حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب فضل قيام الليل

حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا هشام قال : أخبرنا معمر ح وحدثني محمود قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه رضي الله عنه قال : كان الرجل في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكنت غلاما شابا ، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار ، فإذا هي مطوية كطي البئر ، وإذا لها قرنان ، وإذا فيها أناس قد عرفتهم ، فجعلت أقول : أعوذ بالله من النار . قال : فلقينا ملك آخر فقال لي : لم ترع . فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل ، فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا .

مطابقته للترجمة في قوله : نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل وذلك أن الرجل إذا كان يصلي بالليل يستحق أن يوصف بنعم الرجل هذا ، واستحقاقه لذلك بسبب مباشرته صلاة الليل ، ولو لم يكن لصلاة الليل فضل لما استحق فاعلها الثناء الجميل ، وفي رواية نافع عن ابن عمر في التعبير إن عبد الله رجل صالح لو كان يصلي من الليل ، وهذا أصرح في المدح وأبين في المقصود . ( ذكر رجاله ) وهم ثمانية . الأول : عبد الله بن محمد الجعفي المسندي .

الثاني : هشام بن يوسف الصنعاني . الثالث : معمر بفتح الميمين ابن راشد . الرابع : محمود بن غيلان بفتح الغين المعجمة المروزي .

الخامس : عبد الرزاق بن همام . السادس : محمد بن مسلم الزهري . السابع : سالم بن عبد الله .

الثامن : أبوه عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وجعل خلف هذا الحديث في مسند ابن عمر ، وجعل بعضه في مسند حفصة ، وأورده ابن عساكر في مسند ابن عمر ، والحميدي في مسند حفصة ، وذكر في رواية نافع عن ابن عمر أنهما من مسند ابن عمر ، وقال : إذ لا ذكر فيها لحفصة ، فحاصله أنهم جعلوا رواية سالم من مسند حفصة ورواية نافع من مسند ابن عمر . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في «باب نوم الرجال في المسجد» فيما مضى ، وأخرجه فيما يأتي في «باب فضل من تعار من الليل» في مناقب ابن عمر ، وأخرجه مسلم في «فضائل عبد الله بن عمر» حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد واللفظ لعبد قالا : أخبرنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال : كان الرجل في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : وكنت غلاما شابا عزبا ، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار الحديث .

( ذكر معناه ) قوله : كان الرجل الألف واللام فيه لا تصلح أن تكون للعهد على ما لا يخفى ، بل هي للجنس . قوله : رؤيا على وزن فعلى بالضم بلا تنوين ، وهو يختص بالمنام ، كما أن الرأي يختص بالقلب والرؤية تختص بالعين . قوله : قصها من قصصت الرؤيا على فلان إذا أخبرته بها ، وأقصها قصا ، والقص البيان .

قوله : فتمنيت أن أرى ، وفي رواية الكشميهني أني أرى وزاد في التعبير من وجه آخر فقلت في نفسي : لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء ويؤخذ منه أن الرؤيا الصالحة تدل على خير رائيها . قوله : فإذا هي مطوية كلمة إذا للمفاجأة ، ومعنى مطوية مبنية الجوانب ، فإن لم تبن فهي القليب . قوله : فإذا لها قرنان ، أي : جانبان ، وقرنا الرأس جانباه ، ويقال : القرنان منارتان عن جانبي البئر تجعل عليهما الخشبة التي تعلق عليها البكرة .

قال الكرماني : أو ضفيرتان ، وفي بعضها : قرنين ( فإن قلت ) : فما وجهه إذ هو مشكل ؟ ( قلت ) : إما أن يقال : تقديره : فإذا لها مثل قرنين ، فحذف المضاف وترك المضاف إليه على إعرابه ، وهو كقراءة ( والله يريد الآخرة ) بجر الآخرة ، أي : عرض الآخرة ، وإما أن يقال : إذا المفاجأة تتضمن معنى الوجدان ، فكأنه قال : فإذا وجدت لها قرنين كما يقول الكوفيون في قولهم : كنت أظن العقرب أشد لسعا من الزنبور ، فإذا هو إياها ، أن معناه : فإذا وجدته هو إياها . قوله : لم ترع بضم التاء المثناة من فوق وفتح الراء وسكون العين المهملة ، معناه : لم تخف ، قال الجوهري : يقال : لا ترع ، معناه : لا تخف ولا يلحقك خوف ، وفي رواية الكشميهني لن تراع وزاد فيه إنك رجل صالح ، وقال القرطبي : إنما فسر الشارع من رؤيا عبد الله بما هو ممدوح لأنه عرض على النار ، ثم عوفي منها ، وقيل له : لا روع عليك وذلك لصلاحه ، غير أنه لم يكن يقوم من الليل ، فحصل لعبد الله من ذلك تنبيه على أن قيام الليل مما يتقى به النار والدنو منها ، فلذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك ، وقال المهلب : السر في ذلك كون عبد الله كان ينام في المسجد ، ومن حق المسجد أن يتعبد فيه ، فنبه على ذلك بالتخويف بالنار . قوله : لو كان يصلي كلمة لو للتمني لا للشرط ، ولذلك لم يذكر لها جواب .

( ذكر ما يستفاد منه ) فيه قص الرؤيا على النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لأنها من الوحي ، وهي جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة كما نطق به - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، وفيه تمني الرؤيا الصالحة ليعرف صاحبها ما له عند الله وتمني الخير والعلم والحرص عليه ، وفيه جواز النوم في المسجد ولا كراهة فيه عند الشافعي ، وقال الترمذي : وقد رخص قوم من أهل العلم فيه ، وقال ابن عباس : لا تتخذه مبيتا ومقيلا ، وذهب إليه قوم من أهل العلم ، وقال ابن العربي : وذلك لمن كان له مأوى ، فأما الغريب فهو داره والمعتكف فهو بيته ، ويجوز للمريض أن يجعله الإمام في المسجد إذا أراد افتقاده ، كما كانت المرأة صاحبة الوشاح ساكنة في المسجد ، وكما ضرب الشارع قبة لسعد رضي الله تعالى عنه في المسجد حين سال الدم من جرحه ، ومالك وابن القاسم يكرهان المبيت فيه للحاضر القوي ، وجوزه ابن القاسم للضعيف الحاضر ، وفيه رؤية الملائكة في المنام وتحذيرهم للرائي لقوله : فرأيت ملكين أخذاني ، وفيه الانطلاق بالصالح إليها في المنام تخويفا ، وفيه الستر على مسلم وترك غيبته وذلك قوله : وإذا فيها أناس قد عرفتهم إنما أخبر بهم على الإجمال ليزدجروا وسكت عن بيانهم لئلا يغتابهم إن كانوا مسلمين ، وليس ذلك مما يختم عليهم بالنار ، وإما أن يكون ذلك تحذيرا كما حذر ابن عمر رضي الله عنهما ، وفيه القص على المرأة ، وفيه تبليغ حفصة ، وفيه قبول خبر المرأة ، وفيه استحياء ابن عمر عن قصه على النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفسه ، وفيه فضيلة قيام الليل ، وعليه بوب البخاري هذا الباب ، وفيه أن قيام الليل منج من النار ، وفيه فضل عبادة الشاب ، وفيه مدح لابن عمر ، وفيه تنبيه على صلاحه ، وفيه كراهة كثرة النوم بالليل ، وروى سعيد عن يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر مرفوعا قالت أم سليمان لسليمان : يا بني لا تكثر النوم بالليل ، فإن كثرة النوم بالليل تدع الرجل فقيرا يوم القيامة والله أعلم بحقيقة الحال .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث