33 - بَاب صَلَاةِ الضُّحَى فِي الْحَضَرِ ، قَالَهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1178 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْجُرَيْرِيُّ هُوَ ابْنُ فَرُّوخَ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ : صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَلَاةِ الضُّحَى وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى فِي الْحَضَرِ ، قَالَهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي بَيْتِهِ سُبْحَةَ الضُّحَى ، فَقَامُوا وَرَاءَهُ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ . أَخْرَجَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ يُونُسَ عَنْهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ مُطَوَّلًا ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ السُّبْحَةِ ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا فِي مَوَاضِعَ ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ ، وَالْجُرَيْرِيُّ بِضَمِّ الْجِيمِ . قَوْلُهُ : ( أَوْصَانِي خَلِيلِي ) الْخَلِيلُ : الصَّدِيقُ الْخَالِصُ الَّذِي تَخَلَّلَتْ مَحَبَّتُهُ الْقَلْبَ ، فَصَارَتْ فِي خِلَالِهِ ؛ أَيْ فِي بَاطِنِهِ ، وَاخْتُلِفَ : هَلِ الْخُلَّةُ أَرْفَعُ مِنَ الْمَحَبَّةِ ، أَوِ الْعَكْسُ ، وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا لَا يُعَارِضُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ . ؛ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ أَنْ يَتَّخِذَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَهُ خَلِيلًا لَا الْعَكْسُ ، وَلَا يُقَالُ : إِنَّ الْمُخَالَلَةَ لَا تَتِمُّ حَتَّى تَكُونَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ ، لِأَنَّا نَقُولُ : إِنَّمَا نَظَرَ الصَّحَابِيُّ إِلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ ، فَأَطْلَقَ ذَلِكَ ، أَوْ لَعَلَّهُ أَرَادَ مُجَرَّدَ الصُّحْبَةِ أَوِ الْمَحَبَّةِ . قَوْلُهُ : ( بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : لَا أَدَعُهُنَّ إِلَخْ مِنْ جُمْلَةِ الْوَصِيَّةِ ، أَيْ أَوْصَانِي أَنْ لَا أَدْعَهُنَّ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِخْبَارِ الصَّحَابِيِّ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ . قَوْلُهُ : ( صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ) بِالْخَفْضِ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ : بِثَلَاثٍ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ . قَوْلُهُ : ( مِنْ كُلِّ شَهْرِ ) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْبِيْضُ ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا فِي كِتَابِ الصَّوْمِ . قَوْلُهُ : ( وَصَلَاةِ الضُّحَى ) زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ : كُلَّ يَوْمٍ . وَسَيَأْتِي فِي الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي التَّيَّاحِ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ بِلَفْظِ : وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : لَعَلَّهُ ذَكَرَ الْأَقَلَّ الَّذِي يُوجَدُ التَّأْكِيدُ بِفِعْلِهِ ، فِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ الضُّحَى ، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ ، وَعَدَمُ مُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِعْلِهَا لَا يُنَافِي اسْتِحْبَابَهَا ، لِأَنَّهُ حَاصِلٌ بِدَلَالَةِ الْقَوْلِ ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْحُكْمِ أَنْ تَتَضَافَرَ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، لَكِنْ مَا وَاظَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِعْلِهِ مُرَجَّحٌ مَا لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي التَّيَّاحِ : وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ الْوِتْرِ عَلَى النَّوْمِ ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَثِقْ بِالِاسْتِيقَاظِ ، وَيَتَنَاوَلُ مَنْ يُصَلِّي بَيْنَ النَّوْمَيْنِ . وَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَرَدَ مَثَلُهَا لِأَبِي الدَّرْدَاءِ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ فِيمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ . وَالْحِكْمَةُ فِي الْوَصِيَّةِ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى ذَلِكَ تَمْرِينُ النَّفْسِ عَلَى جِنْسِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ لِيَدْخُلَ فِي الْوَاجِبِ مِنْهُمَا بِانْشِرَاحٍ ، وَلِيَنْجَبِرَ مَا لَعَلَّهُ يَقَعُ فِيهِ مِنْ نَقْصٍ . وَمِنْ فَوَائِدِ رَكْعَتَيِ الضُّحَى أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنِ الصَّدَقَةِ الَّتِي تُصْبِحُ عَلَى مَفَاصِلِ الْإِنْسَانِ فِي كُلِّ يَوْمٍ ، وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ مِفْصَلًا كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ، وَقَالَ فِيهِ : وَيُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ رَكْعَتَا الضُّحَى . وَحَكَى شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ اشْتَهَرَ بَيْنَ الْعَوَامِّ أَنَّ مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثُمَّ قَطَعَهَا يَعْمَى ، فَصَارَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَتْرُكُونَهَا أَصْلًا لِذَلِكَ ، وَلَيْسَ لِمَا قَالُوهُ أَصْلٌ ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِمَّا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامِّ لِيَحْرِمَهُمُ الْخَيْرَ الْكَثِيرَ لَا سِيَّمَا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ . ( تَنْبِيهَانِ ) : ( الْأَوَّلُ ) : اقْتَصَرَ فِي الْوَصِيَّةِ لِلثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ أَشْرَفُ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ ، وَلَمْ يَكُنِ الْمذكرُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ . وَخُصَّتِ الصَّلَاةُ بِشَيْئَيْنِ ، لِأَنَّهَا تَقَعُ لَيْلًا وَنَهَارًا بِخِلَافِ الصِّيَامِ . ( الثَّانِي ) : لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ تَقْيِيدٌ بِسَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ . وَالتَّرْجَمَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالْحَضَرِ ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ يَتَضَمَّنُ الْحَضَرَ ، لِأَنَّ إِرَادَةَ الْحَضَرِ فِيهِ ظَاهِرَةٌ ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ مُمْكِنٌ ، وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ فَبَعِيدٌ ، لِأَنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ التَّخْفِيفِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب صَلَاةِ الضُّحَى فِي الْحَضَر · ص 68 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب صلاة الضحى في الحضر · ص 241 ( باب صلاة الضحى في الحضر ) أي هذا باب في بيان صلاة الضحى في الحضر . ( قاله عتبان بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ) . وفي بعض النسخ قال عتبان عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكره البخاري في «باب إذا زار الإمام قوما فأمهم» حدثنا معاذ بن أسد ، قال : أخبرنا عبد الله ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، قال : أخبرني محمود بن الربيع ، قال عتبان بن مالك الأنصاري قال : استأذن علي النبي صلى الله عليه وسلم فأذنت له ، فقال : أين تحب أن أصلي في بيتك ، فأشرت له إلى المكان الذي أحب ، فقام وصففنا خلفه ، ثم سلم فسلمنا انتهى . وليس فيه ذكر السبحة ، ورواه أحمد من طريق الزهري ، عن محمود بن الربيع ، " عن عتبان بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في بيته سبحة الضحى ، فقاموا وراءه فصلوا بصلاته " ، وأخرجه مسلم من رواية ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب أن محمود بن الربيع الأنصاري حدثه أن عتبان بن مالك ، وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدرا من الأنصار " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني قد أنكرت بصري " الحديث بطوله ، وليس فيه ذكر السبحة ، وسيذكره البخاري أيضا بعد بابين في «باب صلاة النوافل جماعة» . 204 - حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : أخبرنا شعبة ، قال : حدثنا عباس الجريري هو ابن فروخ ، عن أبي عثمان النهدي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت : صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، وصلاة الضحى ، ونوم على وتر . قيل : لا مطابقة بينه وبين الترجمة ؛ لأن الحديث مطلق ليس فيه ذكر سفر ولا حضر ، والترجمة مقيدة بالحضر . ( قلت ) : الحديث بإطلاقه يتناول حالة السفر والحضر يدل عليه ، قوله : " لا أدعهن حتى أموت " فحصل التطابق من هذا الوجه ، وفيه كفاية . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ؛ الأول : مسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب ، وقد تكرر ذكره . الثاني : شعبة بن الحجاج . الثالث : عباس بفتح العين المهملة وتشديد الباء الموحدة ابن فروخ بالخاء المعجمة الجريري بضم الجيم وفتح الراء الأولى ، وهو نسبة إلى جرير بن عباد بضم العين وتخفيف الباء الموحدة . الرابع : أبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي بفتح النون وسكون الهاء وبالدال المهملة ، نسبة إلى نهد بن زيد بن ليث بن سود بن الحاف بن قضاعة . الخامس : أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه اثنان مذكوران بالنسبة ؛ أحدهما باسمه ، والآخر بكنيته ، وفيه أن رواته بصريون ما خلا شعبة ، فإنه واسطي . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في «الصوم» عن أبي معمر ، عن عبد الوارث ، عن أبي التياح ، وأخرجه مسلم في «الصلاة» : عن شيبان بن فروخ ، وعن محمد بن المثنى ، ومحمد بن بشار ، وأخرجه النسائي فيه : عن محمد بن بشار ، عن غندر ، عن شعبة ، وعن محمد بن علي ، وعن بشر بن هلال . ( ذكر معناه ) قوله : " خليلي " أراد به النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لا يخالف ما قاله صلى الله تعالى عليه وسلم : " لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر " ؛ لأن الممتنع أن يتخذ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غيره خليلا لا العكس ، والخليل هو الصديق الخالص الذي تخللت محبته القلب فصارت في خلاله أي في باطنه ، وفي رواية النسائي من حديث أبي الدرداء " أوصاني حبيبي " على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى ، ثم هل فرق بينهما أم لا ، قال بعضهم : لا يقال : إن المخاللة تكون من الجانبين ؛ لأنا نقول : إنما نظر الصحابي إلى أحد الجانبين ، فأطلق ذلك ، أو لعله أراد مجرد الصحبة أو المحبة . ( قلت ) : هذا الكلام في غاية الوهاء ، وليت شعري فأين صيغة المفاعلة هاهنا حتى يجيء هذا السؤال ، والجواب أوهى من السؤال ؛ لأن أحدا من أهل الأدب لم يقل ذلك بهذا الوجه ، قوله : " بثلاث " أي بثلاثة أشياء ، قوله : " لا أدعهن " أي لا أتركهن ، والضمير يرجع إلى الثلاث ، وقال بعضهم : " لا أدعهن " إلى آخره من جملة الوصية ، أي أوصاني أن لا أدعهن ، ويحتمل أن يكون من إخبار الصحابي بذلك عن نفسه . ( قلت ) : هو إخبار عن نفسه بتلك الوصية بأن لا يتركها إلى أن يموت بعد إخباره بها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والدليل عليه أن قوله : " لا أدعهن حتى أموت " غير مذكور في رواية مسلم مع أنه أخرجه من رواية أبي عثمان النهدي عنه ، قال : " أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث : بصيام ثلاثة أيام من كل شهر ، وركعتي الضحى ، وأن أوتر قبل أن أرقد " ورواه أيضا من رواية أبي رافع الصائغ عنه كذلك ، ورواه النسائي من رواية أبي عثمان النهدي عنه كذلك ، فالحديث واحد ، ومخرجه واحد ، فلا يحتاج في تفسير قوله : " لا أدعهن " إلى التردد ، وأقوى الدليل على ما قلنا رواية النسائي ولفظه : " أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن إن شاء الله أبدا : أوصاني بصلاة الضحى " الحديث على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى . ( فإن قلت ) : ما محل هذه الجملة من الإعراب . ( قلت ) : يجوز فيه الوجهان الجر لكونها صفة لقوله : " بثلاث " ؛ لأنه يشبه النكرة في الإبهام ، وإن كان موضوعا في الأصل لعدد معين ، والنصب على أن يكون حالا بالنظر إلى الأصل فافهم ، قوله : " حتى أموت " كلمة " حتى " للغاية ، وأموت منصوب بأن المقدرة ، والمعنى إلى أن أموت أي إلى موتي ، قوله : " صوم ثلاثة أيام " يجوز في صوم الجر على أن يكون بدلا من قوله : " بثلاث " ويكون صلاة الضحى ونوم مجروران عطفا عليه ، ويجوز فيه الرفع على أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، أي هي صوم ثلاثة أيام وصلاة الضحى ونوم على وتر بالرفع في الكل ، والمراد من ثلاثة أيام ظاهره هي أيام البيض ، وإن كان يحتمل أن يكون سرد الشهر ، قوله : " وصلاة الضحى " لم يتعرض فيه إلى العدد ، وبينه في رواية مسلم بقوله : " وركعتي الضحى " كما مر الآن ، وفي رواية أحمد زيادة وهي ، قوله : " وصلاة الضحى كل يوم " ، قوله : " ونوم على وتر " ، وفي رواية البخاري من طريق ابن التياح على ما يجيء في الصوم ، وأن أوتر قبل أن أنام " وبمثل وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة أوصى بها صلى الله عليه وسلم لأبي الدرداء فيما رواه مسلم ، حدثنا هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع ، قال : حدثنا ابن فديك ، عن الضحاك بن عثمان ، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين ، عن أبي مرة مولى أم هانئ " عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال : أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاث لن أدعهن ما عشت : بصيام ثلاثة أيام من كل شهر ، وبصلاة الضحى ، وبأن لا أنام حتى أوتر " وبمثل ذلك أيضا أوصى لأبي ذر رضي الله تعالى عنه فيما رواه النسائي ، قال : أخبرنا علي بن حجر ، قال : أخبرنا إسماعيل ، قال : حدثنا محمد بن أبي حرملة ، عن عطاء بن يسار ، " عن أبي ذر قال : أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن إن شاء الله تعالى أبدا : أوصاني بصلاة الضحى ، وبالوتر قبل النوم ، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر " . ( فإن قلت ) : ما الحكمة في الوصية بالمحافظة على هذه الثلاث . ( قلت ) : أما في صوم ثلاثة أيام من كل شهر إشارة إلى تمرين النفس على جنس الصيام ، وفي صلاة الضحى إشارة إلى ذلك في جنس الصلاة ، وأما في الوتر قبل النوم إشارة إلى أن ذلك في المواظبة عليه ، وفيه أمارة الوجوب ، ووقته في الليل ، وهو وقت الغفلة والنوم والكسل ، ووقت طلب النفس الراحة . ( فإن قلت ) : ما وجه تخصيص أبي هريرة وأبي ذر بهذه الوصية . ( قلت ) : لأنهما كانا من الفقراء ، ولم يكونا من أصحاب الأموال ، فالصوم والصلاة من أشرف العبادات البدنية ، فوصاهما بما يليق بهما ، والوتر من جنس الصلاة . ومن فوائد الحديث المذكور الإشارة إلى فضيلة صلاة الضحى ، وفضيلة صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، فالحسنة بعشر أمثالها ، فإذا صام في كل شهر ثلاثة أيام ، وصام شهر رمضان ، فكأنما صام سنته تلك كلها ، وقيل : أما الوتر فإنه محمول على من لا يستيقظ آخر الليل ، فإن أمن فالتأخير أفضل للحديث الصحيح : " فانتهى وتره إلى السحر " .