باب الوتر في السفر
حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به ، يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض ، ويوتر على راحلته . مطابقته للترجمة في قوله : ويوتر على راحلته . ( ذكر رجاله ) : وهم أربعة : الأول موسى بن إسماعيل ، أبو سلمة المنقري التبوذكي .
الثاني جويرية ، تصغير جارية بالجيم - ابن أسماء ، بفتح الهمزة ، وبالمد على وزن حمراء ، مر في كتاب الغسل في باب الجنب يتوضأ . الثالث نافع مولى ابن عمر ، الرابع عبد الله بن عمر بن الخطاب . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه بصري ، وشيخ شيخه أيضا ، والثالث مدني ، وهو من الرباعيات ، وهو من أفراد البخاري .
( ذكر معناه ) : قوله : على راحلته الراحلة الناقة التي تصلح لأن ترحل ، وكذلك الرحول . ويقال : الراحلة : المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى ، قاله الجوهري . وقال ابن الأثير : الراحلة من الإبل البعير القوي على الأسفار ، والأحمال ، والذكر والأنثى فيه سواء ، والهاء فيها للمبالغة .
وهي التي يختارها الرجل لمركبه ، ورحله على النجابة ، وتمام الخلق وحسن المنظر ، فإذا كانت في جماعة الإبل عرفت . قوله : يومئ جملة فعلية مضارعية وقعت حالا ، وإيماء منصوب على المصدرية . قوله : صلاة الليل منصوب لأنه مفعول لقوله : يصلي .
قوله : إلا الفرائض استثناء منقطع ، أي لكن الفرائض لم تكن تصلى على الراحلة . ولا يجوز أن يكون الاستثناء متصلا ؛ لأنه ليس المراد استثناء فريضة الليل فقط ؛ إذ لا تصلى فريضة أصلا على الراحلة ليلية ، أو نهارية . قوله : ويوتر - عطف على قوله : يصلي .
أراد أنه بعد فراغه من صلاة الليل يوتر على راحلته . ( ذكر ما يستفاد منه ) : وهو على وجوه : الأول : احتج به قوم على جواز صلاة الوتر على الراحلة في السفر ، ومنعه آخرون . وقد مر الكلام فيه مستقصى في الباب السابق .
الثاني : تجوز صلاة النفل على الراحلة بالإيماء في السفر حيث توجهت به دابته . وفي التلويح : واختلفوا في الصلاة على الدابة في السفر الذي لا تقصر في مثله الصلاة ؛ فقال جماعة : يصلي في قصير السفر وطويله . وعن مالك : لا يصلي أحد على دابته في سفر لا تقصر في مثله الصلاة .
وقال القدوري : ومن كان خارج المصر يتنفل على دابته . وقال صاحب الهداية : والتقييد بخارج المصر ينفي اشتراط السفر ؛ لأنه أعم من أن يكون سفرا ، أو غير سفر . وروي عن أبي حنيفة ، وأبي يوسف أن جواز التطوع على الدابة للمسافر خاصة .
والصحيح أن المسافر ، وغيره سواء بعد أن يكون خارج المصر . واختلفوا في مقدار البعد عن المصر ، والمذكور في الأصل مقدار فرسخين ، أو ثلاثة ، وقدر بعضهم بالميل ، ومنع الجواز في أقل منه ، وعند الشافعي : يجوز في طويل السفر وقصيره . الثالث : لا تجوز صلاة الفرض على الدابة بلا ضرورة ، وفي ( خلاصة الفتاوى ) : أما صلاة الفرض على الدابة بالعذر فجائزة .
ومن الأعذار المطر ، عن محمد : إذا كان الرجل في السفر ، فأمطرت السماء ، فلم يجد مكانا يابسا ينزل للصلاة - فإنه يقف على الدابة مستقبل القبلة ، ويصلي بالإيماء إذا أمكنه إيقاف الدابة . فإن لم يمكنه يصلي مستدبر القبلة ، وهذا إذا كان الطين بحال يغيب وجهه فيه . وإلا صلى هناك .
ومن الأعذار اللص ، والمرض ، وكونه شيخا كبيرا لا يجد من يركبه إذا نزل ، والخوف من السبع . وفي المحيط : تجوز الصلاة على الدابة في هذه الأحوال ، ولا تلزمه الإعادة بعد زوال العذر ، وحكم السنن الرواتب كحكم التطوع . وعن أبي حنيفة أنه ينزل لسنة الفجر ، ولهذا لا يجوز فعلها قاعدا عنده ؛ لكونها واجبة عنده في رواية .
وعن الشافعي ، وأحمد أنها آكد من الوتر . الرابع : قال بعضهم : واستدل بحديث الباب على أن الوتر ليس بفرض ، وعلى أنه ليس من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وجوب الوتر عليه . ( قلت ) : نحن أيضا نقول : إنه ليس بفرض ، ولكنه واجب للدلائل التي ذكرناها .
ومن لم يفرق بين الفرض ، والواجب ، فقد صادم اللغة ، والمعنى اللغوي مراعى في المعنى الشرعي . وقد مر في حديث أبي قتادة التصريح بالوجوب ، وفي موطأ مالك أنه بلغه أن ابن عمر سئل عن الوتر : أواجب هو ؟ فقال عبد الله : قد أوتر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون . وفيه دلالة ظاهرة على وجوبه ؛ إذ كلامه يدل على أنه صار سبيلا للمسلمين ، فمن تركه فقد دخل في قوله تعالى : وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ .
وقول هذا القائل ، وعلى أنه ليس من خصائص النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وجوب الوتر عليه - معناه ، واستدل أيضا على أن الوتر ليس من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم . وقد قال ابن عقيل : صح أنه كان واجبا عليه . وقول القرافي في ( الذخيرة ) : الوتر في السفر ليس واجبا عليه ، وصلاته إياه على الراحلة كانت في السفر قول بغير استناد إلى سنة صحيحة ولا ضعيفة .
وقال ابن الجوزي : لا نعلم في تخصيص النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالوجوب حديثا صحيحا . ( قلت ) : عدم علمه لا يستلزم نفي علم غيره ، ولكن نقول : الحديث الذي ورد به من رواية الحاكم في مسنده أبو جناب يحيى بن أبي حية ، وهو ضعيف مدلس . ( قلت ) : أبو جناب ، بفتح الجيم ، والنون ، وبعد الألف باء موحدة ، وأبو حية ، بفتح الحاء المهملة ، وتشديد الياء آخر الحروف الكلبي الكوفي يروي عن ابن عمر ، روى عنه ابنه يحيى بن أبي حية .