6 - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَوِّفُ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالْكُسُوفِ قَالَ أَبُو مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1048 - - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهما عِبَادَهُ . وقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ الْوَارِثِ وَشُعْبَةُ وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ : يُخَوِّفُ بِهما عِبَادَهُ . وَتَابَعَهُ أَشْعَثُ عَنْ الْحَسَنِ . وَتَابَعَهُ مُوسَى عَنْ مُبَارَكٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يُخَوِّفُ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالْكُسُوفِ ، قَالَهُ أَبُو مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) سَيَأْتِي حَدِيثُهُ مَوْصُولًا بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ يُونُسَ وَفِيهِ : وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْكُسُوفِ . قَوْلُهُ : ( لَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ الْوَارِثِ وَشُعْبَةُ وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ يُونُسَ : يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ ) أَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ الْوَارِثِ فَأَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ بَعْدَ عَشَرَةِ أَبْوَابٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْهُ وَلَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ وَذَكَرَ فِيهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : لَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو مَعْمَرٍ ، وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ شُعْبَةَ فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ وَلَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَسَبَقَتْ فِي أَوَّلِ الْكُسُوفِ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَوَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ عَنْهُ بِلَفْظِ رِوَايَةِ خَالِدٍ وَمَعْنَاهُ وَقَالَ فِيهِ : فَإِذَا كَسَفَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا . قَوْلُهُ : ( وَتَابَعَهُ أَشْعَثُ ) يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيَّ ( عَنِ الْحَسَنِ ) يَعْنِي فِي حَذْفِ قَوْلِهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ وَقَدْ وَصَلَ النَّسَائِيُّ هَذِهِ الطَّرِيقَ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَشْعَثَ ، عَنِ الْحَسَنِ وَلَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَتَابَعَهُ مُوسَى ، عَنْ مُبَارَكٍ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرة عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى . وَمُوسَى هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ ، وَقَالَ الدِّمْيَاطِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ : هُوَ ابْنُ دَاوُدَ الضَّبِّيُّ ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِأَنَّ ابْنَ إِسْمَاعِيلَ مَعْرُوفٌ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ دُونَ ابْنِ دَاوُدَ ، وَلَمْ تَقَعْ لِي هَذِهِ الرِّوَايَةُ إِلَى الْآنِ مِنْ طَرِيقِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْوَلِيدِ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ هُدْبَةَ ، وَقَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ كُلُّهُمْ عَنْ مُبَارَكٍ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ ، إِلَّا أَنَّ رِوَايَةَ هُدْبَةَ لَيْسَ فِيهَا يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ قَوْلُهُ تَابَعَهُ أَشْعَثُ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ عَقِبَ مُتَابَعَةِ مُوسَى ، وَالصَّوَابُ تَقْدِيمُهُ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ خُلُوِّ رِوَايَةِ أَشْعَثَ مِنْ قَوْلِهِ : يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ . قَوْلُهُ : ( يُخَوِّفُ ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ مِنْ أَهْلِ الْهَيْئَةِ أَنَّ الْكُسُوفَ أَمْرٌ عَادِيٌّ لَا يَتَأَخَّرُ وَلَا يَتَقَدَّمُ ، إِذْ لَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُونَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَخْوِيفٌ وَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْجَزْرِ وَالْمَدِّ فِي الْبَحْرِ ، وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْآتِي حَيْثُ قَالَ : فَقَامَ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةَ . قَالُوا : فَلَوْ كَانَ الْكُسُوفُ بِالْحِسَابِ لَمْ يَقَعِ الْفَزَعُ ، وَلَوْ كَانَ بِالْحِسَابِ لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِالْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ مَعْنًى ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ التَّخْوِيفَ ، وَأَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَةِ يُرْجَى أَنْ يُدْفَعَ بِهِ مَا يُخْشَى مِنْ أَثَرِ ذَلِكَ الْكُسُوفِ . وَمِمَّا نَقَصَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْسَ لَا تَنْكَسِفُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَإِنَّمَا يَحُولُ الْقَمَرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا فِي الْعُقْدَتَيْنِ ، فَقَالَ : هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْسَ أَضْعَافُ الْقَمَرِ فِي الْجِرْمِ ، فَكَيْفَ يَحْجُبُ الصَّغِيرُ الْكَبِيرَ إِذَا قَابَلَهُ ، أَمْ كَيْفَ يُظْلَمُ الْكَثِيرُ بِالْقَلِيلِ ، وَلَا سِيَّمَا وَهُوَ مِنْ جِنْسِهِ ؟ وَكَيْفَ تَحْجُبُ الْأَرْضُ نُورَ الشَّمْسِ وَهِيَ فِي زَاوِيَةٍ مِنْهَا لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْسَ أَكْبَرُ مِنَ الْأَرْضِ بِتِسْعِينَ ضِعْفًا . وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَغَيْرِهِ لِلْكُسُوفِ سَبَبٌ آخَرُ غَيْرُ مَا يَزْعُمُهُ أَهْلُ الْهَيْئَةِ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَاكِمُ بِلَفْظِ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، وَأَنَّ اللَّهَ إِذَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْغَزَالِيُّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَقَالَ : إِنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ فَيَجِبُ تَكْذِيبُ نَاقِلِهَا . قَالَ : وَلَوْ صَحَّتْ لَكَانَ تَأْوِيلُهَا أَهْوَنَ مِنْ مُكَابَرَةِ أُمُورٍ قَطْعِيَّةٍ لَا تُصَادِمُ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ . قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ : هَذَا عَجَبٌ مِنْهُ ، كَيْفَ يُسَلِّمُ دَعْوَى الْفَلَاسِفَةِ وَيَزْعُمُ أَنَّهَا لَا تَصَادِمُ الشَّرِيعَةَ مَعَ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْعَالَمَ كري الشَّكْلِ وَظَاهِرُ الشَّرْعِ يُعْطِي خِلَافَ ذَلِكَ وَالثَّابِتُ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْكُسُوفَ أَثَرُ الْإِرَادَةِ الْقَدِيمَةِ وَفِعْلُ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ ، فَيَخْلُقُ فِي هَذَيْنِ الْجِرْمَيْنِ النُّورَ مَتَى شَاءَ وَالظُّلْمَةَ مَتَى شَاءَ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى سَبَبٍ أَوْ رَبْطٍ بِاقْتِرَابٍ . وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَدَّهُ الْغَزَالِيُّ قَدْ أَثْبَتَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا ، لِأَنَّ النُّورِيَّةَ وَالْإِضَاءَةَ مِنْ عَالَمِ الْجَمَالِ الْحِسِّيِّ ، فَإِذَا تَجَلَّتْ صِفَةُ الْجَلَالِ انْطَمَسَتْ الْأَنْوَارُ لِهَيْبَتِهِ . وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا اهـ . وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَدِيثَ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى الشَّمْسِ وَقَدِ انْكَسَفَتْ فَبَكَى حَتَّى كَادَ أَنْ يَمُوتَ وَقَالَ : هِيَ أَخْوَفُ لِلَّهِ مِنَّا . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : رُبَّمَا يَعْتَقِدُ بَعْضُهُمْ أَنَّ الَّذِي يَذْكُرُهُ أَهْلُ الْحِسَابِ يُنَافِي قَوْلَهُ : يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ لِلَّهِ أَفْعَالًا عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ ، وَأَفْعَالًا خَارِجَةً عَنْ ذَلِكَ ، وَقُدْرَتَهُ حَاكِمَةٌ عَلَى كُلِّ سَبَبٍ ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَطِعَ مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبِّبَاتِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ . وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْعُلَمَاءُ بِاللَّهِ لِقُوَّةِ اعْتِقَادِهِمْ فِي عُمُومِ قُدْرَتِهِ عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ وَأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ إِذَا وَقَعَ شَيْءٌ غَرِيبٌ حَدَثَ عِنْدَهُمُ الْخَوْفُ لِقُوَّةِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ أَسْبَابٌ تَجْرِي عَلَيْهَا الْعَادَةُ إِلَى أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ خَرَقَهَا . وَحَاصِلُهُ أَنَّ الَّذِي يَذْكُرُهُ أَهْلُ الْحِسَابِ حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يُنَافِي كَوْنَ ذَلِكَ مُخَوِّفًا لِعِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَوِّفُ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالْكُسُوفِ · ص 623 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول النبي صلى الله عليه وسلم يخوف الله عباده بالكسوف · ص 76 باب قول النبي صلى الله عليه وسلم يخوف الله عباده بالكسوف . قاله أبو موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . أي هذا باب في ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى الأشعري : يخوف الله عز وجل عباده بالكسوف ، وسيأتي حديث أبي موسى هذا في باب الذكر في الكسوف . 87 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ولا لحياته ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ. قد مضى الكلام في حديث أبي بكرة في أول أبواب الكسوف ، ومطابقته للترجمة ظاهرة . قوله « ولكن الله يخوف بهما » وفي رواية الكشميهني : ولكن الله يخوف . قوله « يخوف » فيه رد على أهل الهيئة حيث يزعمون أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم ، فلو كان كذلك لم يكن فيه تخويف فيصير بمنزلة الجزر والمد في البحر ، وقد جاء في حديث أبي موسى على ما يأتي : فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة ، فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع ، ولم يكن للأمر بالعتق ، والصدقة ، والصلاة ، والذكر - معنى ، وقد رددنا عليهم فيما مضى ، ويرد عليهم أيضا بما جاء في رواية أحمد ، والنسائي ، وغيرهما : إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، ولكنهما آيتان من آيات الله ، وإن الله إذا تجلى لشيء من خلقه خضع له . وقال الغزالي : هذه الزيادة لم تثبت فيجب تكذيب ناقلها ، ولو صحت لكان أهون من مكابرة أمور قطعية لا تصادم الشريعة ، ورد عليه بأنه كيف يسلم دعوى الفلاسفة ، ويزعم أنها لا تصادم الشريعة مع أنها مبنية على أن العالم كري الشكل ، وظاهر الشرع خلاف ذلك ، والثابت من قواعد الشرع أن الكسوف أثر الإرادة القديمة ، وفعل الفاعل المختار فيخلق في هذين الجرمين النور متى شاء ، والظلمة متى شاء من غير توقيف على سبب ، أو ربط باقتراب ، وكيف يرد الحديث المذكور ، وقد أثبته جماعة من العلماء ، وصححه ابن خزيمة ، والحاكم ، ولئن سلمنا أن ما ذكره أهل الحساب صحيح في نفس الأمر ، فإنه لا ينافي كون ذلك مخوفا لعباد الله تعالى . ( وقال أبو عبد الله : لم يذكر عبد الوارث ، وشعبة ، وخالد بن عبد الله ، وحماد بن سلمة ، عن يونس - يخوف بهما عباده ) . أشار بهذا الكلام إلى أن عبد الوارث بن سعيد التنوري ، وشعبة بن الحجاج ، وخالد بن عبد الله الطحان الواسطي ، وحماد بن سلمة بفتح اللام - لم يذكروا في روايتهم ، عن يونس بن عبيد المذكور عن قريب لفظ : يخوف الله بهما عباده ، في روايته عن الحسن البصري ، عن أبي بكرة . أما رواية عبد الوارث فذكرها البخاري بعد عشرة أبواب في باب الصلاة في كسوف القمر ، وليس فيها هذا اللفظ على ما ستقف عليها ، ولكن ثبت ذلك عن عبد الوارث من وجه آخر ، رواه النسائي ، عن عمران بن موسى ، عن عبد الوارث قال : حدثنا يونس ، عن الحسن ، عن أبي بكرة قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانكسفت الشمس ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر رداءه حتى انتهى إلى المسجد ، وثاب إليه الناس ، فصلى بنا ركعتين ، فلما انكشفت قال : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده ، وإنهما لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك فصلوا حتى يكشف ما بكم . وذلك أن ابنا له مات يقال له إبراهيم ، فقال ناس في ذلك . وأما رواية شعبة فأخرجها البخاري في باب كسوف القمر ، حدثنا محمود بن غيلان قال : حدثنا سعيد بن عامر قال : حدثنا شعبة ، عن يونس ، عن الحسن ، عن أبي بكرة قال : انكسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فصلى ركعتين . وأما رواية خالد بن عبد الله فقد مضت في أول أبواب الكسوف ، وأما رواية حماد بن سلمة فأخرجها الطبراني في « المعجم الكبير » ، عن علي بن عبد العزيز قال : حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن يونس .. فذكره . وأخرجها البيهقي أيضا من طريق أبي زكريا السيلحيني ، عن حماد بن سلمة ، عن يونس .. فذكره . ( وتابعه موسى ، عن مبارك ، عن الحسن قال : أخبرني أبو بكرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن الله تعالى يخوف بهما عباده ) . أي تابع يونس في روايته عن الحسن - موسى ، عن مبارك ، واختلف في المراد بموسى ، فقيل : هو موسى بن إسماعيل التبوذكي ، وجزم به الحافظ المزي ، وقيل : هو موسى بن داود الضبي ، ومال إليه الحافظ الدمياطي ، وجماعة ، قيل : الأول أرجح لكون موسى بن إسماعيل معروفا في رجال البخاري ، ومبارك هو ابن فضالة بن أبي أمية القرشي العدوي البصري ، وفيه مقال ، وأراد به البخاري تنصيص الحسن على سماعه من أبي بكرة ، فإن ابن خيثمة ذكر في « تاريخه الكبير » ، عن يحيى : أنه لم يسمع منه ، وذكر هذه المتابعة للرد عليه ، فإنه صرح فيها أن الحسن قال أخبرني أبو بكرة ، وقد علم أن المثبت يرجح على النافي . قوله « يخوف الله بهما » أي بكسوف الشمس وكسوف القمر ، ويروى بها أي بالآية ، فإن كسوفهما آية من الآيات . وفي رواية غير أبي ذر : إن الله يخوف . ( وتابعه أشعث ، عن الحسن ) . يعني تابع مبارك بن فضالة - أشعث بن عبد الملك الحمراني عن الحسن كذلك ، لكن بلا ذكر التخويف رواه النسائي كذلك عن الفلاس ، عن خالد بن الحارث ، عن أشعث ، عن الحسن ، عن أبي بكرة قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فكسفت الشمس ، فوثب يجر ثوبه ، فصلى ركعتين حتى انجلت الشمس . وقال بعضهم : وقع قوله « تابعه أشعث » في بعض الروايات عقيب متابعة موسى ، والصواب تقديمه لخلو رواية أشعث عن ذكر التخويف . قلت : لا يلزم من متابعة أشعث لمبارك بن فضالة في الرواية عن الحسن - أن يكون فيه ذكر التخويف ؛ لأن مجرد المتابعة تكفي في الرواية ، وقد ذهل صاحب « التلويح » هنا حيث قال : في قوله « تابعه أشعث عن الحسن » يعني تابع مبارك بن فضالة ، عن الحسن بذكر ، رواه النسائي إلى آخره ، وليس في رواية النسائي عن الأشعث ذكر التخويف ، والله أعلم بحقيقة الحال .