2 - بَاب فَضْلِ قِيَامِ اللَّيْلِ 1121 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ . ح وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأَقُصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا ، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ النَّارِ ، قَالَ : فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي : لَمْ تُرَعْ . 1122 - فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ، فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنْ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ فَضْلِ قِيَامِ اللَّيْلِ ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ فِي رُؤْيَاهُ ، وَفِيهِ : فَقَالَ : نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ، فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ : فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ . . إِلَخْ مِنْ كَلَامِ سَالِمٍ ، لَكِنْ وَقَعَ فِي التَّعْبِيرِ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ شَيْخِهِ هُنَا بِإِسْنَادِهِ هَذَا : قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّيْلِ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ فِي السِّيَاقِ الْأَوَّلِ إِدْرَاجًا ، لَكِنْ أَوْرَدَهُ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَفِي آخِرِهِ قَالَ سَالِمٌ : وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا ، فَظَهَرَ أَنْ لَا إدْرَاجَ فِيهِ ، وَأَيْضًا فَكَلَامُ سَالِمٍ فِي ذَلِكَ مُغَايِرٌ لِكَلَامِ الزُّهْرِيِّ ، فَانْتَفَى الْإِدْرَاجُ عَنْهُ أَصْلًا وَرَأْسًا ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ قَوْلُهُ : نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ نِعْمَ الرَّجُلُ ، وَفِي رِوَايَةِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي التَّعْبِيرِ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ أَبْيَنُ فِي الْمَقْصُودِ ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ حَدِيثٌ صَرِيحٌ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَاكْتَفَى بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَقَدْ أَخْرَجَ فِيهِ مُسْلِمٌ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ تَوَقَّفَ فِيهِ لِلِاخْتِلَافِ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ ، وَفِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ) هُوَ الْجُعْفِيُّ ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ ، وَمَحْمُودٌ هُوَ ابْنُ غَيْلَانَ . قَوْلُهُ : ( كَانَ الرَّجُلُ ) اللَّامُ لِلْجِنْسِ ، وَلَا مَفْهُومَ لَهُ ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِلْغَالِبِ . قَوْلُهُ : ( فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : أَنِّي أَرَى . وَزَادَ فِي التَّعْبِيرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : لَوْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ لَرَأَيْتَ مِثْلَ مَا يَرَى هَؤُلَاءِ . وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ تَدُلُّ عَلَى خَيْرِ رَائِيهَا . قَوْلُهُ : ( كَأَنَّ مَلَكَيْنِ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِمَا . قَوْلُهُ : ( فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ ) فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، الْآتِيَةِ قَرِيبًا : كَأَنَّ اثْنَيْنِ أَتَيَانِي ، أَرَادَا أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّارِ ، فَتَلَقَّاهُمَا مَلَكٌ ، فَقَالَ : لَنْ تُرَاعَ ، خَلِّيَا عَنْهُ ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُمَا لَمْ يَذْهَبَا بِهِ ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الثَّانِي عَلَى إِدْخَالِهِ ، فَالتَّقْدِيرُ : أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَيُدْخِلَانِي فِيهَا ، فَلَمَّا نَظَرْتُهَا فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ ، وَرَأَيْتُ مَنْ فِيهَا وَاسْتَعَذْتُ ، فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ . قَوْلُهُ : ( فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ ) أَيْ مَبْنِيَّةٌ ، وَالْبِئْرُ قَبْلَ أَنْ تُبْنَى تُسَمَّى قَلِيبًا . قَوْلُهُ : ( وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ ) هَكَذَا لِلْجُمْهُورِ ، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي نُسْخَةٍ : قَرْنَيْنِ ، فَأَعْرَبَهَا بِالْجَرِّ أَوْ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ فِيهِ شَيْئًا مُضَافًا حُذِفَ ، وَتُرِكَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، وَتَقْدِيرُهُ : فَإِذَا لَهَا مِثْلُ قَرْنَيْنِ ، وَهُوَ كَقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : ( تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ) بِالْجَرِّ ، أَيْ : يُرِيدُ عَرَضَ الْآخِرَةِ ، أَوْ ضَمَّنَ إِذًا الْمُفَاجِأَةَ مَعْنَى الْوِجْدَانِ ؛ أَيْ : فَإِذَا بِي وَجَدْتُ لَهَا قَرْنَيْنِ . انْتَهَى . وَالْمُرَادُ بِالْقَرْنَيْنِ هُنَا خَشَبَتَانِ أَوْ بِنَاءَانِ تُمَدُّ عَلَيْهِمَا الْخَشَبَةُ الْعَارِضَةُ الَّتِي تُعَلَّقُ فِيهَا الْحَدِيدَةُ الَّتِي فِيهَا الْبَكَرَةُ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ بِنَاءٍ فَهُمَا الْقَرْنَانِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خَشَبٍ فَهُمَا الزَّرْنُوقَانِ - بِزَايٍ مَنْقُوطَةٍ قَبْلَ الْمُهْمَلَةِ ، ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ قَافٍ - ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْخَشَبَةِ أَيْضًا الْقَرْنَانِ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ فِي غُسْلِ الْمُحْرِمِ فِي بَابِ الِاغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ . قَوْلُهُ : ( وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ . قَوْلُهُ : ( لَمْ تُرَعْ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ ؛ أَيْ : لَمْ تُخَفْ ، وَالْمَعْنَى لَا خَوْفَ عَلَيْكَ بَعْدَ هَذَا ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي التَّعْبِيرِ لَنْ تُرَاعَ وَهِيَ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ : لَنْ تُرَعْ بِحَذْفِ الْأَلِفِ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ - أَيِ : الْجَزْمُ بِلَنْ - حَتَّى قَالَ الْقَزَّازُ : لَا أَعْلَمُ لَهُ شَاهِدًا . وَتُعُقِّبَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ : لَنْ يَخِبِ الْآنَ مِنْ رَجَائِكَ مَنْ حَرَّكَ مِنْ دُونِ بَابِكَ الْحَلْقَهْ وَبِقَوْلِ الْآخَرِ : وَلَنْ يَحْلُ لِلْعَيْنَيْنِ بَعْدَكَ مَنْظَرٌ . وَزَادَ فِيهِ : إِنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بِضْعَةَ عَشَرَ بَابًا بِزِيَادَةٍ فِيهِ وَنُقْصَانٍ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّمَا فَسَّرَ الشَّارِعُ مِنْ رُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ مَا هُوَ مَمْدُوحٌ ؛ لِأَنَّهُ عُرِضَ عَلَى النَّارِ ، ثُمَّ عُوفِيَ مِنْهَا ، وَقِيلَ لَهُ : لَا رَوْعَ عَلَيْكَ وَذَلِكَ لِصَلَاحِهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَحَصَلَ لِعَبْدِ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ ممَا يَتَّقِي بِهِ النَّارَ وَالدُّنُوَّ مِنْهَا ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْ قِيَامَ اللَّيْلِ بَعْدَ ذَلِكَ . وَأَشَارَ الْمُهَلَّبُ إِلَى أَنَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ كَوْنُ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَمِنْ حَقِّ الْمَسْجِدِ أَنْ يُتَعَبَّدَ فِيهِ ، فَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّخْوِيفِ بِالنَّارِ . قَوْلُهُ : ( لَوْ كَانَ ) لَوْ لِلتَّمَنِّي لَا لِلشَّرْطِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الْجَوَابَ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ يَدْفَعُ الْعَذَابَ ، وَفِيهِ تَمَنِّي الْخَيْرِ وَالْعِلْمِ ، وَسَيَأْتِي بَاقِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( تَنْبِيهٌ ) : سِيَاقُ هَذَا الْمَتْنِ عَلَى لَفْظِ مَحْمُودٍ ، وَأَمَّا سِيَاقُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَسَيَأْتِي فِي التَّعْبِيرِ ، وَأَغْفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ طَرِيقَ مَحْمُودٍ هَذِهِ ، وَهِيَ وَارِدَةٌ عَلَيْهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَضْلِ قِيَامِ اللَّيْل · ص 8 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب فضل قيام الليل · ص 168 باب فضل قيام الليل أي هذا باب في بيان قيام الليل وهو الصلاة في الليل . 151 - حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا هشام قال : أخبرنا معمر ح وحدثني محمود قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه رضي الله عنه قال : كان الرجل في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكنت غلاما شابا ، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار ، فإذا هي مطوية كطي البئر ، وإذا لها قرنان ، وإذا فيها أناس قد عرفتهم ، فجعلت أقول : أعوذ بالله من النار . قال : فلقينا ملك آخر فقال لي : لم ترع . فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل ، فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا . مطابقته للترجمة في قوله : نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل وذلك أن الرجل إذا كان يصلي بالليل يستحق أن يوصف بنعم الرجل هذا ، واستحقاقه لذلك بسبب مباشرته صلاة الليل ، ولو لم يكن لصلاة الليل فضل لما استحق فاعلها الثناء الجميل ، وفي رواية نافع عن ابن عمر في التعبير إن عبد الله رجل صالح لو كان يصلي من الليل ، وهذا أصرح في المدح وأبين في المقصود . ( ذكر رجاله ) وهم ثمانية . الأول : عبد الله بن محمد الجعفي المسندي . الثاني : هشام بن يوسف الصنعاني . الثالث : معمر بفتح الميمين ابن راشد . الرابع : محمود بن غيلان بفتح الغين المعجمة المروزي . الخامس : عبد الرزاق بن همام . السادس : محمد بن مسلم الزهري . السابع : سالم بن عبد الله . الثامن : أبوه عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وجعل خلف هذا الحديث في مسند ابن عمر ، وجعل بعضه في مسند حفصة ، وأورده ابن عساكر في مسند ابن عمر ، والحميدي في مسند حفصة ، وذكر في رواية نافع عن ابن عمر أنهما من مسند ابن عمر ، وقال : إذ لا ذكر فيها لحفصة ، فحاصله أنهم جعلوا رواية سالم من مسند حفصة ورواية نافع من مسند ابن عمر . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في «باب نوم الرجال في المسجد» فيما مضى ، وأخرجه فيما يأتي في «باب فضل من تعار من الليل» في مناقب ابن عمر ، وأخرجه مسلم في «فضائل عبد الله بن عمر» حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد واللفظ لعبد قالا : أخبرنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال : كان الرجل في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : وكنت غلاما شابا عزبا ، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار الحديث . ( ذكر معناه ) قوله : كان الرجل الألف واللام فيه لا تصلح أن تكون للعهد على ما لا يخفى ، بل هي للجنس . قوله : رؤيا على وزن فعلى بالضم بلا تنوين ، وهو يختص بالمنام ، كما أن الرأي يختص بالقلب والرؤية تختص بالعين . قوله : قصها من قصصت الرؤيا على فلان إذا أخبرته بها ، وأقصها قصا ، والقص البيان . قوله : فتمنيت أن أرى ، وفي رواية الكشميهني أني أرى وزاد في التعبير من وجه آخر فقلت في نفسي : لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء ويؤخذ منه أن الرؤيا الصالحة تدل على خير رائيها . قوله : فإذا هي مطوية كلمة إذا للمفاجأة ، ومعنى مطوية مبنية الجوانب ، فإن لم تبن فهي القليب . قوله : فإذا لها قرنان ، أي : جانبان ، وقرنا الرأس جانباه ، ويقال : القرنان منارتان عن جانبي البئر تجعل عليهما الخشبة التي تعلق عليها البكرة . قال الكرماني : أو ضفيرتان ، وفي بعضها : قرنين ( فإن قلت ) : فما وجهه إذ هو مشكل ؟ ( قلت ) : إما أن يقال : تقديره : فإذا لها مثل قرنين ، فحذف المضاف وترك المضاف إليه على إعرابه ، وهو كقراءة ( والله يريد الآخرة ) بجر الآخرة ، أي : عرض الآخرة ، وإما أن يقال : إذا المفاجأة تتضمن معنى الوجدان ، فكأنه قال : فإذا وجدت لها قرنين كما يقول الكوفيون في قولهم : كنت أظن العقرب أشد لسعا من الزنبور ، فإذا هو إياها ، أن معناه : فإذا وجدته هو إياها . قوله : لم ترع بضم التاء المثناة من فوق وفتح الراء وسكون العين المهملة ، معناه : لم تخف ، قال الجوهري : يقال : لا ترع ، معناه : لا تخف ولا يلحقك خوف ، وفي رواية الكشميهني لن تراع وزاد فيه إنك رجل صالح ، وقال القرطبي : إنما فسر الشارع من رؤيا عبد الله بما هو ممدوح لأنه عرض على النار ، ثم عوفي منها ، وقيل له : لا روع عليك وذلك لصلاحه ، غير أنه لم يكن يقوم من الليل ، فحصل لعبد الله من ذلك تنبيه على أن قيام الليل مما يتقى به النار والدنو منها ، فلذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك ، وقال المهلب : السر في ذلك كون عبد الله كان ينام في المسجد ، ومن حق المسجد أن يتعبد فيه ، فنبه على ذلك بالتخويف بالنار . قوله : لو كان يصلي كلمة لو للتمني لا للشرط ، ولذلك لم يذكر لها جواب . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه قص الرؤيا على النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لأنها من الوحي ، وهي جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة كما نطق به - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، وفيه تمني الرؤيا الصالحة ليعرف صاحبها ما له عند الله وتمني الخير والعلم والحرص عليه ، وفيه جواز النوم في المسجد ولا كراهة فيه عند الشافعي ، وقال الترمذي : وقد رخص قوم من أهل العلم فيه ، وقال ابن عباس : لا تتخذه مبيتا ومقيلا ، وذهب إليه قوم من أهل العلم ، وقال ابن العربي : وذلك لمن كان له مأوى ، فأما الغريب فهو داره والمعتكف فهو بيته ، ويجوز للمريض أن يجعله الإمام في المسجد إذا أراد افتقاده ، كما كانت المرأة صاحبة الوشاح ساكنة في المسجد ، وكما ضرب الشارع قبة لسعد رضي الله تعالى عنه في المسجد حين سال الدم من جرحه ، ومالك وابن القاسم يكرهان المبيت فيه للحاضر القوي ، وجوزه ابن القاسم للضعيف الحاضر ، وفيه رؤية الملائكة في المنام وتحذيرهم للرائي لقوله : فرأيت ملكين أخذاني ، وفيه الانطلاق بالصالح إليها في المنام تخويفا ، وفيه الستر على مسلم وترك غيبته وذلك قوله : وإذا فيها أناس قد عرفتهم إنما أخبر بهم على الإجمال ليزدجروا وسكت عن بيانهم لئلا يغتابهم إن كانوا مسلمين ، وليس ذلك مما يختم عليهم بالنار ، وإما أن يكون ذلك تحذيرا كما حذر ابن عمر رضي الله عنهما ، وفيه القص على المرأة ، وفيه تبليغ حفصة ، وفيه قبول خبر المرأة ، وفيه استحياء ابن عمر عن قصه على النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفسه ، وفيه فضيلة قيام الليل ، وعليه بوب البخاري هذا الباب ، وفيه أن قيام الليل منج من النار ، وفيه فضل عبادة الشاب ، وفيه مدح لابن عمر ، وفيه تنبيه على صلاحه ، وفيه كراهة كثرة النوم بالليل ، وروى سعيد عن يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر مرفوعا قالت أم سليمان لسليمان : يا بني لا تكثر النوم بالليل ، فإن كثرة النوم بالليل تدع الرجل فقيرا يوم القيامة والله أعلم بحقيقة الحال .