باب القنوت قبل الركوع وبعده
حدثنا مسدد ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن محمد ، قال : سئل أنس : أقنت النبي صلى الله عليه وسلم في الصبح ؟ قال : نعم . فقيل له : أوقنت قبل الركوع ؟ قال : قنت بعد الركوع يسيرا . مطابقته للترجمة في قوله : بعد الركوع يسيرا وهو الجزء الثاني للترجمة .
ورجاله كلهم قد ذكروا غير مرة ، وأيوب هو السختياني . وفي بعض النسخ : عن أيوب ، عن ابن سيرين . قوله : سئل أنس ، وفي رواية إسماعيل عن أيوب عند مسلم : قلت لأنس .
قوله : أقنت ؟ الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار . قوله : فقيل له : أوقنت ؟ ، وفي رواية الكشميهني بغير واو . وفي رواية الإسماعيلي : هل قنت ؟ قوله : بعد الركوع يسيرا ، قال الكرماني : أي زمانا يسيرا ، أي قليلا ، وهو بعد الاعتدال التام .
وقال الطرقي : أراد يسيرا من الزمان لا يسيرا من القنوت ؛ لأن أدنى القيام يسمى قنوتا ، فاستحال أن يوصف بالحقارة . وقال بعضهم : قد بين عاصم في روايته مقدار هذا اليسير حيث قال فيها : إنما قنت بعد الركوع شهرا . ( قلت ) : رواية عاصم رواها البخاري على ما يجيء عن قريب ، ورواها أيضا مسلم في صحيحه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو كريب قالا : حدثنا أبو معاوية ، عن عاصم ، عن أنس قال : سألت عن القنوت بعد الركوع ، أو قبل الركوع ، فقال : قبل الركوع .
قال : قلت : فإن ناسا يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع ! فقال : إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على أناس قتلوا أناسا من أصحابه يقال لهم : القراء . انتهى . فهذا صريح بأن المراد من قوله : يسيرا ، يعني : شهرا ، وهو يرد على الكرماني فيما قاله .
ثم اعلم أن هذا الحديث روي عن أنس من وجوه خلاف ذلك ؛ فروى إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عنه أنه قال : قنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاثين صباحا يدعو على رعل ، وذكوان ، وعصية . وروى قتادة عنه نحوا من ذلك ، وروى عنه حميد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قنت عشرين يوما . وروى عنه عاصم أنه قنت شهرا ، وأنه قبل الركوع ، وقد ذكرناه الآن عن مسلم .
فهؤلاء كلهم أخبروا عن أنس خلاف ما رواه محمد بن سيرين عنه ، فلم يجز لأحد أن يحتج في حديث أنس بأحد الوجهين بما روي عنه ؛ لأن لخصمه أن يحتج عليه بما روي عنه مما يخالف ذلك . وأصرح من ذلك كله ما رواه أبو داود عن أنس ، فقال : حدثنا أبو الوليد ، حدثنا حماد بن سلمة عن أنس بن سيرين ، عن أنس بن مالك - أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قنت شهرا ثم تركه . فقوله : ثم تركه - يدل على أن القنوت في الفرائض كان ثم نسخ .
( فإن قلت ) : قال الخطابي : معنى قوله : ثم تركه أي ترك الدعاء على هؤلاء القبائل ، وهي رعل ، وذكوان ، وعصية ، أو ترك القنوت في الصلوات الأربع ، ولم يتركه في صلاة الصبح - ( قلت ) : هذا كلام متحكم متعصب بلا توجيه ، ولا دليل ؛ فإن الضمير في تركه يرجع إلى القنوت الذي يدل عليه لفظ قنت ، وهو عام يتناول جميع القنوت الذي كان في الصلوات . وتخصيص الفجر من بينهما بلا دليل من اللفظ يدل عليه باطل . وقوله : أي ترك الدعاء - غير صحيح ؛ لأن الدعاء لم يمض ذكره ، ولئن سلمنا ، فالدعاء هو عين القنوت ، وما ثم شيء غيره ؛ فيكون قد ترك القنوت ، والترك بعد العمل نسخ .
وقد اختلف العلماء هل القنوت قبل الركوع ، أو بعده ؛ فمذهب أبي حنيفة أنه قبل الركوع ، وحكاه ابن المنذر ، عن عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وأبي موسى الأشعري ، والبراء بن عازب ، وابن عمر ، وابن عباس ، وأنس ، وعمر بن عبد العزيز ، وعبيدة السلماني وحميد الطويل ، وابن أبي ليلى . وبه قال مالك ، وإسحاق ، وابن المبارك . وصحيح مذهب الشافعي بعد الركوع ، وحكاه ابن المنذر ، عن أبي بكر الصديق ، وعمر ، وعثمان ، وعلي في قول ، وحكي أيضا التخيير قبل الركوع ، وبعده عن أنس ، وأيوب بن أبي تميمة ، وأحمد بن حنبل .