : قلت : فإن فلانا ، ويروى قال : فإن فلانا - لم يعلم من هو هذا الفلان . قيل : يحتمل أن يكون محمد بن سيرين ؛ لأن في الحديث السابق سأل محمد بن سيرين أنسا ، فقال : أوقنت قبل الركوع ؟ قوله : قال : كذب أي قال أنس : كذب فلان ! قال الكرماني : ( فإن قلت ) : فما قول الشافعية حيث يقنتون بعد الركوع متمسكين بحديث أنس المذكور ، وقد قال الأصوليون : إذا كذب الأصل الفرع لا يعمل بذلك الحديث ، ولا يحتج به ؟ ( قلت ) : لم يكذب أنس محمد بن سيرين ، بل كذب فلانا الذي ذكره عاصم ، ولعله غير محمد . انتهى . ( قلت ) : قد تعسف الكرماني في هذا التصرف ، بل معنى قوله : كذب أي أخطأ ، وهي لغة أهل الحجاز ، يطلقون الكذب على ما هو الأعم من العمد ، والخطأ . وقال ابن الأثير في ( النهاية ) : ومنه حديث ( صلاة الوتر ، كذب أبو محمد ) أي أخطأ ، سماه كذبا ؛ لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب كما أن الكذب ضد الصدق ، وإن افترقا من حيث النية ، والقصد ؛ لأن الكاذب يعلم أن ما يقوله كذب ، والمخطئ لا يعلم . وهذا الرجل ليس بمخبر ، وإنما قاله باجتهاد أداه إلى أن الوتر واجب ، والاجتهاد لا يدخله الكذب ، وإنما يدخله الخطأ . وأبو محمد صحابي ، واسمه مسعود بن زيد . وقال الذهبي : مسعود بن زيد بن سبيع اسم أبي محمد الأنصاري القائل بوجوب الوتر . قوله : إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا ، كلمة إنما للحصر . ويستفاد منه أن قنوته بعد الركوع كان محصورا على الشهر ، والمفهوم منه أنه لم يقنت بعد الركوع إلا شهرا ثم تركه . وتعسف الكرماني لتمشية مذهبه ، وأخرج الكلام عن معناه الحقيقي حيث قال : معناه أنه لم يقنت إلا شهرا في جميع الصلوات بعد الركوع ، بل في الصبح فقط ؛ حتى لا يلزم التناقض بين كلاميه ، ويكون جمعا بينهما . انتهى . ( قلت ) : لا نسلم التناقض ؛ لأن قنوت النبي صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا كان على قوم من المشركين على ما يجيء إن شاء الله ، ثم تركه ، والترك يدل على النسخ . قوله : أراه كان ، أي قال أنس رضي الله تعالى عنه : أظن أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان بعث قوما يقال لهم : القراء . وهم طائفة كانوا من أوزاع الناس ، نزلوا صفة يتعلمون القرآن ، بعثهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أهل نجد ليدعوهم إلى الإسلام ، وليقرؤوا عليهم القرآن . فلما نزلوا بئر معونة قصدهم عامر بن الطفيل في أحياء وهم رعل ، وذكوان ، وعصية ، وقاتلوهم ، فقتلوهم ، ولم ينج منهم إلا كعب بن زيد الأنصاري . وكان ذلك في السنة الرابعة من الهجرة ، وأغرب مكحول حيث قال : إنها كانت بعد الخندق . وقال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، يعني : بعد أحد بقية شوال ، وذي القعدة ، وذي الحجة ، والمحرم ، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد . قال موسى بن عقبة : وكان أمير القوم المنذر بن عمرو ، ويقال : مرثد بن أبي مرثد . وقال ابن سعد : قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر الكلابي ملاعب الأسنة ، وفي شعر لبيد ملاعب الرماح ، فأهدى للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فلم يقبل منه . وعرض عليه الإسلام ، ولم يسلم ، ولم يبعد من الإسلام . وقال : يا محمد ، لو بعثت معي رجالا من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن يستجيبوا لك . فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : إني أخشى عليهم أهل نجد ! قال : أنا لهم جار إن تعرض لهم أحد ! فبعث معه القراء ، وهم سبعون رجلا ، وفي مسند السراج : أربعون ، وفي المعجم : ثلاثون : ستة وعشرون من الأنصار ، وأربعة من المهاجرين . وكانوا يسمون القراء ، يصلون بالليل حتى إذا تقارب الصبح احتطبوا الحطب ، واستعذبوا الماء فوضعوه على أبواب حجر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . فبعثهم جميعا ، وأمر عليهم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المعروف بالمعتق ليموت ، أي يقدم على الموت . فساروا حتى نزلوا بئر معونة بالنون ، فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل ، فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله . ثم اجتمع عليه قبائل من سليم : عصية ، وذكوان ، ورعل . فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ، ثم قاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد ، فإنهم تركوه وبه رمق . فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا . وكان في القوم عمرو بن أمية الضمري ، فأخذ أسيرا . فلما أخبرهم أنهم من مضر أخذه عامر بن الطفيل ، فجز ناصيته ، وأعتقه . فبلغ ذلك أبا براء ، فشق عليه ذلك ، فحمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل فطعنه بالرمح فوقع في فخذه ، ووقع عن فرسه . قوله : زهاء ، بضم الزاي ، وتخفيف الهاء ، وبالمد ، أي مقدار سبعين رجلا . قوله : دون أولئك ، يعني : غير الذين دعا عليهم ، وكان بين المدعو عليهم وبينه عهد ، فغدروا وقتلوا القراء ، فدعا عليهم . قوله : شهرا ، أي في شهر ؛ فافهم ! . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه التصريح عن أنس رضي الله تعالى عنه أن القنوت قبل الركوع ، وأنه حين سأله عاصم قال : قبل الركوع . وأنكر على من نقل عنه أنه بعد الركوع ، ونسبه إلى الكذب ، وقال : لم يقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع إلا في شهر واحد يدعو على قتلة القراء المذكورين . ( فإن قلت ) : حديث أنس المذكور في الباب في مطلق الصلاة ، ويدل عليه ما روى عاصم أيضا عن أنس أنه قال : سألت أنسا عن القنوت في الصلاة ، أي مطلق الصلاة . والمراد منه جميع الصلوات الفرض ، ويدل عليه حديث ابن عباس أنه قال : قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا في الظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، والصبح ، في دبر كل صلاة إذا قال : سمع الله لمن حمده ، في الركعة الأخيرة . رواه أبو داود في سننه ، والحاكم في مستدركه ، وقال : صحيح على شرط البخاري . وليس في حديث أنس ما يدل على أنه قنت في الوتر . ( قلت ) : روى ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر ، فيقنت قبل الركوع . وروى الترمذي من حديث أبي الحوراء بالحاء المهملة ، واسمه ربيعة بن شيبان قال : قال الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر : اللهم اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شر ما قضيت ؛ فإنك تقضي ، ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، تباركت ربنا وتعاليت ! وقال الترمذي : لا نعرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القنوت شيئا أحسن من هذا . ورواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه أيضا ، وروى الدارقطني من رواية سويد بن غفلة عن علي رضي الله تعالى عنه قال : قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الوتر . ( فإن قلت ) : وفي إسناده عمرو بن شمر الجعفي أحد الكذابين الوضاعين . ( قلت ) : قال الترمذي : وفي الباب عن علي رضي الله تعالى عنه ، ولم يرد هذا ، وإنما أراد ، والله أعلم ، ما رواه هو في الدعوات ، وبقية أصحاب السنن من رواية عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن علي بن أبي طالب ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره : اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ! . ورواه الحاكم في مستدركه ، وقال : صحيح الإسناد . وروى النسائي كما روى ابن ماجه من حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر فيقنت قبل الركوع ) . وروى ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يقنت في الوتر قبل الركوع . ورواه الدارقطني بلفظ : بت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنظر كيف يقنت في وتره ! فقنت قبل الركوع . ثم بعثت أمي أم عبد فقلت : بيتي مع نسائه ، فانظري كيف يقنت في وتره ، فأتتني ، فأخبرتني أنه قنت قبل الركوع . وروى محمد بن نصر المروزي بإسناده إلى سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعة الأولى من الوتر بسبح اسم ربك الأعلى ، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون ، وفي الثالثة بقل هو الله أحد ، ويقنت . قال محمد بن نصر في رواية أخرى : زاد بعد قوله : ويقنت قبل الركوع . والحديث عند النسائي من طرق ، وليس في شيء من طرقه ذكر القنوت ، وقال الترمذي : واختلف أهل العلم في القنوت في الوتر ؛ فرأى عبد الله بن مسعود القنوت في الوتر في السنة كلها ، واختار القنوت قبل الركوع . وهو قول بعض أهل العلم ، وبه يقول سفيان الثوري ، وابن المبارك ، وإسحاق . انتهى . وروى ابن أبي شيبة في ( المصنف ) من رواية الأسود عنه أنه كان يختار القنوت في الوتر في السنة كلها قبل الركوع ، وروى أيضا من رواية علقمة أن ابن مسعود ، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع . ورواه محمد بن نصر عن ابن مسعود ، وعمر أيضا من رواية عبد الرحمن بن أبزى . ورواه أيضا ابن أبي شيبة ، ومحمد بن نصر من رواية الأسود عن عمر . وحكاه ابن المنذر عنهما ، وعن علي ، وأبي موسى الأشعري ، والبراء بن عازب ، وابن عمر ، وابن عباس ، وعمر بن عبد العزيز ، وعبيدة السلماني وحميد الطويل ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنهم . وروى السراج : حدثنا أبو كريب ، حدثنا محمد بن بشر عن العلاء بن صالح ، حدثنا زيد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه سأله عن القنوت في الوتر ، فقال : حدثنا البراء بن عازب قال : سنة ماضية . وفي ( المصنف ) : وقال إبراهيم : كانوا يقولون : القنوت بعد ما فرغ من القراءة في الوتر ، وكان سعيد بن جبير يفعله . حدثنا وكيع ، عن هارون بن أبي إبراهيم ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن عباس - أنه كان يقول في قنوت الوتر : لك الحمد ملء السماوات السبع . وحدثنا وكيع ، عن الحسن بن صالح ، عن منصور ، عن شيخ يكنى أبا محمد - أن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما كان يقول في قنوت الوتر : اللهم إنك ترى ، ولا ترى ، وأنت بالمنظر الأعلى ، وأن إليك الرجعى ، وأن لك الآخرة والأولى ! اللهم إنا نعوذ بك من أن نذل ونخزى . وهذا الذي ذكرناه كله يدل على أن لا قنوت في شيء من الصلوات المكتوبة ، إنما القنوت في الوتر قبل الركوع .