1151 - قال : وقال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ : ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ قُلْتُ : فُلَانَةُ ، لَا تَنَامُ بِاللَّيْلِ - فَذُكِرَ مِنْ صَلَاتِهَا - فَقَالَ : مَهْ ، عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنْ الْأَعْمَالِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ) يَعْنِي : الْقَعْنَبِيَّ ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ ، وَالْمُسْتَمْلِي : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي الْمُوَطَّأِ رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : تَفَرَّدَ الْقَعْنَبِيُّ بِرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ دُونَ بَقِيَّةِ رُوَاتِهِ ، فَإِنَّهُمُ اقْتَصَرُوا مِنْهُ عَلَى طَرَفٍ مُخْتَصَرٍ . قَوْلُهُ : ( تَذْكُرُ ) لِلْمُسْتَمْلِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ الْمُؤَنَّثِ ، وَلِلْحَمَوِيِّ بِضَمِّهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ بِالتَّذْكِيرِ ، ولِلكُشْمِيهَنِيِّ : فَذُكِرَ بِفَاءٍ ، وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ ، وَكَسْرِ الْكَافِ ، وَلِكُلٍّ وَجْهٌ . وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ ذَلِكَ قَوْلُ عُرْوَةَ ، أَوْ مَنْ دُونَهُ ، وَعَلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ حَالٍ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهَا : لَا تَنَامُ اللَّيْلَ ، وَوَصْفُهَا بِذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، وَسُئِلَ الشَّافِعِيُّ عَنْ قِيَامِ جَمِيعِ اللَّيْلِ فَقَالَ : لَا أَكْرَهُهُ ، إِلَّا لِمَنْ خَشِيَ أَنْ يَضُرَّ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ . وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَوَابِ ذَلِكَ : مَهْ إِشَارَةٌ إِلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ خَشْيَةَ الْفُتُورِ وَالْمَلَالِ عَلَى فَاعِلِهِ ؛ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ عَنْ عِبَادَةٍ الْتَزَمَهَا ، فَيَكُونُ رُجُوعًا عَمَّا بَذَلَ لِرَبِّهِ مِنْ نَفْسِهِ . وَقَوْلُهُ : ( عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنَ الْأَعْمَالِ ) هُوَ عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ وَفِي غَيْرِهَا . وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْإِيمَانِ بِدُونِ قَوْلِهِ : مِنَ الْأَعْمَالِ ، فَحَمَلَهُ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى الصَّلَاةِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِيهَا ، وَحَمْلُهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ أَوْلَى ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ فَوَائِدِ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَالْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا فِي بَابِ : أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ . وَمِمَّا يَلْحَقُ هُنَا أَنِّي وَجَدْتُ بَعْضَ مَا ذُكِرَ هُنَاكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ احْتِمَالًا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى تَمَلُّوا مِنَ الْعَمَلِ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّشْدِيدِ فِي الْعِبَادَة · ص 45 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يكره من التشديد في العبادة · ص 209 ( قال : وقال : عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كانت عندي امرأة من بني أسد ، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من هذه ؟ قلت : فلانة لا تنام الليل ، فذكر من صلاتها فقال : مه ، عليكم ما تطيقون من الأعمال ؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وهو زجره صلى الله عليه وسلم بقوله : " مه " إلى آخره ، فإن حاصل معناه النهي عن التشديد في العبادة ، ورجاله على هذا الوجه قد مروا غير مرة ، وهذا تعليق رواه في «كتاب الإيمان» في «باب أحب الدين إلى الله أدومه» وقال : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا يحيى ، عن هشام ، قال : أخبرني أبي ، " عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة " الحديث ، قوله : " قال عبد الله " هكذا رواية الأكثرين ، وفي رواية الحموي والمستملي : حدثنا عبد الله ، وهكذا في الموطأ رواية القعنبي ، وقال ابن عبد البر : تفرد القعنبي بروايته عن مالك في الموطأ دون بقية رواته ، فإنهم اقتصروا منه على طرف مختصر ، ورواه أبو نعيم من حديث محمد بن غالب ، عن عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، ووقع في آخره رواه البخاري قال : قال عبد الله بن مسلمة : وأسنده الإسماعيلي من طريق يونس ، عن ابن وهب ، عن مالك . ورواه مسلم من حديث ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، قوله : " فلانة " غير منصرف ، واسمها حولاء بفتح الحاء المهملة وبالمد ، وكانت عطارة ، قوله : " الليل " نصب على الظرفية ، ويروى " بالليل " أي في الليل ، قوله : " فذكر " بفاء العطف ، وذكر على صيغة المجهول من الماضي ، وهو رواية الكشميهني ، وفي رواية المستملي بصيغة المعلوم من المضارع ، وفي رواية الحموي على صيغة المجهول للمذكر من المضارع ، ولكل واحد منها وجه ، فرواية المستملي من قول عروة أو من دونه ، وفي رواية الآخرين يحتمل أن يكون من كلام عائشة ، وعلى كل حال هو تفسير لقولها : " لا تنام الليل " ، قوله : " مه " بفتح الميم وسكون الهاء ، ومعناه اكفف ، قوله : " عليكم " اسم فعل معناه الزموا ، قوله : " ما تطيقون " مرفوع أو منصوب به ، قوله : " الأعمال " عام في الصلاة وغيرها وحمله الباجي وغيره على الصلاة خاصة ؛ لأن الحديث ورد فيها ، وحمله على العموم أولى لأن العبرة لعموم اللفظ ، قوله : " لا يمل " بفتح الميم أي لا يترك الثواب حتى تتركوا العمل بالملل ، وهو من باب المشاكلة وقد مر الكلام فيه في الباب المذكور مستوفى . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الاقتصاد في العبادة والحث عليه ، وفيه النهي عن التعمق وقال تعالى : لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ والله أرحم بالعبد من نفسه ، وإنما كره التشديد في العبادة خشية الفتور والملالة ، وقال تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وقال : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وفيه مدح الشخص بالعمل الصالح .