31 - بَاب صَلَاةِ الضُّحَى فِي السَّفَرِ 1175 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ تَوْبَةَ ، عَنْ مُوَرِّقٍ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَتُصَلِّي الضُّحَى ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : فَعُمَرُ ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : فَأَبُو بَكْرٍ ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : لَا إِخَالُهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى فِي السَّفَرِ ) ذُكِرَ فِيهِ حَدِيثُ مُوَرِّقٍ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ أَتُصَلِّي الضُّحَى ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَعُمَرُ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَأَبُو بَكْرٍ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : لَا إِخَالُهُ . وَحَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ فِي صَلَاةِ الضُّحَى يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ . وَقَدْ أَشْكَلَ دُخُولُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ، وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ : لَيْسَ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَإِنَّمَا يَصْلُحُ فِي بَابِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الضُّحَى ، وَأَظُنُّهُ مِنْ غَلَطِ النَّاسِخِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمَّا تَعَارَضَتْ عِنْدَهُ الْأَحَادِيثُ نَفْيًا كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا ، وَإِثْبَاتًا كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْوَصِيَّةِ لَهُ أَنَّهُ يُصَلِّي الضُّحَى ، نَزَلَ حَدِيثُ النَّفْيِ عَلَى السَّفَرِ ، وَحَدِيثُ الْإِثْبَاتِ عَلَى الْحَضَرِ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَرْجَمَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : صَلَاةُ الضُّحَى فِي الْحَضَرِ ، وَتَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ فِي السَّفَرِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا تُصَلَّي فِي السَّفَرِ بِحَسَبَ السُّهُولَةِ لِفِعْلِهَا ، وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ التَّصْرِيحُ بِالْحَضَرِ ، لَكِنْ اسْتَنَدَ ابْنُ الْمُنِيرِ إِلَى قَوْلِهِ فِيهِ : وَنَمْ عَلَى وِتْرٍ ، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ كَوْنُ ذَلِكَ فِي الْحَضَرِ ، لِأَنَّ الْمُسَافِرَ غَالِبُ حَالِهِ الِاسْتِيفَازُ وَسَهَرُ اللَّيْلِ ، فَلَا يَفْتَقِرُ لِإِيصَاءٍ أَنْ لَا يَنَامَ إِلَّا عَلَى وِتْرٍ ، وَكَذَا التَّرْغِيبُ فِي صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُرَادَ بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى فِي السَّفَرِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ظَاهِرُهُ نَفْيُ ذَلِكَ حَضَرًا وَسَفَرًا ، وَأَقَلُّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ نَفْيُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ فِي السَّفَرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : صَحِبْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ . قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : لَمَّا نَفَى صَلَاتَهَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِحَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ - وَأَقَلُّ مَا يَتَحَقَّقُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ السَّفَرُ ، وَيَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ - فَحُمِلَ عَلَى السَّفَرِ لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِلتَّخْفِيفِ ، لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَةِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَتَنَفَّلُ فِي السَّفَرِ نَهَارًا . قَالَ : وَأَوْرَدَ حَدِيثَ أُمِّ هَانِئٍ لِيُبَيِّنَ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي السَّفَرِ حَالُ طُمَأْنِينَةٍ تُشْبِهُ حَالَةَ الْحَضَرِ كَالْحُلُولِ بِالْبَلَدِ شُرِعَتِ الضُّحَى ، وَإِلَّا فَلَا . قُلْتُ : وَيَظْهَرُ لِي أَيْضًا أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ الْمَذْكُورَةِ إِلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي السَّفَرِ سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ . فَأَرَادَ أَنَّ تَرَدُّدَ ابْنِ عُمَرَ فِي كَوْنِهِ صَلَّاهَا أَوْ لَا ، لَا يَقْتَضِي رَدَّ مَا جَزَمَ بِهِ أَنَسٌ ، بَلْ يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ فِي ذَلِكَ ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ الْمَذْكُورُ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَاكِمُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ تَوْبَةَ ) بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ ، وَوَاوٍ سَاكِنَةٍ ، ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ ، وهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ الْعَنْبَرِيُّ الْبَصْرِيُّ ، تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ مَا لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثٍ آخَرَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ مُوَرِّقٍ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ ، وَكَسْرِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : سَمِعْتُ مُوَرِّقًا الْعِجْلِيَّ ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ ، وَكَذَا مَنْ دُونَهُ فِي الْإِسْنَادِ ، وَلَيْسَ لِمُوَرِّقٍ فِي الْبُخَارِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( لَا إِخَالُهُ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ، وَتُفْتَحُ أَيْضًا ، وَالْخَاءُ مُعْجَمَةٌ أَيْ : لَا أَظُنُّهُ . وَكَأَنَّ سَبَبَ تَوَقُّفِ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ صَلَّاهَا ، وَلَمْ يَثِقْ بِذَلِكَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ ، وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ الْجَزْمُ بِكَوْنِهَا مُحْدَثَةً ، فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : إِنَّهَا مُحْدَثَةٌ ، وَإِنَّهَا لَمِنْ أَحْسِنِ مَا أَحْدَثُوا . وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ ، وَإِذَا نَاسٌ يُصَلُّونَ الضُّحَى ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلَاتِهِمْ ، فَقَالَ : بِدْعَةٌ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَجِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ صَلَاةِ الضُّحَى ، فَقَالَ : بِدْعَةٌ ، وَنِعْمَتِ الْبِدْعَةُ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَقَدْ قُتِلَ عُثْمَانُ ، وَمَا أَحَدٌ يُسَبِّحُهَا ، وَمَا أَحْدَثَ النَّاسُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهَا . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : مَا صَلَّيْتُ الضُّحَى مُنْذُ أَسْلَمْتُ ، إِلَّا أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ . أَيْ : فَأُصَلِّي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا عَلَى نِيَّةِ صَلَاةِ الضُّحَى ، بَلْ عَلَى نِيَّةِ الطَّوَافِ . وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَنْوِيهِمَا مَعًا . وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ خَاصٍّ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يُصَلِّي الضُّحَى إِلَّا يَوْمَ يَقْدُمُ مَكَّةَ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقْدُمُهَا ضُحًى فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، وَيَوْمَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ . وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَلِّي الضُّحَى إِلَّا أَنْ يَقْدُمَ مِنْ غَيْبَةٍ ، فَأَمَّا مَسْجِدُ قُبَاءٍ ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يُصَلِّي الضُّحَى إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ قُبَاءً . وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يُرِيدَ بِهِ صَلَاةَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ فِي وَقْتِ الضُّحَى لَا صَلَاةَ الضُّحَى . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ يَنْوِيهِمَا مَعًا كَمَا قُلْنَاهُ فِي الطَّوَافِ . وَفِي الْجُمْلَةِ لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذِهِ مَا يَدْفَعُ مَشْرُوعِيَّةَ صَلَاةِ الضُّحَى ؛ لِأَنَّ نَفْيَهُ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ رُؤْيَتِهِ ، لَا عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، أَوِ الَّذِي نَفَاهُ صِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ كَمَا سَيَأْتِي نَحْوُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ . قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ : إِنَّمَا أَنْكَرَ ابْنُ عُمَرَ مُلَازَمَتَهَا وَإِظْهَارَهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَصَلَاتَهَا جَمَاعَةً ، لَا أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ . وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَهَا فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ ، وَقَالَ : إِنْ كَانَ وَلَابُدَّ فَفِي بُيُوتِكُمْ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب صَلَاةِ الضُّحَى فِي السَّفَر · ص 62 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب صلاة الضحى في السفر · ص 236 ( باب صلاة الضحى في السفر ) أي هذا باب في بيان صلاة الضحى حال كون الذي يصلي في السفر ، والضحى بالضم والقصر فوق الضحوة ، وهي ارتفاع أول النهار ، والضحاء بالفتح والمد هو إذا علت الشمس إلى ربع السماء فما بعده . 201 - حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى ، عن شعبة ، عن توبة ، عن مورق ، قال : قلت لابن عمر رضي الله عنهما : أتصلي الضحى ؟ قال : لا . قلت : فعمر ؟ قال : لا . قلت : فأبو بكر ؟ قال : لا . قلت : فالنبي صلى الله عليه وسلم قال : لا إخاله . قال ابن بطال : ليس هذا الحديث من هذا الباب ، وإنما يصلح في «باب من لم يصل الضحى» وأظنه من غلط الناسخ . وقال الكرماني : هذا الحديث إنما يليق بالباب الذي بعده لا بهذا الباب ، وقال غيرهما : إن في توجيه ذلك ما فيه من التعسفات التي لا تشفي العليل ، ولا تروي الغليل حتى قال بعضهم : يظهر لي أن البخاري أشار بالترجمة المذكورة إلى ما رواه أحمد من طريق الضحاك بن عبد الله القرشي ، " عن أنس بن مالك قال : رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صلى في السفر سبحة الضحى ثمان ركعات " فأراد أن تردد ابن عمر في كونه صلاها أولا لا يقتضي رد ما جزم به أنس ، بل يؤيده حديث أم هانئ في ذلك انتهى . ( قلت ) : لو ظهر له توجيه هذه الترجمة على وجه يقبله السامع لما قال قولا تنفر عنه سجية ذوي الأفهام ، فليت شعري كيف يقول : إن البخاري أشار بهذه الترجمة إلى حديث أنس الذي فيه الإثبات المقيد ، وحديث الباب الذي فيه النفي المطلق ، ثم يقول فأراد أن تردد ابن عمر إلى آخره ، فكيف يقول : إنه تردد بل جزم بالنفي فيقتضي ظاهرا رد ما جزم به أنس بالإثبات ، فمن له نظر ومعرفة بهيئة التركيب كيف يقول بأن ابن عمر تردد في هذا ، والتردد لا يكون إلا بين النفي والإثبات ، وهو قد جزم بالنفي مع تكرار حرف النفي أربع مرات ، ويمكن أن يوجه وجه بالاستئناس بين الترجمة وحديثي الباب اللذين أحدهما عن ابن عمر ، والآخر عن أم هانئ رضي الله تعالى عنهم بأن يقال : معنى الترجمة باب صلاة الضحى في السفر هل يصلي أو لا ؟ فذكر حديث ابن عمر إشارة إلى النفي مطلقا ، وحديث أم هانئ إشارة إلى الإثبات مطلقا ، ثم يبقى طلب التوفيق بين الحديثين فيقال : عدم رؤية ابن عمر من الشيخين ، ومن النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الضحى لا يستلزم عدم الوقوع منهم في نفس الأمر ، أو يكون المراد من نفي ابن عمر نفي المداومة لا نفي الوقوع أصلا ، ونظير ذلك ما قالت عائشة في حديثها المتفق عليه : " ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح سبحة الضحى ، وإني لأسبحها " ، وفي رواية : " لأستحبها " ومع هذا ثبت عنها في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى أربعا ، فمرادها من النفي عدم المداومة ، وحكى النووي في الخلاصة عن العلماء أن معنى قول عائشة رضي الله عنها : " ما رأيته يسبح سبحة الضحى " أي لم يداوم عليها ، وكان يصليها في بعض الأوقات فتركها في بعضها خشية أن تفرض ، قال : وبهذا يجمع بين الأحاديث ، ( فإن قلت ) : يعكر على هذا ما روي عن ابن عمر من الجزم بكونها محدثة ، وكونها بدعة ، أما الأول فما رواه سعيد بن منصور بإسناد صحيح ، عن مجاهد ، عن ابن عمر أنه قال : إنها محدثة ، وإنها لمن أحسن ما أحدثوا . وأما الثاني : فما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن الحكم بن الأعرج قال : سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال : بدعة نعمت البدعة . ( قلت ) : أجاب القاضي عنه أنها بدعة أي ملازمتها وإظهارها في المساجد مما لم يكن يعهد لا سيما ، وقد قال : ونعمت البدعة قال : وروي عنه ما ابتدع المسلمون بدعة أفضل من صلاة الضحى كما قال عمر في صلاة التراويح ، لا أنها بدعة مخالفة للسنة قال : وكذلك روي عن ابن مسعود لما أنكرها على هذا الوجه وقال : إن كان ولا بد ففي بيوتكم لم تحملون عباد الله ما لم يحملهم الله ؟ كل ذلك خيفة أن يحسبها الجهال من الفرائض . ( ذكر رجاله ) وهم ستة ؛ الأول : مسدد ، وقد تكرر ذكره . الثاني : يحيى بن سعيد القطان الأحول . الثالث : شعبة بن الحجاج . الرابع : توبة بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الواو وفتح الباء الموحدة ابن كيسان ، أبو المورع بفتح الواو وكسر الراء المشددة العنبري ، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة . الخامس : مورق بضم الميم وفتح الواو وتشديد الراء المكسوة ابن المشمرج بضم الميم وفتح الشين المعجمة وسكون الميم وفتح الراء وبالجيم كذا ضبطه الكرماني بفتح الراء وضبط غيره بكسرها . السادس : عبد الله بن عمر بن الخطاب . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في عشرة مواضع ، وفيه أن رواته كلهم بصريون ما خلا الحجاج فإنه واسطي ، وقيل : مورق كوفي ، وفيه أنه ليس للبخاري عن توبة إلا هذا الحديث وحديث آخر ، وفيه أنه ليس للبخاري عن مورق ، عن ابن عمر غير هذا الحديث ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ؛ لأن توبة من التابعين الصغار ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وفيه أن هذا الحديث أيضا من أفراده . ( ذكر معناه ) قوله : " تصلي الضحى " أي أتصلي صلاة الضحى ، قوله : " قال : لا " أي قال ابن عمر : لا أصلي ، قوله : " فعمر " أي أفيصلي عمر ؟ " قال : لا " أي لم يكن يصلي ، قوله : " فأبو بكر " أي أفيصلي أبو بكر الصديق ؟ " قال : لا " أي لم يكن يصلي ، قوله : " فالنبي " أي أفيصلي النبي صلى الله عليه وسلم ؟ " قال : لا إخاله " أي لا أظنه أنه صلى ، وهو بكسر الهمزة ، وهو الأفصح ، وجاز في جميع حروف المضارعة الكسر إلا الياء ، فإنه اختلف فيه ، وبنو أسد يقولون : أخال بالفتح ، وهو القياس ، وهو من خلت الشيء خيلاء وخيلة ومخيلة وخيلولة أي ظننته ، وهو من باب ظننت وأخواتها التي تدخل على الابتداء والخبر ، فإن ابتدأت بها أعملت ، وإن وسطتها أو أخرت فأنت بالخيار بين الإعمال والإلغاء ، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومفعوله الثاني محذوف ، تقديره : لا أظنه مصليا أو لا أظنه صلى .