باب ليجعل آخر صلاته وترا
حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله ، قال : حدثني نافع ، عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن الترجمة مأخوذة منه . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ويحيى بن سعيد القطان ، وعبيد الله بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم .
والحديث أخرجه مسلم أيضا في الصلاة عن زهير بن حرب ، ومحمد بن المثنى ، وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل . وفي روايته بعد قوله : وترا ، فإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يأمر بذلك . ويستفاد منه حكمان : الأول استحباب تأخير الوتر ، وقد مر الكلام فيه .
والثاني : فيه الدلالة على وجوب الوتر . واختلف العلماء فيه ؛ فقال القاضي أبو الطيب : إن العلماء كافة قالت : إنه سنة ، حتى أبو يوسف ، ومحمد . وقال أبو حنيفة وحده : هو واجب ، وليس بفرض .
وقال أبو حامد في تعليقه : الوتر سنة مؤكدة ليس بفرض ، ولا واجب . وبه قالت الأئمة كلها إلا أبا حنيفة . وقال بعضهم : وقد استدل بهذا الحديث بعض من قال بوجوبه وتعقب بأن صلاة الليل ليست واجبة إلى آخره ، وبأن الأصل عدم الوجوب حتى يقوم دليله .
وقال الكرماني أيضا ما يشبه هذا . ( قلت ) : هذا كله من آثار التعصب ، فكيف يقول القاضي أبو الطيب ، وأبو حامد وهما إمامان مشهوران بهذا الكلام الذي ليس بصحيح ، ولا قريب من الصحة ، وأبو حنيفة لم ينفرد بذلك ؛ هذا القاضي أبو بكر بن العربي ذكر عن سحنون ، وأصبغ بن الفرج وجوبه وحكى ابن حزم أن مالكا قال : من تركه أدب ، وكانت جرحة في شهادته . وحكاه ابن قدامة في ( المغني ) عن أحمد .
وفي ( المصنف ) عن مجاهد بسند صحيح : هو واجب ، ولم يكتب . وعن ابن عمر بسند صحيح : ما أحب أني تركت الوتر ، وأن لي حمر النعم . وحكى ابن بطال وجوبه عن أهل القرآن عن ابن مسعود وحذيفة ، وإبراهيم النخعي ، وعن يوسف بن خالد السمتي شيخ الشافعي - وجوبه .
وحكاه ابن أبي شيبة أيضا عن سعيد بن المسيب ، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، والضحاك . انتهى . فإذا كان الأمر كذلك كيف يجوز لأبي الطيب ولأبي حامد أن يدعيا هذه الدعوى الباطلة ؟ فهذا يدل على عدم اطلاعهما فيما ذكرنا ، فجهل الشخص بالشيء لا ينفي علم غيره به ! .
وقول من ادعى التعقب بأن صلاة الليل ليست بواجبة إلى آخره قول واه ؛ لأن الدلائل قامت على وجوب الوتر ، منها ما رواه أبو داود ، حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا أبو إسحاق الطالقاني ، حدثنا الفضل بن موسى ، عن عبيد الله بن عبد الله العتكي ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : الوتر حق ؛ فمن لم يوتر ، فليس منا ! الوتر حق ؛ فمن لم يوتر ، فليس منا ! الوتر حق ؛ فمن لم يوتر ، فليس منا . وهذا حديث صحيح ، ولهذا أخرجه الحاكم في مستدركه وصححه . ( فإن قلت ) : في إسناده أبو المنيب عبيد الله بن عبد الله ، وقد تكلم فيه البخاري ، وغيره – ( قلت ) : قال الحاكم : وثقه ابن معين ، وقال ابن أبي حاتم : سمعت أبي يقول : هو صالح الحديث ، وأنكر على البخاري إدخاله في الضعفاء .
فهذا ابن معين إمام هذا الشأن ، وكفى به حجة في توثيقه إياه . ( فإن قلت ) : قال الخطابي : قد دلت الأخبار الصحيحة على أنه لم يرد بالحق الوجوب الذي لا يسع غيره ، منها خبر عبادة بن الصامت لما بلغه أن أبا محمد رجلا من الأنصار يقول : الوتر حق ، فقال : كذب أبو محمد ! ثم روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في عدد الصلوات الخمس . ومنها خبر طلحة بن عبيد الله في سؤال الأعرابي ، ومنها خبر أنس بن مالك في فرض الصلوات ليلة الإسراء .
( قلت ) : سبحان الله ! ما أقرب هذا الكلام إلى السقوط ؛ فمنه يشم أثر التعصب ، وكيف لا يكون واجبا ، والشارع يقول : الوتر حق ، أي واجب ثابت ؟ والدليل على هذا المعنى قوله : فمن لم يوتر ، فليس منا ! ، وهذا وعيد شديد ، ولا يقال مثل هذا إلا في حق تارك فرض ، أو واجب ، ولا سيما وقد تأكد ذلك بالتكرار ثلاث مرات . ومثل هذا الكلام بهذه التأكيدات لم يأت في حق السنن . فسقط بذلك ما قاله الخطابي .
