بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّشْدِيدِ فِي الْعِبَادَة
بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّشْدِيدِ فِي الْعِبَادَةِ 1150 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا الْحَبْلُ ؟ قَالُوا : هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ، حُلُّوهُ ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّشْدِيدِ فِي الْعِبَادَةِ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : إِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الْمَلَالِ الْمُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْعِبَادَةِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ .
قَوْلُهُ : ( دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ الْمَسْجِدَ . قَوْلُهُ : ( بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ ) أَيِ اللَّتَيْنِ فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ ، وَكَأَنَّهُمَا كَانَتَا مَعْهُودَتَيْنِ لِلْمُخَاطَبِ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ ؛ بِالتَّنْكِيرِ . قَوْلُهُ : ( قَالُوا : هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ ) جَزَمَ كَثِيرٌ مِنَ الشُّرَّاحِ تَبَعًا لِلْخَطِيبِ فِي مُبْهَمَاتِهِ بِأَنَّهَا بِنْتُ جَحْشٍ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ صَرِيحًا .
وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ بْنِ الْمُلَقِّنِ أَنَّ ابْنَ أَبِي شَيْبَةَ رَوَاهُ كَذَلِكَ ، لَكِنِّي لَمْ أَرَ فِي مُسْنَدِهِ وَمُصَنَّفِهِ زِيَادَةً عَلَى قَوْلِهِ : قَالُوا لِزَيْنَبَ . أَخْرَجَهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ شَيْخَيْنِ لَهُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، فَقَالَ عَنْ أَحَدِهِمَا : زَيْنَبُ ، وَلَمْ يَنْسُبْهَا ، وَقَالَ عَنْ آخَرَ : حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ، فَهَذِهِ قَرِينَةٌ فِي كَوْنِ زَيْنَبَ هِيَ بِنْتَ جَحْشٍ . وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهَا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ أَيْضًا ، فَلَعَلَّ نِسْبَةَ الْحَبْلِ إِلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِلْكٌ لِإِحْدَاهُمَا وَالْأُخْرَى الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ أَنَّ بَنَاتِ جَحْشٍ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تُدْعَى زَيْنَبُ فِيمَا قِيلَ ، فَعَلَى هَذَا فَالْحَبْلُ لِحَمْنَةَ ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا زَيْنَبُ بِاعْتِبَارِ اسْمِهَا الْآخَرِ .
وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ : فَقَالُوا : لِمَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ ، وَقِيلَ : يُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ ، وَوَهِمَ مَنْ فَسَّرَهَا بِجُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ، فَإِنَّ لِتِلْكَ قِصَّةً أُخْرَى تَقَدَّمَتْ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَزَادَ مُسْلِمٌ : فَقَالُوا : لِزَيْنَبَ تُصَلِّي . قَوْلُهُ : ( فَإِذَا فَتَرَتْ ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ أَيْ : كَسِلَتْ عَنِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِالشَّكِّ : فَإِذَا فَتَرَتْ أَوْ كَسِلَتْ .
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ) يَحْتَمِلُ النَّفْيَ ؛ أَيْ : لَا يَكُونُ هَذَا الْحَبْلُ ، أَوْ لَا يُحْمَدُ ، وَيَحْتَمِلُ النَّهْيَ ؛ أَيْ : لَا تَفْعَلُوهُ ، وَسَقَطَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ . قَوْلُهُ : ( نَشَاطُهُ ) بِفَتْحِ النُّونِ ؛ أَيْ : مُدَّةَ نَشَاطِهِ . قَوْلُهُ : ( فَلْيَقْعُدْ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرًا بِالْقُعُودِ عَنِ الْقِيَامِ ، فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى جَوَازِ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ قَائِمًا وَالْقُعُودِ فِي أَثْنَائِهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ فِيهِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بِالْقُعُودِ عَنِ الصَّلَاةِ ؛ أَيْ : بِتَرْكِ مَا كَانَ عَزَمَ عَلَيْهِ مِنَ التَّنَفُّلِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ قَطْعِ النَّافِلَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ حَدِيثُ : إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنَمْ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقْرَأُ ، وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَيْضًا ، وَلَعَلَّهُ طَرَفٌ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ . وَفِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ أَيْضًا : إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ ، حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ وَفِيهِ : لِئَلَّا يَسْتَغْفِرَ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ ، وَيَجِيءُ مِنَ الِاحْتِمَالِ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ . وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الِاقْتِصَادِ فِي الْعِبَادَةِ ، وَالنَّهْيُ عَنِ التَّعَمُّقِ فِيهَا ، وَالْأَمْرُ بِالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا بِنَشَاطٍ ، وَفِيهِ إِزَالَةُ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ ، وَجَوَازُ تَنَفُّلِ النِّسَاءِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّعَلُّقِ فِي الْحَبْلِ فِي الصَّلَاةِ ، وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي بَابِ اسْتِعَانَةِ الْيَدِ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ .