حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب القنوت قبل الركوع وبعده

حدثنا مسدد ، قال : حدثنا عبد الواحد ، قال : حدثنا عاصم ، قال : سألت أنس بن مالك عن القنوت ، فقال : قد كان القنوت . قلت : قبل الركوع ؟ أو بعده ؟ قال : قبله . قال : فإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت : بعد الركوع .

فقال : كذب ؛ إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا . أراه كان بعث قوما يقال لهم : القراء ، زهاء سبعين رجلا إلى قوم من المشركين دون أولئك ، وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ، فقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو عليهم . مطابقته للجزء الأول للترجمة ، وهو في قوله : قال قبله أي قبل الركوع .

( ذكر رجاله ) : وهم أربعة : الأول مسدد . الثاني عبد الواحد بن زياد ، مر في باب وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا الثالث : عاصم بن سليمان الأحول ، الرابع : أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه السؤال ، وفيه القول في تسعة مواضع ، وفيه أن رجاله كلهم بصريون ، وهو من الرباعيات .

( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن موسى بن إسماعيل ، وفي الجنائز عن عمرو بن علي ، وفي الجزية عن أبي النعمان محمد بن الفضل ، وفي الدعوات عن الحسن بن الربيع عن أبي الأحوص . وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر ، وأبي كريب ، كلاهما عن أبي معاوية ، وعن ابن أبي عمر ، عن ابن عيينة . ( ذكر معناه ) : قوله : سألت أنس بن مالك عن القنوت ، مراده من هذا السؤال أن يبين له محل القنوت ، ولهذا قال : قلت : قبل الركوع ؟ أو بعده ، أي بعد الركوع ؟ فظن أنس أنه كان يسأل عن مشروعية القنوت ، فلذلك قال : قد كان القنوت ، يعني : كان مشروعا .

قوله : قلت : فإن فلانا ، ويروى قال : فإن فلانا - لم يعلم من هو هذا الفلان . قيل : يحتمل أن يكون محمد بن سيرين ؛ لأن في الحديث السابق سأل محمد بن سيرين أنسا ، فقال : أوقنت قبل الركوع ؟ قوله : قال : كذب أي قال أنس : كذب فلان ! قال الكرماني : ( فإن قلت ) : فما قول الشافعية حيث يقنتون بعد الركوع متمسكين بحديث أنس المذكور ، وقد قال الأصوليون : إذا كذب الأصل الفرع لا يعمل بذلك الحديث ، ولا يحتج به ؟ ( قلت ) : لم يكذب أنس محمد بن سيرين ، بل كذب فلانا الذي ذكره عاصم ، ولعله غير محمد . انتهى .

( قلت ) : قد تعسف الكرماني في هذا التصرف ، بل معنى قوله : كذب أي أخطأ ، وهي لغة أهل الحجاز ، يطلقون الكذب على ما هو الأعم من العمد ، والخطأ . وقال ابن الأثير في ( النهاية ) : ومنه حديث ( صلاة الوتر ، كذب أبو محمد ) أي أخطأ ، سماه كذبا ؛ لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب كما أن الكذب ضد الصدق ، وإن افترقا من حيث النية ، والقصد ؛ لأن الكاذب يعلم أن ما يقوله كذب ، والمخطئ لا يعلم . وهذا الرجل ليس بمخبر ، وإنما قاله باجتهاد أداه إلى أن الوتر واجب ، والاجتهاد لا يدخله الكذب ، وإنما يدخله الخطأ .

وأبو محمد صحابي ، واسمه مسعود بن زيد . وقال الذهبي : مسعود بن زيد بن سبيع اسم أبي محمد الأنصاري القائل بوجوب الوتر . قوله : إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا ، كلمة إنما للحصر .

ويستفاد منه أن قنوته بعد الركوع كان محصورا على الشهر ، والمفهوم منه أنه لم يقنت بعد الركوع إلا شهرا ثم تركه . وتعسف الكرماني لتمشية مذهبه ، وأخرج الكلام عن معناه الحقيقي حيث قال : معناه أنه لم يقنت إلا شهرا في جميع الصلوات بعد الركوع ، بل في الصبح فقط ؛ حتى لا يلزم التناقض بين كلاميه ، ويكون جمعا بينهما . انتهى .

