حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الوتر على الدابة

حدثنا إسماعيل ، قال : حدثني مالك ، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، عن سعيد بن يسار - أنه قال : كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريق مكة ، فقال سعيد : فلما خشيت الصبح نزلت ، فأوترت ، ثم لحقته . فقال عبد الله بن عمر : أين كنت ؟ فقلت : خشيت الصبح ، فنزلت ، فأوترت . فقال عبد الله : أليس لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ؟ فقلت : بلى والله .

قال : فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وهي في قوله : كان يوتر على البعير ، وهو بين حكم الترجمة ؛ لأنها كانت مبهمة . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة : الأول إسماعيل بن أبي أويس ، واسم أبي أويس عبد الله ، وهو ابن أخت مالك بن أنس ، وقد مر غير مرة .

الثاني مالك بن أنس . الثالث أبو بكر بن عمر ، لا يعرف اسمه ، وقال ابن حبان : ثقة ، وقال أبو حاتم : لا بأس به ، لا يسمى . الرابع سعيد بن يسار ضد اليمين ، أبو الحباب ، بضم الحاء المهملة ، وتخفيف الباء الأولى ، من علماء المدينة ، مات سنة سبع عشرة ، ومائة .

الخامس عبد الله بن عمر بن الخطاب . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في خمسة مواضع ، وفيه أن رواته كلهم مدنيون ، وفيه أن أبا بكر ليس له في البخاري غير هذا الحديث ، وكذلك في ( صحيح مسلم ) ، وفيه أن أبا بكر قيل فيه : إنه ابن عباس بن عبد الرحمن بإسقاط عمر بينهما ، والصحيح إثباته . ( ذكر من أخرجه غيره ) : أخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه الترمذي ، والنسائي جميعا فيه عن قتيبة ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أحمد بن سنان ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن مالك .

( ذكر معناه ) : قوله : خشيت الصبح أي طلوعه . قوله : أسوة بكسر الهمزة ، وضمها معناه الاقتداء . قوله : حسنة بالرفع صفة للأسوة .

قوله : بلى والله تأكيد للأمر الذي أراده . قوله : على البعير البعير الجمل الباذل ، وقيل : الجذع ، وقد تكون للأنثى . وحكي عن بعض العرب : شربت من لبن بعيري ، وصرعتني بعير لي .

وفي الجامع : البعير بمنزلة الإنسان يجمع المذكر والمؤنث من الناس ، إذا رأيت جملا على البعد قلت : هذا بعير . فإذا استثبته قلت : جمل ، أو ناقة . وتجمع على أبعرة ، وأباعر ، وأباعير ، وبعران ، وبعران .

( فإن قلت ) : الترجمة بالدابة ، وفي الحديث لفظ البعير – ( قلت ) : ترجم بها تنبيها على أن لا فرق بينها وبين البعير في الحكم ، والجامع بينهما أن الفرض لا يجزي على واحدة منهما . ( ذكر ما يستفاد منه ) : احتج به عطاء ، وابن أبي رباح ، والحسن البصري وسالم بن عبد الله ، ونافع مولى ابن عمر ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق - على أن للمسافر أن يصلي الوتر على دابته . وقال ابن أبي شيبة في مصنفه : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه صلى على راحلته ، فأوتر عليها ، وقال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر على راحلته .

ويروى ذلك عن علي ، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم . وكان مالك يقول : لا يصلي على الراحلة إلا في سفر يقصر فيه الصلاة ، وقال الأوزاعي ، والشافعي : قصير السفر وطويله في ذلك سواء ، يصلي على راحلته . وقال ابن حزم في ( المحلى ) : ويوتر المرء قائما وقاعدا لغير عذر إن شاء ، وعلى دابته .

وقال محمد بن سيرين ، عن عروة بن الزبير ، وإبراهيم النخعي ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد : لا يجوز الوتر إلا على الأرض كما في الفرائض . ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله في رواية ذكرها ابن أبي شيبة في مصنفه ، وقال الثوري : صل الفرض ، والوتر بالأرض ، وإن أوترت على راحلتك ، فلا بأس . واحتج أهل المقالة الثانية بما رواه الطحاوي ، حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا حنظلة بن أبي سفيان ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه كان يصلي على راحلته ، ويوتر بالأرض ، ويزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يفعل .