وسقط أيضا قوله : الأصل عدم الوجوب حتى يقوم دليله . فهذا القائل وقف على دليله ، ولكن اتبع هواه لغيره ؛ فالحق أحق أن يتبع . والجواب عن خبر عبادة أنه إنما كذب الرجل في قوله : كوجوب الصلاة ، ولم يقل أحد : إن الوتر واجب كوجوب الصلاة .
( فإن قلت ) : قال النجم النسفي صاحب المنظومة : والوتر فرض وبدا بذكره في فجره فساد فرض فجره قلت : معناه : فرض عملا ، سنة سببا ، واجب علما . وأما خبر طلحة بن عبيد الله ، فكأنه قبل وجوب الوتر ، بدليل أنه لم يذكر فيه الحج ، فدل على أنه متقدم على وجوب الحج . ولفظة ( زادكم صلاة ) - مشعرة بتأخر وجوب الوتر .
وأما خبر أنس ، فلا نزاع فيه أنه كان قبل الوجوب . ومن الدليل على وجوبه ما رواه أبو داود ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا عيسى عن زكريا ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم ، عن علي رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : يا أهل القرآن ، أوتروا ؛ فإن الله وتر يحب الوتر . وأخرجه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وقال الترمذي : حديث حسن .
وقوله : أوتروا - أمر ، وهو للوجوب . ( فإن قلت ) : قال الخطابي : تخصيصه أهل القرآن بالأمر فيه يدل على أن الوتر غير واجب ، ولو كان واجبا لكان عاما ، وأهل القرآن في عرف الناس هم القراء ، والحفاظ دون العوام - ( قلت ) : أهل القرآن بحسب اللغة يتناول كل من معه شيء من القرآن ، ولو كان آية ، فيدخل فيه الحفاظ ، وغيرهم على أن القرآن كان في زمنه صلى الله تعالى عليه وسلم مفرقا بين الصحابة . وبهذا التأويل الفاسد لا يبطل مقتضى الأمر الدال على الوجوب ، ولا سيما تأكد الأمر بالوتر بمحبة الله إياه بقوله : فإن الله وتر يحب الوتر .
ومنها ما أخرجه الطحاوي ، قال : حدثنا يونس ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : حدثنا ابن لهيعة ، والليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الله بن راشد ، عن عبد الله بن أبي مرة ، عن خارجة بن حذافة العدوي - أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله قد أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم ، ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر ، الوتر الوتر ! مرتين . وهذا سند صحيح . ( فإن قلت ) : كيف تقول : صحيح ، وفيه ابن لهيعة ، وفيه مقال ؟ ( قلت ) : ذكر ابن لهيعة في هذا وعدم ذكره سواء ، والعمدة على الليث بن سعد ؛ ولهذا أخرجه الترمذي ، ولم يذكر ابن لهيعة ، فقال : حدثنا قتيبة ، قال : حدثنا الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الله بن راشد الزرقي ، عن خارجة بن حذافة قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن الله أمدكم بصلاة ، هي خير لكم من حمر النعم ، الوتر ! جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر .
وقال أبو عيسى : حديث خارجة بن حذافة حديث غريب ، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب . وقد وهم بعض المحدثين في هذا الحديث ، فقال : عبد الله بن راشد الزرقي ، وهو وهم . وأخرجه الحاكم في مستدركه ، وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه لتفرد التابعي من الصحابي .
( قلت ) : كأنه يشير إلى أن خارجة تفرد عنه ابن أبي مرة ، وليس كذلك ؛ فإن أبا عبيد الله محمد بن الربيع الجيزي في كتاب الصحابة تأليفه روى عنه أيضا عبد الرحمن بن جبير ، قال : ولم يرو عنه غير أهل مصر . وقال أبو زيد في كتاب الأسرار : هو حديث مشهور . ولما أخرجه أبو داود سكت عنه ، ومن عادته إذا سكت عن حديث أخرجه يدل على صحته عنده ، ورضاه به .
( فإن قلت ) : أعل ابن الجوزي في التحقيق هذا الحديث بعبد الله بن راشد ، ونقل عن الدارقطني أنه ضعفه . وقال البخاري : لا نعرف لإسناد هذا الحديث سماع بعضهم من بعض – ( قلت ) : عبد الله بن راشد وثقه ابن حبان ، والحاكم . والدارقطني أخرج حديثه هذا ، ولم يتعرض إليه بشيء ، وإنما تعرض للحديث الذي أخرجه عن ابن عباس ، فقال : حدثنا الحسين بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن خلف ، حدثنا أبو يحيى الحماني عبد الحميد ، حدثنا النضر أبو عمر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم يرى البشر والسرور في وجهه ، فقال : إن الله أمدكم بصلاة ، وهي الوتر .
النضر أبو عمر الخراز ضعيف ، وهذا الحديث مما يقوي حديث خارجة المذكور ، ويزيده قوة في صحته . ( فإن قلت ) : قال الخطابي : قوله : أمدكم بصلاة - يدل على أنها غير لازمة لهم ، ولو كانت واجبة لخرج الكلام فيه على صيغة لفظ الإلزام ، فيقول : ألزمكم ، أو فرض عليكم ، أو نحو ذلك . وقد روي أيضا في الحديث : إن الله قد زادكم صلاة لم تكونوا تصلونها قبل ذلك على تلك الصورة ، والهيئة ، وهي الوتر .
( قلت ) : لا نسلم أن قوله : أمدكم بصلاة يدل على أنها غير لازمة ، بل يدل على أنها لازمة ، وذلك لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم نسب ذلك إلى الله تعالى ، فلا يكون ذلك إلا واجبا . وتعيين العبارة ليس بشرط في الوجوب . قوله : ومعناه الزيادة في النوافل - غير صحيح ؛ لأن الزيادة عن الله تعالى لا تكون نفلا ، وإنما يكون ذلك إذا كان من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بشرط عدم المواظبة .
ومنها حديث أبي بصرة ، بفتح الباء الموحدة ، وسكون الصاد المهملة ، واسمه حميل بن بصرة ، بضم الحاء المهملة ، وفتح الميم ، وقيل : جميل ، بفتح الجيم ، وكسر الميم . قال الترمذي : لا يصح . قال الطحاوي : حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا أبو عبد الرحمن المقري ، حدثنا ابن لهيعة - أن أبا تميم عبد الله بن مالك الجيشاني أخبره أنه سمع عمرو بن العاص يقول : أخبرني رجل من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله قد زادكم صلاة فصلوها فيما بين العشاء إلى صلاة الصبح ، الوتر .
ألا وإنه أبو بصرة الغفاري . قال أبو تميم : فكنت أنا وأبو ذر قاعدين . الحديث .
وأخرج الطبراني أيضا في الكبير نحوه ، وعبد الله بن لهيعة ثقة عند أحمد ، والطحاوي . ومنها حديث أبي هريرة أخرجه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لم يوتر ، فليس منا . ومنها حديث عبد الله بن عمر ، وأخرجه أحمد أيضا من رواية عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله زادكم صلاة ، فحافظوا عليها ، وهي الوتر .
فقال عمرو بن شعيب : نرى أن يعاد الوتر ، ولو بعد شهر . ومنها حديث بريدة ، أخرجه أبو داود ، وقد ذكرناه . ومنها حديث ابن عباس ، أخرجه الدارقطني بإسناده عنه ، وقد ذكرناه .
ومنها حديث عائشة ، أخرجه أبو زيد الدبوسي في كتاب الأسرار أنها قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم : أوتروا يا أهل القرآن ، فمن لم يوتر ، فليس منا . ومنها حديث أبي سعيد الخدري ، أخرجه الحاكم في مستدركه بإسناده إلى أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من نام عن وتر ، أو نسيه ، فليصله إذا أصبح ، أو ذكره . قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .
ونقل تصحيحه ابن الحصار أيضا عن شيخه ، وأخرجه الترمذي . ومنها حديث عبد الله بن مسعود ، أخرجه ابن ماجه من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الله وتر يحب الوتر ، فأوتروا يا أهل القرآن . فقال أعرابي : ما تقول ؟ فقال : ليس لك ولأصحابك .
وأخرجه أبو داود أيضا . ومنها حديث معاذ بن جبل ، أخرجه أحمد في مسنده من رواية عبيد الله بن زحر عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قاضي إفريقية أن معاذ بن جبل قدم الشام ، وأهل الشام لا يوترون ، فقال : وواجب ذلك عليهم ؟ قال : نعم ؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : زادني ربي عز وجل صلاة ، وهي الوتر فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر . ( قلت ) : عبيد الله بن زحر ضعيف جدا ، ومعاوية لم يتأمر في حياة معاذ رضي الله عنه .
ومنها حديث أبي برزة ، أخرجه أبو عمر في الاستذكار عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الوتر حق ، فمن لم يوتر ، فليس منا . ومنها حديث أبي أيوب الأنصاري ، أخرجه الدارقطني في سننه بإسناده إليه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : الوتر حق واجب . الحديث .
ومنها حديث سليمان بن صرد ، أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناده إليه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : استاكوا ، وتنظفوا ، وأوتروا ؛ فإن الله وتر يحب الوتر . وفي سنده إسماعيل بن عمرو ، وثقه ابن حبان ، وضعفه الدارقطني . ومنها حديث عقبة بن عامر ، وعمرو بن العاص ، فأخرجهما الطبراني في الكبير ، والأوسط بإسناده إليهما عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله زادكم صلاة هي خير لكم من حمر النعم ، الوتر ، وهي فيما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر .
ومنها حديث عبد الله بن أبي أوفى ، أخرجه البيهقي في ( الخلافيات ) من رواية أحمد بن مصعب ، حدثنا الفضل بن موسى ، حدثنا أبو حنيفة عن أبي يعفور عن عبد الله بن أبي أوفى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله زادكم صلاة ، وهي الوتر .