( قلت ) : لا نسلم التناقض ؛ لأن قنوت النبي صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا كان على قوم من المشركين على ما يجيء إن شاء الله ، ثم تركه ، والترك يدل على النسخ . قوله : أراه كان ، أي قال أنس رضي الله تعالى عنه : أظن أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان بعث قوما يقال لهم : القراء . وهم طائفة كانوا من أوزاع الناس ، نزلوا صفة يتعلمون القرآن ، بعثهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أهل نجد ليدعوهم إلى الإسلام ، وليقرؤوا عليهم القرآن .

فلما نزلوا بئر معونة قصدهم عامر بن الطفيل في أحياء وهم رعل ، وذكوان ، وعصية ، وقاتلوهم ، فقتلوهم ، ولم ينج منهم إلا كعب بن زيد الأنصاري . وكان ذلك في السنة الرابعة من الهجرة ، وأغرب مكحول حيث قال : إنها كانت بعد الخندق . وقال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، يعني : بعد أحد بقية شوال ، وذي القعدة ، وذي الحجة ، والمحرم ، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد .

قال موسى بن عقبة : وكان أمير القوم المنذر بن عمرو ، ويقال : مرثد بن أبي مرثد . وقال ابن سعد : قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر الكلابي ملاعب الأسنة ، وفي شعر لبيد ملاعب الرماح ، فأهدى للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فلم يقبل منه . وعرض عليه الإسلام ، ولم يسلم ، ولم يبعد من الإسلام .

وقال : يا محمد ، لو بعثت معي رجالا من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن يستجيبوا لك . فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : إني أخشى عليهم أهل نجد ! قال : أنا لهم جار إن تعرض لهم أحد ! فبعث معه القراء ، وهم سبعون رجلا ، وفي مسند السراج : أربعون ، وفي المعجم : ثلاثون : ستة وعشرون من الأنصار ، وأربعة من المهاجرين . وكانوا يسمون القراء ، يصلون بالليل حتى إذا تقارب الصبح احتطبوا الحطب ، واستعذبوا الماء فوضعوه على أبواب حجر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم .

فبعثهم جميعا ، وأمر عليهم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المعروف بالمعتق ليموت ، أي يقدم على الموت . فساروا حتى نزلوا بئر معونة بالنون ، فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل ، فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله . ثم اجتمع عليه قبائل من سليم : عصية ، وذكوان ، ورعل .

فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ، ثم قاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد ، فإنهم تركوه وبه رمق . فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا . وكان في القوم عمرو بن أمية الضمري ، فأخذ أسيرا .

فلما أخبرهم أنهم من مضر أخذه عامر بن الطفيل ، فجز ناصيته ، وأعتقه . فبلغ ذلك أبا براء ، فشق عليه ذلك ، فحمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل فطعنه بالرمح فوقع في فخذه ، ووقع عن فرسه . قوله : زهاء ، بضم الزاي ، وتخفيف الهاء ، وبالمد ، أي مقدار سبعين رجلا .

قوله : دون أولئك ، يعني : غير الذين دعا عليهم ، وكان بين المدعو عليهم وبينه عهد ، فغدروا وقتلوا القراء ، فدعا عليهم . قوله : شهرا ، أي في شهر ؛ فافهم ! . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه التصريح عن أنس رضي الله تعالى عنه أن القنوت قبل الركوع ، وأنه حين سأله عاصم قال : قبل الركوع .

وأنكر على من نقل عنه أنه بعد الركوع ، ونسبه إلى الكذب ، وقال : لم يقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع إلا في شهر واحد يدعو على قتلة القراء المذكورين . ( فإن قلت ) : حديث أنس المذكور في الباب في مطلق الصلاة ، ويدل عليه ما روى عاصم أيضا عن أنس أنه قال : سألت أنسا عن القنوت في الصلاة ، أي مطلق الصلاة . والمراد منه جميع الصلوات الفرض ، ويدل عليه حديث ابن عباس أنه قال : قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا في الظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، والصبح ، في دبر كل صلاة إذا قال : سمع الله لمن حمده ، في الركعة الأخيرة .

رواه أبو داود في سننه ، والحاكم في مستدركه ، وقال : صحيح على شرط البخاري . وليس في حديث أنس ما يدل على أنه قنت في الوتر . ( قلت ) : روى ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر ، فيقنت قبل الركوع .

