17 - بَاب فَضْلِ الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَفَضْلِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوُضُوءِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ 1149 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ : يَا بِلَالُ ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ ، قَالَ : مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : دَفَّ نَعْلَيْكَ : يَعْنِي : تَحْرِيكَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ فَضْلِ الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَفَضْلِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ) كَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَلِغَيْرِهِ : بَعْدَ الْوُضُوءِ . وَاقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى الشِّقِّ الثَّانِي مِنَ التَّرْجَمَةِ ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَأَكْثَرُ الشُّرَّاحِ ، وَالشِّقُّ الْأَوَّلُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي حَيَّانَ ) هُوَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ التَّيْمِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَأَبُو زُرْعَةَ هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجْلِيُّ . قَوْلُهُ : ( قَالَ لِبِلَالٍ ) ؛ أَيِ : ابْنِ رَبَاحٍ الْمُؤَذِّنِ ، وَقَوْلُهُ : عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْمَنَامِ ؛ لِأَنَّ عَادَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُصُّ مَا رَآهُ وَيَعْبُرُ مَا رَآهُ أَصْحَابُهُ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ . قَوْلُهُ : ( بِأَرْجَى عَمَلٍ ) بِلَفْظِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ الْمَبْنِيِّ مِنَ الْمَفْعُولِ ، وَإِضَافَةُ الْعَمَلِ إِلَى الرَّجَاءِ ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الدَّاعِي إِلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( فِي الْإِسْلَامِ ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ : مَنْفَعَةً عِنْدَكَ . قَوْلُهُ : ( أَنِّي ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَمِنْ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَهَا صِلَةٌ لِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ ، وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْ بِنُونٍ خَفِيفَةٍ بَدَلَ : أَنِّي . قَوْلُهُ : ( فَإِنِّي سَمِعْتُ ) زَادَ مُسْلِمٌ : اللَّيْلَةَ ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْمَنَامِ . قَوْلُهُ : ( دَفَّ نَعْلَيْكَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ، وَضَبَطَهَا الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بِالْإِعْجَامِ وَالْفَاءُ مُثَقَّلَةٌ ، وَقَدْ فَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِالتَّحْرِيكِ ، وَقَالَ الْخَلِيلُ : دَفَّ الطَّائِرُ إِذَا حَرَّكَ جَنَاحَيْهِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رِجْلَيْهِ ، وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ : الدَّفُّ الْحَرَكَةُ الْخَفِيفَةُ وَالسَّيْرُ اللَّيِّنُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : خَشْفَ بِفَتْحِ الْخَاءِ ، وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ ، وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ : الْخَشْفُ الْحَرَكَةُ الْخَفِيفَةُ . وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ : سَمِعْتُ خَشْفَةً . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا : خَشْخَشَةَ بِمُعْجَمَتَيْنِ مُكَرَّرَتَيْنِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْحَرَكَةِ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( طَهُورًا ) زَادَ مُسْلِمٌ تَامًّا ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجَ بِذَلِكَ الْوُضُوءُ اللُّغَوِيُّ ، فَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِطَرْدِ النَّوْمِ مَثَلًا . قَوْلُهُ : ( فِي سَاعَةٍ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ ) بِتَنْوِينِ سَاعَةٍ وَخَفْضِ لَيْلٍ عَلَى الْبَدَلِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا صَلَّيْتُ ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : لِرَبِّي . قَوْلُهُ : ( مَا كُتِبَ لِي ) أَيْ قُدِّرَ ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : إِنَّمَا اعْتَقَدَ بِلَالٌ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ ، وَأَنَّ عَمَلَ السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْجَهْرِ ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ إِيرَادُ مَنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ غَيْرَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْمَالِ الَّتِي سَأَلَهُ عَنْ إِرْجَائِهَا : الْأَعْمَالُ الْمُتَطَوَّعُ بِهَا ، وَإِلَّا فَالْمَفْرُوضَةُ أَفْضَلُ قَطْعًا . وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي تَوْقِيتِ الْعِبَادَةِ ؛ لِأَنَّ بِلَالًا تَوَصَّلَ إِلَى مَا ذَكَرْنَا بِالِاسْتِنْبَاطِ ، فَصَوَّبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الصَّلَاةِ عَقِبَ الْوُضُوءِ لِئَلَّا يَبْقَى الْوُضُوءُ خَالِيًا عَنْ مَقْصُودِهِ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : فِيهِ أَنَّ اللَّهَ يُعَظِّمُ الْمُجَازَاةَ عَلَى مَا يَسُرُّهُ الْعَبْدُ مِنْ عَمَلِهِ . وَفِيهِ سُؤَالُ الصَّالِحِينَ عَمَّا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِيَقْتَدِيَ بِهَا غَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ . وَفِيهِ أَيْضًا سُؤَالُ الشَّيْخِ عَنْ عَمَلِ تِلْمِيذِهِ لِيَحُضَّهُ عَلَيْهِ ، وَيُرَغِّبَهُ فِيهِ إِنْ كَانَ حَسَنًا ، وَإِلَّا فَيَنْهَاهُ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ هَذِهِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : فِي كُلِّ سَاعَةٍ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَخْذَ بِعُمُومِهِ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنَ الْأَخْذِ بِعُمُومِ النَّهْيِ . وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْفَوْرِيَّةَ ، فَيُحْمَلُ عَلَى تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ قَلِيلًا لِيَخْرُجَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يُؤَخِّرُ الطُّهُورَ إِلَى آخِرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ لِتَقَعَ صَلَاتُهُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ ، لَكِنْ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ : مَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهَا . وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِهِ : مَا أَحْدَثْتُ إِلَّا تَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُعْقِبُ الْحَدَثَ بِالْوُضُوءِ ، وَالْوُضُوءُ بِالصَّلَاةِ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ السَّمَاعَ الْمَذْكُورَ وَقَعَ فِي النَّوْمِ ؛ لِأَنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْيَقِظَةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَهَا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ . وَأَمَّا بِلَالٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهُ دَخَلَهَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : فِي الْجَنَّةِ ظَرْفٌ لِلسَّمَاعِ ، وَيَكُونُ الدَّفُّ بَيْنَ يَدَيْهِ خَارِجًا عَنْهَا . انْتَهَى . وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الِاحْتِمَالِ ؛ لِأَنَّ السِّيَاقَ مُشْعِرٌ بِإِثْبَاتِ فَضِيلَةِ بِلَالٍ ، لِكَوْنِهِ جَعَلَ السَّبَبَ الَّذِي بَلَغَهُ إِلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ مُلَازَمَةِ التَّطَهُّرِ وَالصَّلَاةِ ، وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ لَهُ الْفَضِيلَةُ بِأَنْ يَكُونَ رُئِيَ دَاخِلَ الْجَنَّةِ لَا خَارِجًا عَنْهَا ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْمَذْكُورِ : يَا بِلَالُ ، بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ ؟ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي كَوْنِهِ رَآهُ دَاخِلَ الْجَنَّةِ ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهُ وَقَعَ فِي الْمَنَامِ مَا سَيَأْتِي فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا : رَأَيْتُنِي دَخَلْتُ الْجَنَّةَ ، فَسَمِعْتُ خَشَفَةً ، فَقِيلَ : هَذَا بِلَالٌ ، وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفِنَائِهِ جَارِيَةٌ ، فَقِيلَ : هَذَا لِعُمَرَ . الْحَدِيثَ ، وَبَعْدَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ ، فَقِيلَ : هَذَا لِعُمَرَ . الْحَدِيثَ ، فَعُرِفَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْمَنَامِ ، وَثَبَتَتِ الْفَضِيلَةُ بِذَلِكَ لِبِلَالٍ ؛ لِأَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ، وَلِذَلِكَ جَزَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِذَلِكَ . وَمَشْيُهُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ فِي الْيَقِظَةِ ، فَاتَّفَقَ مِثْلُهُ فِي الْمَنَامِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ دُخُولُ بِلَالٍ الْجَنَّةَ قَبْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ التَّابِعِ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَقَاءِ بِلَالٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ ، وَاسْتِمْرَارِهِ عَلَى قُرْبِ مَنْزِلَتِهِ ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِبِلَالٍ . وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ إِدَامَةِ الطَّهَارَةِ ، وَمُنَاسَبَةُ الْمُجَازَاةِ عَلَى ذَلِكَ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ ؛ لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ الدَّوَامِ عَلَى الطَّهَارَةِ أَنْ يَبِيتَ الْمَرْءُ طَاهِرًا ، وَمَنْ بَاتَ طَاهِرًا عَرَجَتْ رُوحُهُ فَسَجَدَتْ تَحْتَ الْعَرْشِ ، كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَالْعَرْشُ سَقْفُ الْجَنَّةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ . وَزَادَ بُرَيْدَةُ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا . وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا الثَّوَابَ وَقَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعَمَلِ ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يُدْخِلُ أَحَدَكُمُ الْجَنَّةَ عَمَلُهُ ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْأَجْوِبَةِ الْمَشْهُورَةِ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَنَّ أَصْلَ الدُّخُولِ إِنَّمَا يَقَعُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ ، وَاقْتِسَامِ الدَّرَجَاتِ بِحَسَبِ الْأَعْمَالِ ، فَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي هَذَا . وَفِيهِ : أَنَّ الْجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الْآنَ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَوْلُ الْكِرْمَانِيُّ : لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ ، مَعَ قَوْلِهِ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَهَا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ ، وَكَانَ الْمِعْرَاجُ فِي الْيَقِظَةِ عَلَى الصَّحِيحِ ، ظَاهِرُهُمَا التَّنَاقُضُ ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ النَّفْيِ إِنْ كَانَ ثَابِتًا عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ، أَوْ يُخَصُّ فِي الدُّنْيَا بِمَنْ خَرَجَ عَنْ عَالَمِ الدُّنْيَا ، وَدَخَلَ فِي عَالَمَ الْمَلَكُوتِ ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا أَجَابَ بِهِ السُّهَيْلِيُّ عَنِ اسْتِعْمَالِ طَسْتِ الذَّهَبِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَضْلِ الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَفَضْلِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوُضُوءِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار · ص 41 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب فضل الطهور بالليل والنهار وفضل الصلاة بعد الوضوء بالليل والنهار · ص 205 ( باب فضل الطهور بالليل والنهار وفضل الصلاة بعد الوضوء بالليل والنهار ) أي هذا باب في بيان فضيلة الطهور ، وهو الوضوء بالليل والنهار ، وفي رواية الكشميهني : باب فضل الطهور بالليل والنهار ، وفضل الصلاة عند الطهور بالليل والنهار ، وفي بعض النسخ بعد الوضوء موضع عند الطهور ، وفي بعضها باب فضل الصلاة عند الطهور بالليل والنهار ، وهو الشق الثاني من رواية الكشميهني ، وعليه اقتصر الإسماعيلي وأكثر الشراح . 179 - حدثنا إسحاق بن نصر ، قال : حدثنا أبو أسامة ، عن أبي حيان ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال عند صلاة الفجر : يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام ، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة ، قال : ما عملت عملا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي . مطابقته للترجمة لا تتأتى إلا في الشق الثاني من رواية الكشميهني ، وهو قوله : ( وفضل الصلاة عند الطهور بالليل والنهار ) . