باب قول النبي صلى الله عليه وسلم يخوف الله عباده بالكسوف
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ولا لحياته ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ . قد مضى الكلام في حديث أبي بكرة في أول أبواب الكسوف ، ومطابقته للترجمة ظاهرة . قوله « ولكن الله يخوف بهما » وفي رواية الكشميهني : ولكن الله يخوف .
قوله « يخوف » فيه رد على أهل الهيئة حيث يزعمون أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم ، فلو كان كذلك لم يكن فيه تخويف فيصير بمنزلة الجزر والمد في البحر ، وقد جاء في حديث أبي موسى على ما يأتي : فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة ، فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع ، ولم يكن للأمر بالعتق ، والصدقة ، والصلاة ، والذكر - معنى ، وقد رددنا عليهم فيما مضى ، ويرد عليهم أيضا بما جاء في رواية أحمد ، والنسائي ، وغيرهما : إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، ولكنهما آيتان من آيات الله ، وإن الله إذا تجلى لشيء من خلقه خضع له . وقال الغزالي : هذه الزيادة لم تثبت فيجب تكذيب ناقلها ، ولو صحت لكان أهون من مكابرة أمور قطعية لا تصادم الشريعة ، ورد عليه بأنه كيف يسلم دعوى الفلاسفة ، ويزعم أنها لا تصادم الشريعة مع أنها مبنية على أن العالم كري الشكل ، وظاهر الشرع خلاف ذلك ، والثابت من قواعد الشرع أن الكسوف أثر الإرادة القديمة ، وفعل الفاعل المختار فيخلق في هذين الجرمين النور متى شاء ، والظلمة متى شاء من غير توقيف على سبب ، أو ربط باقتراب ، وكيف يرد الحديث المذكور ، وقد أثبته جماعة من العلماء ، وصححه ابن خزيمة ، والحاكم ، ولئن سلمنا أن ما ذكره أهل الحساب صحيح في نفس الأمر ، فإنه لا ينافي كون ذلك مخوفا لعباد الله تعالى . ( وقال أبو عبد الله : لم يذكر عبد الوارث ، وشعبة ، وخالد بن عبد الله ، وحماد بن سلمة ، عن يونس - يخوف بهما عباده ) .
أشار بهذا الكلام إلى أن عبد الوارث بن سعيد التنوري ، وشعبة بن الحجاج ، وخالد بن عبد الله الطحان الواسطي ، وحماد بن سلمة بفتح اللام - لم يذكروا في روايتهم ، عن يونس بن عبيد المذكور عن قريب لفظ : يخوف الله بهما عباده ، في روايته عن الحسن البصري ، عن أبي بكرة . أما رواية عبد الوارث فذكرها البخاري بعد عشرة أبواب في باب الصلاة في كسوف القمر ، وليس فيها هذا اللفظ على ما ستقف عليها ، ولكن ثبت ذلك عن عبد الوارث من وجه آخر ، رواه النسائي ، عن عمران بن موسى ، عن عبد الوارث قال : حدثنا يونس ، عن الحسن ، عن أبي بكرة قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانكسفت الشمس ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر رداءه حتى انتهى إلى المسجد ، وثاب إليه الناس ، فصلى بنا ركعتين ، فلما انكشفت قال : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده ، وإنهما لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك فصلوا حتى يكشف ما بكم . وذلك أن ابنا له مات يقال له إبراهيم ، فقال ناس في ذلك .
وأما رواية شعبة فأخرجها البخاري في باب كسوف القمر ، حدثنا محمود بن غيلان قال : حدثنا سعيد بن عامر قال : حدثنا شعبة ، عن يونس ، عن الحسن ، عن أبي بكرة قال : انكسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فصلى ركعتين . وأما رواية خالد بن عبد الله فقد مضت في أول أبواب الكسوف ، وأما رواية حماد بن سلمة فأخرجها الطبراني في « المعجم الكبير » ، عن علي بن عبد العزيز قال : حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن يونس . . فذكره .
وأخرجها البيهقي أيضا من طريق أبي زكريا السيلحيني ، عن حماد بن سلمة ، عن يونس . . فذكره . ( وتابعه موسى ، عن مبارك ، عن الحسن قال : أخبرني أبو بكرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن الله تعالى يخوف بهما عباده ) .
أي تابع يونس في روايته عن الحسن - موسى ، عن مبارك ، واختلف في المراد بموسى ، فقيل : هو موسى بن إسماعيل التبوذكي ، وجزم به الحافظ المزي ، وقيل : هو موسى بن داود الضبي ، ومال إليه الحافظ الدمياطي ، وجماعة ، قيل : الأول أرجح لكون موسى بن إسماعيل معروفا في رجال البخاري ، ومبارك هو ابن فضالة بن أبي أمية القرشي العدوي البصري ، وفيه مقال ، وأراد به البخاري تنصيص الحسن على سماعه من أبي بكرة ، فإن ابن خيثمة ذكر في « تاريخه الكبير » ، عن يحيى : أنه لم يسمع منه ، وذكر هذه المتابعة للرد عليه ، فإنه صرح فيها أن الحسن قال أخبرني أبو بكرة ، وقد علم أن المثبت يرجح على النافي . قوله « يخوف الله بهما » أي بكسوف الشمس وكسوف القمر ، ويروى بها أي بالآية ، فإن كسوفهما آية من الآيات . وفي رواية غير أبي ذر : إن الله يخوف .
( وتابعه أشعث ، عن الحسن ) . يعني تابع مبارك بن فضالة - أشعث بن عبد الملك الحمراني عن الحسن كذلك ، لكن بلا ذكر التخويف رواه النسائي كذلك عن الفلاس ، عن خالد بن الحارث ، عن أشعث ، عن الحسن ، عن أبي بكرة قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فكسفت الشمس ، فوثب يجر ثوبه ، فصلى ركعتين حتى انجلت الشمس . وقال بعضهم : وقع قوله « تابعه أشعث » في بعض الروايات عقيب متابعة موسى ، والصواب تقديمه لخلو رواية أشعث عن ذكر التخويف .
قلت : لا يلزم من متابعة أشعث لمبارك بن فضالة في الرواية عن الحسن - أن يكون فيه ذكر التخويف ؛ لأن مجرد المتابعة تكفي في الرواية ، وقد ذهل صاحب « التلويح » هنا حيث قال : في قوله « تابعه أشعث عن الحسن » يعني تابع مبارك بن فضالة ، عن الحسن بذكر ، رواه النسائي إلى آخره ، وليس في رواية النسائي عن الأشعث ذكر التخويف ، والله أعلم بحقيقة الحال .