باب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف
« باب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف » 88 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا ، فَقَالَتْ لَهَا : أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ .
فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ . ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا ، فَخَسَفَتْ الشَّمْسُ ، فَرَجَعَ ضُحًى ، فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ الْحُجَرِ ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي ، وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ، ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ وَانْصَرَفَ ، فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ . مطابقته للترجمة في قوله « ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر » .
ورجاله قد ذكروا غير مرة . وأخرجه البخاري أيضا ، عن إسماعيل بن أبي أويس ، عن مالك . وأخرجه مسلم فيه ، عن القعنبي ، وعن محمد بن المثنى ، وعن ابن أبي عمر .
وأخرجه النسائي فيه ، عن عمرو بن علي ، وعن محمد بن سلمة . ذكر معناه : قوله « أن يهودية » أي امرأة يهودية ، وفي « مسند السراج » من حديث أشعث بن الشعشاء ، عن أبيه ، عن مسروق قال دخلت يهودية على عائشة ، فقالت لها : أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شيئا في عذاب القبر ، فقالت عائشة : لا ، وما عذاب القبر ؟ قالت : فسليه ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فسألته عائشة عن عذاب القبر ، فقال صلى الله عليه وسلم : عذاب القبر حق ، قالت عائشة : فما صلى بعد ذلك صلاة إلا سمعته يتعوذ من عذاب القبر . وفي حديث منصور ، عن أبي وائل ، عن مسروق عنها قالت : دخل علي عجوزتان من عجائز اليهود ، فقالت : إن أهل القبور يعذبون في قبورهم ، فكذبتهما ولم أصدقهما ، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت له : دخل علي عجوزتان من عجز اليهود ، فقالتا : إن أهل القبور يعذبون في قبورهم ، فقال : إنهم ليعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم .
وفي هذا دليل على أن اليهودية كانت تعلم عذاب القبر ، إما سمعت ذلك من التوراة ، أو في كتاب من كتبهم . قوله « أيعذب الناس » الهمزة فيه للاستفهام ، ويعذب على صيغة المجهول فيه دليل على أن عائشة لم تكن قبل ذلك علمت بعذاب القبر ؛ لأنها كانت تعلم أن العذاب والثواب إنما يكونان بعد البعث . قوله « عائذا بالله » على وزن فاعل ، مصدر لأن المصدر قد يجيء على هذا الوزن ، كما في قولهم عافاه الله عافية ، فعلى هذا انتصابه على المصدرية ، ج٧ / ص٧٩تقديره أعوذ عائذا بالله : أي أعوذ عياذا بالله ، ويجوز أن يكون عائذا على بابه ويكون منصوبا على الحال ، وذو الحال محذوف ، تقديره : أعوذ حال كوني عائذا بالله .
وروي " عائذ بالله " بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي أنا عائذ بالله قوله : " من ذلك " أي من عذاب القبر ، قوله : " ذات غداة " لفظة " ذات " زائدة ، وقال الداودي : لفظة " ذات " بمعنى في ، أي في غداة ، ورد عليه ابن التين بأنه غير صحيح ، بل تقديره في ذات غداة . « قلت » : الصواب معه لأنه لم يقل أحد أن ذات بمعنى في ، ويجوز أن يكون من باب إضافة المسمى إلى اسمه ، قوله " ضحى " بضم الضاد مقصور فوق الضحوة ، وهي ارتفاع أول النهار ، قوله : " بين ظهراني الحجر " : أي في ظهري الحجر ، الألف والنون زائدتان ، ويقال : الكلمة كلها زائدة ، والحجر بضم الحاء المهملة وفتح الجيم جمع حجرة ، والمراد بها بيوت أزواج النبي ، صلى الله عليه وسلم . « ومما يستنبط منه » أنه يدل على أن عذاب القبر حق ، وأهل السنة مجمعون على الإيمان به والتصديق ، ولا ينكره إلا مبتدع ، وأن من لا علم له بذلك لا يأثم ، وأن من سمع بذلك وجب عليه أن يسأله أهل العلم ليعلم صحته .
وفيه ما يدل على أن حال عذاب القبر عظيم ، فلذلك أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الوقت بالتعوذ منه . وفيه أن وقت صلاة الكسوف وقت الضحى على ما صلى - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الوقت بحسب حصول الكسوف فيه . والعلماء اختلفوا فيه فقال ابن التين : أول وقته وقت جواز النافلة ، وأما آخره فقال مالك : إنها إنما تصلى ضحوة النهار ولا تصلى بعد الزوال ، فجعلها كالعيدين وهي رواية ابن القاسم ، وروى عنه ابن وهب : تصلى في وقت صلاة النافلة وإن زالت الشمس ، وعنه : لا تصلى بعد العصر ، ولكن يجتمع الناس فيه فيدعون ويتصدقون ، ويرغبون ، وقال الكوفيون : لا يصلون في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها ؛ لورود النهي بذلك .
وتصلى في سائر الأوقات وهو قول ابن أبي مليكة ، وعطاء وجماعة ، وقال الشافعي : تصلى في كل وقت نصف النهار ، وبعد العصر والصبح وهو قول أبي ثور ، وابن الجلاب المالكي ، وقال أصحابنا الحنفية : وقتها المستحب كسائر الصلوات ، ولا تصلى في الأوقات المكروهة ، وبه قال الحسن ، وعطاء بن أبي رباح ، وعكرمة ، وعمرو بن شعيب ، وقتادة ، وأيوب ، وإسماعيل بن عليلة ، وأحمد ، وقال إسحاق : يصلون بعد العصر ما لم تصفر الشمس ، وبعد صلاة الصبح ولو كسفت في الغروب لم تصل إجماعا ، ولو طلعت مكسوفة لم تصل حتى تحل النافلة ، وبه قال مالك ، وأحمد ، وآخرون ، وقال ابن المنذر : وبه أقول خلافا للشافعي .