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ؛ الأول : إسحاق بن نصر ، وهو إسحاق بن إبراهيم بن نصر ، فالبخاري يروي عنه في الجامع في غير موضع لكنه تارة يقول : حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن نصر ، وتارة يقول : حدثنا إسحاق بن نصر فينسبه إلى جده . الثاني : أبو أسامة حماد بن أسامة . الثالث : أبو حيان بتشديد الياء آخر الحروف ، واسمه يحيى بن سعيد ، ووقع في التوضيح يحيى بن حيان ، وهو غلط . الرابع : أبو زرعة اسمه هرم بن جرير بن عبد الله البجلي . الخامس : أبو هريرة رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه ذكر الراوي باسم جده ، وفيه ثلاثة من الرواة مذكورون بالكنية ، وآخر من الصحابة ، وفيه أن شيخه بخاري ، وأبو أسامة وأبو حيان وأبو زرعة كوفيون . وقال المزي في الأطراف : أخرجه مسلم في «الفضائل» عن عبيد بن يعيش ، وأبي كريب محمد بن العلاء ، كلاهما عن أبي أسامة ، وعن محمد بن عبد الله بن نمير ، عن أبيه ، عن أبي حيان به ، وأخرجه النسائي في «المناقب» عن محمد بن عبد الله المخزومي ، عن أبي أسامة به . ( ذكر معناه ) قوله : ( قال لبلال ) هو ابن رباح المؤذن ، قوله : ( في صلاة الفجر ) إشارة إلى أن ذلك وقع في المنام ؛ لأن عادته صلى الله عليه وسلم أنه كان يقص ما رآه ، ويعبر ما رآه غيره من أصحابه بعد صلاة الفجر على ما يأتي في «كتاب التعبير» ، قوله : ( بأرجى عمل ) أرجى على وزن أفعل التفضيل بمعنى المفعول ، لا بمعنى الفاعل ، وأضيف إلى العمل ؛ لأنه الداعي إليه ، وهو السبب فيه ، قوله : ( في الإسلام ) ، وفي رواية مسلم : ( حدثني بأرجى عمل عملته عندك في الإسلام منفعة ) . قوله : ( فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة ) ، وفي رواية مسلم : ( فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي ) ، قوله : ( في الجنة ) ، وفي رواية الإسماعيلي : ( حفيف نعليك ) ، وفي رواية الحاكم على شرط الشيخين : ( يا بلال بم سبقتني إلى الجنة دخلت البارحة فسمعت خشخشتك أمامي ) . وعند أحمد والترمذي : ( فإني سمعت خشخشة نعليك ) والخشخشة الحركة التي لها صوت كصوت السلاح ، وفي رواية ابن السكن : ( دوي نعليك ) بضم الدال المهملة يعني صوتهما ، وأما الدف فهو بفتح الدال المهملة وتشديد الفاء ، قال ابن سيده : الدفيف سير لين ، دف يدف دفيفا ، ودف الماشي على وجه الأرض إذا جد ، ودف الطائر وأدف ضرب جنبيه بجناحيه ، وقيل : هو إذا حرك جناحيه ورجلاه في الأرض ، وزعم أبو موسى المديني في المغيث أن حديث بلال هذا ( سمعت دف نعليك ) أي حفيفهما وما يحس من صوتهما عند وطئهما ، وذكره صاحب التتمة بالذال المعجمة ، وأصله السير السريع ، وقد يقال : دف نعليك بالدال المهملة ومعناهما قريب . قوله : ( أني ) بفتح الهمزة وكلمة من مقدرة قبلها ليكون صلة أفعل التفضيل ، وجاز الفاصلة بالظرف بين أفعل وصلته هذا ما قاله الكرماني وتحريره : أن أفعل التفضيل لا يستعمل في الكلام إلا بأحد الأشياء الثلاثة ، وهي الألف واللام ، والإضافة ، وكلمة من ، وهاهنا لفظ ( أرجى ) أفعل التفضيل كما قلنا ، وهي خالية عن هذه الأشياء فقدر كلمة من تقديره : ما عملت عملا أرجئ من أني لم أتطهر طهورا ، أي لم أتوضأ وضوءا ، وهو يتناول الغسل أيضا ، قوله : وجاز الفاصلة بالظرف ، أراد بالفاصلة هنا قوله : ( عندي ) فإنه ظرف فصل به بين كلمة ( أرجى ) وبين كلمة من المقدرة فافهم . قوله : ( طهورا ) بضم الطاء ، وفي رواية مسلم : ( طهورا تاما ) ويحترز بالتمام عن الوضوء اللغوي ، وهو غسل اليدين ؛ لأنه قد يفعل ذلك لطرد النوم ، قوله : ( في ساعة ) بالتنوين ، قوله : ( ليل ) بالجر بدل من ساعة ، وفي رواية مسلم ( من ليل أو نهار ) ، قوله : ( ما كتب لي ) على صيغة المجهول ، وهو جملة في محل النصب ، وفي رواية ( ما كتب الله لي ) أي ما قدر ، وهو أعم من الفرض والنفل ، قوله : ( أن أصلي ) في محل الرفع على رواية البخاري ، وعلى رواية مسلم في محل النصب . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه أن الصلاة أفضل الأعمال بعد الإيمان ؛ لقول بلال : إنه ما عمل عملا أرجى منه ، وفيه دليل على أن الله تعالى يعظم المجازاة على ما يسر به العبد بينه وبين ربه مما لا يطلع عليه أحد ، وقد استحب ذلك العلماء ليدخرها وليبعدها عن الرياء ، وفيه فضيلة الوضوء ، وفضيلة الصلاة عقيبه ؛ لئلا يبقى الوضوء خاليا عن مقصوده ، وفيه فضيلة بلال رضي الله تعالى عنه ، فلذلك بوب عليه مسلم حيث قال : باب فضائل بلال بن رباح مولى أبي بكر رضي الله تعالى عنهما ، ثم روى الحديث المذكور ، وفيه سؤال الصالحين عن عمل تلميذه ليحضه عليه ويرغبه فيه إن كان حسنا وإلا فينهاه ، وفيه أن الجنة مخلوقة موجودة الآن خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة ، وفيه ما استدل به البعض على جواز هذه الصلاة في الأوقات المكروهة ، وهو عموم قوله : ( في ساعة ) بالتنكير ، أي في كل ساعة ، ورد بأن الأخذ بعموم هذا ليس بأولى من الأخذ بعموم النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة ، وقال ابن التين : ليس فيه ما يقتضي الفورية فيحمل على تأخير الصلاة قليلا ليخرج وقت الكراهة ، أو أنه كان يؤخر الطهور إلى خروج وقت الكراهة فتقع صلاته في غير وقت الكراهة ، واعترض بعضهم بقوله : لكن عند الترمذي وابن خزيمة من حديث بريدة في نحو هذه القضية : ( ما أصابني حدث قط إلا توضأت عنده ) ، ولأحمد من حديثه : ( ما أحدثت إلا توضأت وصليت ركعتين ) فدل على أنه كان يعقب الحدث بالوضوء والوضوء بالصلاة في أي وقت كان انتهى . ( قلت ) : حديث بريدة الذي رواه الترمذي ذكره الترمذي في «مناقب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه» قال : حدثنا الحسين بن حريث أبو عمار المروزي ، قال : حدثنا علي بن الحسين بن واقد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عبد الله بن بريدة ، قال : ( حدثني أبو بريدة ، قال : أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بلالا فقال : يا بلال بم سبقتني إلى الجنة ؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي ) . قال : دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي ، فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب فقلت : لمن هذا القصر ؟ قالوا : لرجل من العرب ، فقلت : أنا عربي ، لمن هذا القصر ؟ قالوا : لرجل من قريش ، فقلت : أنا قرشي ، لمن هذا القصر ؟ قالوا : لرجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقلت : أنا محمد ، لمن هذا القصر ؟ قالوا : لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال بلال : يا رسول الله ، ما أذنت قط إلا صليت ركعتين ، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها ، ورأيت أن لله علي ركعتين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بهما . وأما جواب هذا المعترض فما مر ذكره الآن ، وهو قولنا ورد بأن الأخذ بعموم هذا إلى آخره ، ويجوز أن تكون أخبار النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة بعد هذا الحديث . ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قاله الكرماني ، ( فإن قلت ) : هذا السماع لا بد أن يكون في النوم إذ لا يدخل أحد الجنة إلا بعد الموت . ( قلت ) : يحتمل كونه في حال اليقظة ، وقد صرح في أول كتاب الصلاة أنه دخل فيها ليلة المعراج انتهى . ( قلت ) : في كلاميه تناقض لا يخفى ؛ لأنه ذكر أولا أن دخوله صلى الله عليه وسلم الجنة في حال اليقظة محتمل ، ثم قال ثانيا : فالتحقيق أنه دخلها ليلة المعراج ، والأوجه أن يقال : إن قوله : لا يدخل أحد الجنة إلا بعد الموت ليس على عمومه ، أو نقول هذا على عمومه ولكنه في حق من كان من عالم الكون والفساد ، والنبي صلى الله عليه وسلم لما جاوز السماوات السبع ، وبلغ إلى سدرة المنتهى خرج من أن يكون من أهل هذا العالم ، فلا يمتنع بعد هذا دخوله الجنة قبل الموت ، وقد تفردت بهذا الجواب . ومنها ما قيل : كيف يسبق بلال النبي صلى الله عليه وسلم في دخول الجنة ، والجنة محرمة على من يدخل فيها قبل دخوله صلى الله عليه وسلم ؟ والجواب فيما ذكره الكرماني بقوله : وأما بلال فلم يلزم منه أنه دخل فيها ، إذ في الجنة طرق السماع والدف بين يديه ، وقد يكون خارجا عنها ، واستبعد بعضهم هذا الجواب بقوله ؛ لأن السياق يشعر بإثبات فضيلة بلال ؛ لكونه جعل السبب الذي بلغه إلى ذلك ما ذكره من ملازمة التطهر والصلاة ، وإنما تثبت له الفضيلة بأن يكون رئي داخل الجنة لا خارجا عنها ، ثم أكد كلامه بحديث بريدة المذكور . ( قلت ) : التحقيق فيه أن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم إياه في الجنة حق ؛ لأن رؤيا الأنبياء حق ، وقال الترمذي : ويروى أن رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحي ، وأما سبق بلال النبي صلى الله عليه وسلم في الدخول في هذه الصورة ، فليس هو من حيث الحقيقة ، وإنما هو بطريق التمثيل ؛ لأن عادته في اليقظة أنه كان يمشي أمامه ، فلذلك تمثل له في المنام ، ولا يلزم من ذلك السبق الحقيقي في الدخول . ومنها ما قيل : إن دخول بلال الجنة ، وحصول هذه المنقبة له إنما كان بسبب تطهره عند كل حدث ، وصلاته عند كل وضوء بركعتين كما صرح به في آخر حديث بريدة بقوله : ( بهما ) أي بالتطهر عند كل حدث ، والصلاة بركعتين عند كل وضوء ، وقد جاء : ( إن أحدكم لا يدخل الجنة بعمله ) . ( قلت ) : أصل الدخول برحمة الله تعالى وزيادة الدرجات والتفاوت فيها بحسب الأعمال وكذا يقال في قوله تعالى : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