وهذا إسناد صحيح ، وهو خلاف حديث الباب . وروى الطحاوي أيضا عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن عثمان بن عمر ، وبكر بن بكار ، كلاهما عن عمر بن ذر ، عن مجاهد - أن ابن عمر كان يصلي في السفر على بعيره أينما توجه به ، فإذا كان في السفر نزل ، فأوتر . رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ، حدثنا هشيم ، قال : حدثنا حصين ، عن مجاهد قال : صحبت ابن عمر من المدينة إلى مكة ، فكان يصلي على دابته حيث توجهت به .

فإذا كانت الفريضة نزل فصلى . وأخرجه أحمد في مسنده من حديث سعيد بن جبير أن ابن عمر كان يصلي على راحلته تطوعا ، فإذا أراد أن يوتر نزل ، فأوتر على الأرض . وحديث حنظلة بن أبي سفيان يدل على شيئين : أحدهما فعل ابن عمر أنه كان يوتر بالأرض ، والآخر أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعل كذلك .

وحديث الباب كذلك يدل على الشيئين المذكورين ، فلا يتم الاستدلال للطائفتين بهذين الحديثين ، غير أن لأهل المقالة الثانية أن يقولوا : إن ابن عمر يحتمل أنه كان لا يرى بوجوب الوتر ، وكان الوتر عنده كسائر التطوعات ، فيجوز فعله على الدابة ، وعلى الأرض ؛ لأن صلاته إياه على الأرض لا ينفي أن يكون له أن يصلي على الراحلة . وأما إيتاره صلى الله تعالى عليه وسلم على الراحلة فيجوز أن يكون ذلك قبل أن يغلظ أمر الوتر ، ثم أحكم من بعد ، ولم يرخص في تركه ، فالتحق بالواجبات في هذا الأمر بالأحاديث التي ذكرناها عن جماعة من الصحابة في الباب السابق . ووجه النظر ، والقياس أيضا ، يقتضي عدم جوازه على الراحلة ، بيان ذلك أن الأصل المتفق عدم جواز صلاة الرجل وتره على الأرض قاعدا ، وهو يقدر على القيام ، فالنظر على ذلك أن لا يصليه في السفر على راحلته ، وهو يطيق النزول .

قال الطحاوي : فمن هذه الجهة عندي ثبت نسخ الوتر على الراحلة . ( فإن قلت ) : ما حقيقة النسخ في ذلك ؟ وما وجهه ؟ قلت : وجه ذلك أن يكون بدلالة التاريخ ، وهو أن يكون أحد النصين موجبا للمنع ، والآخر موجبا للإباحة ؛ فإن التعارض بين الحديثين المذكورين ظاهر ، ثم ينتفي ذلك بدلالة التاريخ ، وهو أن يكون النص الموجب للمنع متأخرا عن الموجب للإباحة ، فكان الأخذ به أولى وأحق . ( فإن قلت ) : كيف يكون النسخ بما ذكرت ، وقد صح عن ابن عمر أنه كان يوتر على راحلته بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ويقول : كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يفعل ذلك ؟ ( قلت ) : قد قلنا : إنه كان يجوز أن يكون الوتر عنده كالتطوع ، فحينئذ يكون له الخيار في الصلاة على الراحلة ، وعلى الأرض كما في التطوع .

على أن مجاهدا قد روى عنه أنه كان ينزل للوتر على ما ذكرنا ؛ فعلى هذا يجوز أن يكون ما فعله من وتره على الراحلة قبل علمه بالنسخ ، ثم لما علمه رجع إليه وترك الوتر على الراحلة . وبهذا التقرير الذي ذكرناه بطل ما قاله ابن بطال : هذا الحديث أي حديث الباب حجة على أبي حنيفة في إيجابه الوتر ؛ لأنه لا خلاف أنه لا يجوز أن يصلي الواجب راكبا في غير حال العذر ، ولو كان الوتر واجبا ما صلاه راكبا . وكذلك بطل ما قاله الكرماني .

( فإن قيل ) : روى مجاهد أن ابن عمر نزل ، فأوتر . ( قلنا ) : نزل طلبا للأفضل ، لا أن ذلك كان واجبا . وبطل أيضا ما قاله بعضهم : إن هذا الحديث يدل على كون الوتر نفلا ، فيا للعجب من هؤلاء كيف تركوا الأحاديث الدالة على وجوب الوتر وتركوا الإنصاف ، وسلكوا طريق التعسف ؛ لترويج ما ذهبوا إليه من غير برهان قاطع ؟

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث