حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّشْدِيدِ فِي الْعِبَادَة

قال : وقال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ : ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ قُلْتُ : فُلَانَةُ ، لَا تَنَامُ بِاللَّيْلِ - فَذُكِرَ مِنْ صَلَاتِهَا - فَقَالَ : مَهْ ، عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنْ الْأَعْمَالِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ) يَعْنِي : الْقَعْنَبِيَّ ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ ، وَالْمُسْتَمْلِي : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي الْمُوَطَّأِ رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : تَفَرَّدَ الْقَعْنَبِيُّ بِرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ دُونَ بَقِيَّةِ رُوَاتِهِ ، فَإِنَّهُمُ اقْتَصَرُوا مِنْهُ عَلَى طَرَفٍ مُخْتَصَرٍ . قَوْلُهُ : ( تَذْكُرُ ) لِلْمُسْتَمْلِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ الْمُؤَنَّثِ ، وَلِلْحَمَوِيِّ بِضَمِّهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ بِالتَّذْكِيرِ ، ولِلكُشْمِيهَنِيِّ : فَذُكِرَ بِفَاءٍ ، وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ ، وَكَسْرِ الْكَافِ ، وَلِكُلٍّ وَجْهٌ .

وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ ذَلِكَ قَوْلُ عُرْوَةَ ، أَوْ مَنْ دُونَهُ ، وَعَلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ حَالٍ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهَا : لَا تَنَامُ اللَّيْلَ ، وَوَصْفُهَا بِذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، وَسُئِلَ الشَّافِعِيُّ عَنْ قِيَامِ جَمِيعِ اللَّيْلِ فَقَالَ : لَا أَكْرَهُهُ ، إِلَّا لِمَنْ خَشِيَ أَنْ يَضُرَّ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ . وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَوَابِ ذَلِكَ : مَهْ إِشَارَةٌ إِلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ خَشْيَةَ الْفُتُورِ وَالْمَلَالِ عَلَى فَاعِلِهِ ؛ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ عَنْ عِبَادَةٍ الْتَزَمَهَا ، فَيَكُونُ رُجُوعًا عَمَّا بَذَلَ لِرَبِّهِ مِنْ نَفْسِهِ . وَقَوْلُهُ : ( عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنَ الْأَعْمَالِ ) هُوَ عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ وَفِي غَيْرِهَا .

وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْإِيمَانِ بِدُونِ قَوْلِهِ : مِنَ الْأَعْمَالِ ، فَحَمَلَهُ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى الصَّلَاةِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِيهَا ، وَحَمْلُهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ أَوْلَى ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ فَوَائِدِ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَالْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا فِي بَابِ : أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ . وَمِمَّا يَلْحَقُ هُنَا أَنِّي وَجَدْتُ بَعْضَ مَا ذُكِرَ هُنَاكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ احْتِمَالًا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى تَمَلُّوا مِنَ الْعَمَلِ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث