1083 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، قَالَ : سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ ، قَالَ : صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنَ مَا كَانَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ . قَوْلُهُ : ( أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ) كَذَا هُوَ بِلَفْظِ الْإِنْبَاءِ ، وَهُوَ فِي عُرْفِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ وَالتَّحْدِيثِ وَهَذَا مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ ) زَادَ الْبَرْقَانِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْوَلِيدِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( آمَنَ ) أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْأَمْنِ . قَوْلُهُ : ( مَا كَانَ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَالْحَمَوِيِّ كَانَتْ أَيْ حَالَةَ كَوْنِهَا آمَنَ أَوْقَاتِهِ . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مَا كَانُوا وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ ، خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ ، يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَالَ الطِّيبِيُّ : مَا مَصْدَرِيَّةٌ ، وَمَعْنَاهُ الْجَمْعُ ، لِأَنَّ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ أَفْعَلُ يَكُونُ جَمْعًا ، وَالْمَعْنَى صَلَّى بِنَا وَالْحَالُ أَنَّا أَكْثَرُ أَكْوَانِنَا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ أَمْنًا . وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الصَّلَاةِ بِمِنًى مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ عَنْ آدَمَ ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ وَكَلِمَةُ قَطُّ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ : وَنَحْنُ مَا كُنَّا أَكْثَرَ مِنَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَا أَكْثَرَ أَمْنًا . وَهَذَا يَسْتَدْرِكُ بِهِ عَلِيُّ بْنُ مَالِكٍ حَيْثُ قَالَ : اسْتِعْمَالُ قَطُّ غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ بِالنَّفْيِ مِمَّا يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ ، وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِدُونِ النَّفْيِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : قَوْلُهُ : وَآمَنُهُ بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ بِأَنْ يَكُونَ فِعْلًا مَاضِيًا وَفَاعِلُهُ اللَّهُ وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالتَّقْدِيرُ : وَآمَنَ اللَّهُ نَبِيَّهُ حِينَئِذٍ . وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الْإِعْرَابِ . وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَصْرَ مُخْتَصٌّ بِالْخَوْفِ ، وَالَّذِي قَالَ ذَلِكَ تَمَسَّكَ بِقولِهِ تَعَالَى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَلَمْ يَأْخُذِ الْجُمْهُورُ بِهَذَا الْمَفْهُومِ ، فَقِيلَ لِأَنَّ شَرْطَ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَنْ لَا يَكُونَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي شُرِعَ الْحُكْمُ فِيهَا بِسَبَبٍ ثُمَّ زَالَ السَّبَبُ وَبَقِيَ الْحُكْمُ كَالرَّمَلِ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْقَصْرِ فِي الْآيَةِ : قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي الْخَوْفِ إِلَى رَكْعَةٍ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ، وَلَهُ صُحْبَةٌ أَنَّهُ سَأَلَ عُمَرَ عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ : إِنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ . فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الصَّحَابَةَ فَهِمُوا مِنْ ذَلِكَ قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا لَا قَصْرَهَا فِي الْخَوْفِ خَاصَّةً . وَفِي جَوَابِ عُمَرَ إِشَارَةٌ إِلَى الْقَوْلِ الثَّانِي . وَرَوَى السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي حَنْظَلَةَ وَهُوَ الْحَذَّاءُ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ . قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ ، فَقَالَ : رَكْعَتَانِ ، فَقُلْتُ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : إِنْ خِفْتُمْ وَنَحْنُ آمِنُونَ ، فَقَالَ : سُنَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَذَا يُرَجِّحُ الْقَوْلَ الثَّانِيَ أَيْضًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّلَاةِ بِمِنًى · ص 656 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصلاة بمنى · ص 120 118 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ : سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ : صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، آمَنَ مَا كَانَ ، بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ . وجه المطابقة بَيَّنَ الترجمةَ ، وهذا هو الذي ذكرناه في أول الباب . ذكر رجاله ، وهم أربعة : الأول : أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ، وقد تكرر ذكره . الثاني : شعبة بن الحجاج . الثالث : أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي . الرابع : حارثة بالحاء المهملة ، ابن وهب الخزاعي أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه ، وأمهما بنت عثمان بن مظعون سمع النبي صلى الله عليه وسلم . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه الإنباء في موضع واحد ، وهو بمعنى الإخبار والتحديث . وفيه السماع . وفيه القول في أربعة مواضع . وفيه أن شيخه مذكور بكنيته ، وهو بصري ، وشعبة واسطي ، وأبو إسحاق كوفي ، وهو أيضا مذكور بكنيته . وفيه لفظ الإنباء ، ولم يذكر فيما قبل هذا اللفظ . وفيه أن حارثة بن وهب مذكور في موضعين ليس إلا . ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الحج ، عن آدم ، عن شعبة . وأخرجه مسلم في الصلاة ، عن يحيى بن يحيى ، وقتيبة ، وعن أحمد بن يونس . وأخرجه أبو داود في الحج ، عن عبد الله بن محمد النفيلي . وأخرجه الترمذي فيه ، عن قتيبة به . وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة به ، وعن عمرو بن علي . ذكر معناه : قوله « سمعت حارثة بن وهب » وفي رواية البرقاني في « مستخرجه » رجلا من خزاعة أخرجه من طريق أبي الوليد شيخ البخاري فيه . قوله « آمن » أفعل التفضيل من الأمن . قوله « ما كان » في رواية الكشميهني ، والحموي : ما كانت ، وكلمة ما مصدرية ، ومعناه الجمع ؛ لأن ما أضيف إليه أفعل يكون جمعا ، والمعنى : صلى بنا ، والحال أن أكثر أكواننا في سائر الأوقات أمن ، ولفظ مسلم ، عن حارثة بن وهب قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى آمن ما كان الناس ، وأكثره ركعتين . وفي رواية له : صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ، والناس أكثر ما كانوا ، فصلى ركعتين . قوله « بمنى » الباء فيه ظرفية تتعلق بقوله : صلى . قوله « ركعتين » مفعول صلى . ذكر ما يستنبط منه : مذهب الجمهور أنه يجوز القصر من غير خوف لدلالة حديث حارثة على ذلك ؛ لأن معناه أنه صلى الله عليه وسلم قصر من غير خوف . وفيه رد على من زعم أن القصر مختص بالخوف أو الحرب . ذكر أبو جعفر في « تفسيره » بإسناده ، عن عائشة تقول : في السفر أتموا صلاتكم ، فقالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في السفر ركعتين ، فقالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حرب ، وكان يخاف ، فهل تخافون أنتم . وفي لفظ : كانت تصلي في السفر أربعا ، واحتج هؤلاء الزاعمون أيضا بقوله تعالى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وأجيب بأن الشرط في الآية خرج مخرج الغالب ، وقيل : هو من الأشياء التي شرع الحكم فيها بسبب ، ثم زال السبب ، وبقي الحكم كالرمل في الطواف ، وقد أوضح هذا ما في « صحيح مسلم » ، عن يعلى بن أمية قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ فقد أمن الناس ، فقال عمر : عجبت مما عجبت منه ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته . وفي « تاريخ أصبهان » لأبي نعيم حدثنا سليمان حدثنا محمد بن سهل الرباطي حدثنا سهل بن عثمان ، عن شريك ، عن قيس بن وهب ، عن أبي الكنود ، سألت ابن عمر عن صلاة السفر ، فقال : ركعتان نزلت من السماء ، فإن شئتم فردوها . وأما الحديث الذي رواه أبو جعفر ، فإن حديث حارثة بن وهب يرده ، وقال الطيبي : فيه - أي في حديث الباب - تعظيم شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أطلق ما قيده الله تعالى ، ووسع على عباده تعالى ، ونسب فعله إلى الله عز وجل .