وروى الترمذي من حديث أبي الحوراء بالحاء المهملة ، واسمه ربيعة بن شيبان قال : قال الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر : اللهم اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شر ما قضيت ؛ فإنك تقضي ، ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، تباركت ربنا وتعاليت ! وقال الترمذي : لا نعرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القنوت شيئا أحسن من هذا . ورواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه أيضا ، وروى الدارقطني من رواية سويد بن غفلة عن علي رضي الله تعالى عنه قال : قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الوتر . ( فإن قلت ) : وفي إسناده عمرو بن شمر الجعفي أحد الكذابين الوضاعين .

( قلت ) : قال الترمذي : وفي الباب عن علي رضي الله تعالى عنه ، ولم يرد هذا ، وإنما أراد ، والله أعلم ، ما رواه هو في الدعوات ، وبقية أصحاب السنن من رواية عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن علي بن أبي طالب ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره : اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ! . ورواه الحاكم في مستدركه ، وقال : صحيح الإسناد . وروى النسائي كما روى ابن ماجه من حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر فيقنت قبل الركوع ) .

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يقنت في الوتر قبل الركوع . ورواه الدارقطني بلفظ : بت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنظر كيف يقنت في وتره ! فقنت قبل الركوع . ثم بعثت أمي أم عبد فقلت : بيتي مع نسائه ، فانظري كيف يقنت في وتره ، فأتتني ، فأخبرتني أنه قنت قبل الركوع .

وروى محمد بن نصر المروزي بإسناده إلى سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعة الأولى من الوتر ب﴿سبح اسم ربك الأعلى ، وفي الثانية ب﴿قل يا أيها الكافرون ، وفي الثالثة ب﴿قل هو الله أحد ، ويقنت . قال محمد بن نصر في رواية أخرى : زاد بعد قوله : ويقنت قبل الركوع . والحديث عند النسائي من طرق ، وليس في شيء من طرقه ذكر القنوت ، وقال الترمذي : واختلف أهل العلم في القنوت في الوتر ؛ فرأى عبد الله بن مسعود القنوت في الوتر في السنة كلها ، واختار القنوت قبل الركوع .

وهو قول بعض أهل العلم ، وبه يقول سفيان الثوري ، وابن المبارك ، وإسحاق . انتهى . وروى ابن أبي شيبة في ( المصنف ) من رواية الأسود عنه أنه كان يختار القنوت في الوتر في السنة كلها قبل الركوع ، وروى أيضا من رواية علقمة أن ابن مسعود ، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع .

ورواه محمد بن نصر عن ابن مسعود ، وعمر أيضا من رواية عبد الرحمن بن أبزى . ورواه أيضا ابن أبي شيبة ، ومحمد بن نصر من رواية الأسود عن عمر . وحكاه ابن المنذر عنهما ، وعن علي ، وأبي موسى الأشعري ، والبراء بن عازب ، وابن عمر ، وابن عباس ، وعمر بن عبد العزيز ، وعبيدة السلماني وحميد الطويل ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنهم .

وروى السراج : حدثنا أبو كريب ، حدثنا محمد بن بشر عن العلاء بن صالح ، حدثنا زيد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه سأله عن القنوت في الوتر ، فقال : حدثنا البراء بن عازب قال : سنة ماضية . وفي ( المصنف ) : وقال إبراهيم : كانوا يقولون : القنوت بعد ما فرغ من القراءة في الوتر ، وكان سعيد بن جبير يفعله . حدثنا وكيع ، عن هارون بن أبي إبراهيم ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن عباس - أنه كان يقول في قنوت الوتر : لك الحمد ملء السماوات السبع .

وحدثنا وكيع ، عن الحسن بن صالح ، عن منصور ، عن شيخ يكنى أبا محمد - أن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما كان يقول في قنوت الوتر : اللهم إنك ترى ، ولا ترى ، وأنت بالمنظر الأعلى ، وأن إليك الرجعى ، وأن لك الآخرة والأولى ! اللهم إنا نعوذ بك من أن نذل ونخزى . وهذا الذي ذكرناه كله يدل على أن لا قنوت في شيء من الصلوات المكتوبة ، إنما القنوت في الوتر قبل الركوع .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث